“لا تلعنوا الظلام بل اشعلوا الشموع، لا تخافوا لهيبها فالمكان آمن، في هذا الفضاء الساحر تبعث الروح من جديد، هنا بين الاقواس العالية والاعمدة الصامدة تكتب سنويا تفاصيل للجمال وتنحت من جديد خبايا أخرى للحياة، تيسدروس كعادتها وفية لمحبيها، تستقبلهم بالياسمين وعبق التاريخ، يفتح المسرح ابوابه لاستقبال محبي الموسيقى السيفونية والباحثين عن ترياق يشفي الروح ويساعدها لترحل بعيدا الى الهناك حيث لا حدود زمكانية.
في تيسدروس التقى الجمهور مع الاوركسترا لسيفوني بسوسة وعرض “سيفونيات طربية” تحت قيادة المايسترو محمد الرواتبي، وكان اللقاء الثاني ضمن فعاليات الدورة التاسعة والثلاثين لمهرجان الجم الدولي للموسيقى السنفونية.
الموسيقى بوابة للجمال
في تيسدروس تتفتح ورود الحياة، ينبثق الربيع من وسط الحجارة، في الظاهر تبدو صماء، وحين تقترب منها قليلا ستجدها تغني، تردد اهازيجها الخاصة وتذكر زوار المكان بمن مروا من هنا، الشموع المتلألئة كما النجوم تضيء دروب الحكاية وتخبر زوار اليوم عن قصص سكان الامس، الإضاءة الخافتة الخارجة من الأسفل تشبه صرخات المتسابقين لازال يتردد صداها الى اليوم فتيسدروس شاهد على عراقة المكان ودوره الثقافي والحضاري.
“طربيات سيفونية” هو اسم العرض الذي قدمه الأوركسترا السيفوني بسوسة ضمن فعاليات الدورة التاسعة والثلاثين لمهرجان الجم الدولي للموسيقى السيفونية، الأوركسترا تحت قيادة المايسترو محمد الرواتبي ويضم ثلة من خيرة العازفين في سوسة، قام العرض على إعادة توزيع موسيقي اوركسترالي لباقة من الأغاني الطربية لأشهر الفنانين العرب والتونسيين، الموسيقى وحدها كانت صلة الربط بين للمتلقي وسحر المكان، كتبت الكمنجات ملحمة للحب، عزفت الات الناي سردية متجددة للحياة اما البيانو فكان عنوانا للحظات الهادئة في الحفل.
التوزيع الاوركسترالي لأغاني يحفظها الجمهور ليست بالأمر الهيّن فالمتلقي تعوّد على لحن محدد يحفظه لكن نجحت الفرقة في شد انتباه جمهور مختلف، إعادة توزيع الأغاني كان ممتعا للأذن المتعطشة للموسيقى.
انسجمت الايقاعات والنوتات الموسيقية مع جمال الكمان، صنعت مشهدية بصرية تشحذ الروح بمعاني البهاء وتحمل المتلقي الى عوالم أفضل، فلقاء الموسيقى بالتاريخ يشبه اللقاءات السحرية.
“طربيات سيفونية” سبق وان قدم العرض في الموسم الثقافي في المسرح البلدي بسوسة وانقسم عرض الجم الى جزأين، اوّل قدموا فيه أغاني تونسية وثان اغان عربية، وشارك في العرض الفنانين منال عمارة محفوظي (يا غالي علي) وحمدي شلغمي (زعمة النار تطفاشي) واية ضيفاوي وحنان مليكة وحيدر امير وايناس بن عافية.
الأغاني المختارة جزء من الهوية الموسيقية التونسية ولكن كبر المسرح ربما ظلم الفنانين، فباستثناء حمدي الشلغمي الذي غنى “زعمة النار تطفاشي” واطل على الركح بجبة تونسية زادت الصورة بهاءا، الشلغمي اقنع الجمهور وكان صوته قويا وواضحا، كذلك ايناس بن عافية، أدت اغانيها بحرفية ونجحت في مهمتها اما البقية فتميز أدائهم بالرتابة رغم سحر الموسيقى والمكان، ربما ظلمهم المسرح وضاع الصوت والاحساس في اغلب الأغاني.
درصاف حمداني منقذة الحفل:
فنانة متمكنة من أدائها، صوتها رهيب وحضورها على المسرح العظيم، وسط الشموع المتلالئة بدت درصاف حمداني كما الاميرات، هي سيدة المكان وصانعة السحر فيه، الى الجمهور غنت بكل ثقة وحرفية، أحبها جمهور مسرح الجم وقابلها بالزغاريد، انتشت بالموسيقى ومنحت الجمهور مساحة للفرح في قصر تيسدروس العظيم.
درصاف حمداني انقذت الحفل من رتابته بعثت روحا أخرى على المكان والعرض، غنت وعزف المايسترو محمد الرواتبي على البيانو كان اللقاء ممتعا بين سحر الموسيقى وروعة صوت وحضور فنانة تحترم جمهورها نجحت طيلة سنوات في نحت مسيرة فنية تشبه جموحها واختلافها.
نجحت درصاف حمداني امام جمهور مهرجان الجم، غنت، تماهت مع الموسيقى، احبها الجمهور، انتصرت للفن والاغنية الطبية بحضورها المقنع، فنانة متمكنة جدا من الياتها الفنية، لها القدرة على مجاراة الجغرافيا والزمان لتصنع الحدث الموسيقي، في عرض “سينفونيات طربية” كانت نقطة القوة، وبحضورها تألقت وأثبتت جدارتها الفنية.
مهرجان الجم الوحيد المتخصص فانقذوه من التخبط المالي
تيسدروس تفتح أبوابها سنويا لتستقبل محبي الموسيقى السيفونية، يتزين المسرح سنويا بالشموع وسينوغرافيا بسيطة تزيد من رهبة المكان وبريقه لاستقبال ضيوف المدينة، الجم المدينة الضاربة في التاريخ تحتفي سنويا بمهرجان الموسيقى السيفونية، المهرجان الوحيد ذي الخصوصية في الموسم الصيفي.
مهرجان يقارع في جودته تظاهرتي أيام قرطاج الموسيقية والسينمائية، مهرجان الجم للموسيقى السيفونية جزء من فعل ثقافي خارج المركز، فعالية تدافع عن الحق في الثقافة خارج العاصمة وترسّخ لثقافة بديلة وموسيقة كونية تنتصر للابداع، المهرجان يدافع عن دمقرطة الثقافة وحق الجميع في الابداع.
يحافظ مهرجان الجم على جودة العروض، يمنح سنويا الفرصة للفرق الاوركسترالية التونسية الفرصة ليصعدوا على ركح تيسدروس العظيم، يعرّف الجمهور بنمط موسيقي مختلف عن السائد، اصبح المهرجان جزء من الذائقة الجماهيرية وميزة الجهة، المهرجان يعرف بالموروث الحضاري والتاريخي للتونس والجم، كما يعرّف بالمواقع الاثرية وقصر الجم المصنف تراث عالمي احدها.
المهرجان له صبغة ثقافية سياحية، فعرض اوركسترا “فيينا” يصطحب سنويا العديد من السياح ليكتشفوا الجم ويتمعنوا بسحر تيسدروس وحكاياته، ويستحق المهرجان المزيد من الدعم من كل الأطراف المتدخلة خاصة وزارتي السياحة والثقافة، فما يقدمه المهرجان او عرض اوركسترالي يختزل أحيانا مسافات كثيرة للتعريف بجهة ما.
مهرجان الجم للموسيقى السيفونية هو الوحيد المختص في العالم العربي وافريقيا، مهرجان يدافع عن الموسيقى الكلاسيكية ويثمّنها، ورغم الصعوبات المالية لازالت الجمعية المنظمة للمهرجان تعمل بحرص ليكون في موعده سنويا، اغلب العروض في إطار التعاون الثقافي الدولي لان ميزانية المهرجان لا تسمح باقتناء عرض دولي واحد.
جمعية مهرجان الجم تعمل طيلة العام لتوفر للجمهور أفضل العروض ولكن الصعوبات المالية هي العائق الابرزدورة 2026 مثلا تحصل المهرجان على دعم قيمته 150 الف دينار من الوزارات بينما بلغ سعر تذاكر الطيران قرابة 170 الف دينار، كما تعاني الجمعية من بطئ الإجراءات الإدارية أحيانا.
مهرجان الجم للموسيقى السيفونية عنوان للتميز والاختلاف، المهرجان يستحق دعما حقيقيا لأنه يخدم السياحة والثقافة، التعريف بالموروث الاثري والحضاري لتونس يحتاج دعما اكبر لانّ المهرجان لبنة أولى للدفاع عن الموسيقى الكلاسيكية القادرة على جلب جمهور وسياح من كل العالم اذا توفرت الإمكانيات.
يوفر المهرجان طيلة العروض حافلة لنقل محبي الموسيقى السيفونية من تونس العاصمة الى الجم، وفي عرض أوركسترا فيينا يوفر قطارا والتجربة في القطار فنية وإنسانية جد مميزة، تجربة يستحق ان تعاش، طيلة أيام المهرجان تصبح المدينة اكثر حياة ويساعد على خلق بعض مصادر التنمية الاجتماعية والاقتصادية وهي جزء من اهداف المهرجان، الجم يستحق دعما ينقذه من التخبط المالي.