“الهاربات” لوفاء الطبوبي : نحلم بدستور لكل التونسيين ووطن يستوعب احلامنا؟ فهل الحلم مباح؟
أيام قرطاج المسرحية

“الهاربات” لوفاء الطبوبي : نحلم بدستور لكل التونسيين ووطن يستوعب احلامنا؟ فهل الحلم مباح؟

  يتعلق المسرح العظيم بتحدي طريقة تفكيرنا وتشجيعنا على تخيل [...]

2 December 2025
1 دقائق

 

يتعلق المسرح العظيم بتحدي طريقة تفكيرنا وتشجيعنا على تخيل عالم نطمح إليه مقولة للمثل الأمريكي دافو منها انطلقت مسرحية “الهاربات” اخراج وفاء الطبوبي، فالشخصيات تحلم بوطن يحترم جميع أبنائه، وطن يشغّل أبنائه بكرامة ويضمن حقوقهم، وطن يكون جميع مواطنيه سواسية امام القانون، وطن يجمّع أبنائه ولا يفرّقهم، وطن يأمّن حقوق البسطاء الصحية والثقافية والأمنية، فهل الحلم صعب؟ ام وطن كهذا بعيد المنال؟

“الهاربات” نص وإخراج وفاء الطبوبي أداء فاطمة بن سعيدان ولبنى نعمان ومنيرة الزكراوي واميمة البحري واسامة الحنايني وصابرين عمر، موسيقى هاني بلحمادبي وتصميم وتنفيذ الأزياء غسان دويسة وموظب صوت هاني بلحمادي ومحمد الهادي التوتي واضاءة فيصل صالح وموضب انتاج عدنان العبيدي وإدارة فنية هاجر التومي، المسرحية فازت بجائزة العمل المتكامل في مواسم الابداع وجائزة افضل ممثلة لفاطمة بن سعيدان والتانيت الذهبي في الدورة السادسة والعشرين لايام قرطاج المسرحية مع جائزة افضل نص وافضل ممثلة للبنى نعمان.

 

الترميز يفتح بوابات السؤال:

 

تمحى الملامح امام الوجع، تتلاشى تدريجيا الأصوات امام قوة العنف والظلم، ستّ شخصيات تائهة، تبحث عن طريق الخلاص تعيش الحيرة بين العودة او مواصلة المشوار، يتصارعون من الأصح وجميعهم تائه، لكل رغبة وسبب في الخروج من ذاك الضيق ولكنهم يجبرون على المواصلة، هنّ الهاربات، انتصار من كاتبة النص للنساء، لحاملات الوجع والحقيقة رغم وجود عنصر رجالي بينهنّ حافظت وفاء الطبوبي على ضمير “الهنّ” في اسم العمل، فكنّ الهاربات سردية للألم ونساء يبحثن عن الخلاص من ذواتهنّ قبل الخلاص من الاخر.

يوم عادي، تتأخر الحافلة قليلا ولكن هذا اليوم يتحول الى حدث مأساوي يجمع شخصيات مختلفة جمعهم فقط الطريق، كل الشخصية لها سببها لتواصل الرحلة حدّ نقطة الوصول وفي الاثناء يحدث البوح، وتتحوّل حكاياتهم الى فضاء للحدث المسرحي والشجن النفسي والمجتمعي.

ستّ شخصيات، متنافرة، مختلفة، متصارعة ومتناقضة جمعتهم الصدفة، كل منها محمّلة بالحكايات، وكأنها تعرضت لكتمان سنين ثمّ انفرج الحكي وكانت الجمل متسارعة متدفقة ملوّنة بالدم والموت والغضب وللتعبير عن غضب دفين تعيشه كل الشخصيات اعتمدت المخرجة على اضاءة معتمة، قسمت الركح الى أروقة صغيرة وكأنها المربع الخانق الذي تعيش به الشخصية، وكلما اجتمعوا في فضاء واحد تسلط الإضاءة من فوق في إحالة الى قزم هذه الشخصيات امام ضخامة المشاكل والوجع.

 

#image_title

الإضاءة تضفي بعدا جماليا على الفعل المسرحي، تزيد هيبة لحركة الممثل وتبرز ملامح الوجه ما تستطبنه من مشاعر متناقضة تعيشها الشخصية، الإضاءة المعتمة جزء من مشهدية بصرية اتقنت الطبوبي التعامل معها وانصهار الإضاءة مع جسد الممثل شكل لوحة تشكيلية يمكن قراءتها بأكثر من طريقة، لوحات عديدة تتناص فيها الشخصيات وتصبح كتلة جسدية واحدة تنعكس ظلالها على الجزء الخلفي للخشبة، فلعبة الضوء والظل قدمت مادة بصرية وفكرية تمتع المتفرج وتحفزه على السؤال في الوقت ذاته.

تحمل المخرجة جمهورها منذ المعلقة الى بوابات السؤال، في “افيش” المسرحية، مجموعة من الاقدام تلبس الأحذية السوداء “البورتكان” في إحالة مباشرة الى قوة اعتماد هؤلاء الناس على اقدامهم، فهي تحمل الجسد ومعه وزر الفكرة والتعب، انصاف أجساد تلبس الأسود تعرّي قليلا الاقدام وكأنها في حالة قفز، فالمعلقة لم تأتي من الفراغ هي اللقاء الاول بين الجمهور والمسرحية.

اغلب ملابس الشخصيات سوداء او الوانها قاتمة، سردية الظلمة تسيطر على الحكاية، والوجع الداخلي يبرز الى الخارج من خلال اللباس، هذه الشخصيات رغم المها، تسكنها الرغبة في التمرد والثورة، هم ليسوا خانعون بل يريدون التغيير، هذا الغضب سينقل من خلال اللون الأحمر، فكل الشخصيات النسائية والرجالية في احد المشاهد ستجلس وبعد ان تصطدم بقبح الطريق، يحاولون الاستراحة ويرفعون اللباس العلوي لنجد ان جميعهم يلبسون اللون الأحمر، سروال داخلي وجوارب حمراء حمرة الغضب والدم، للألوان رمزيتها واعمال الطبوبي جميعها تنبثق من الرمز وتحمّل المتفرج الى عوالم السؤال والبحث ثم تأخذه الى محامل الحقيقة.

 

صراع الأجيال: اتهامات متبادلة دون حل.

 

من سيكتب مسار اليوم؟ هل يكتبه الشباب بأحلامهم الجامحة ونظرتهم المختلفة للتاريخ والمستقبل وقدرتهم على استعمال التقنيات الحديثة وتوظيفها للبناء والتقدّم الاقتصادي ام الاجتماعي؟ اما لازال جيل الامس يسيطر على الواقع والسلطة والأفكار؟ هذا الصراع بين الأجيال يجده جمهور “الهاربات” ويجسد في نقاش طويل وموجع جمع شخصيتين.

 شابة حالمة تدرس الحقوق وتحلم بتونس افضل، شخصية تعرف ان للشباب دوره ووجب ان يكون سيد الآن ويحقق احلامهم ويغير المنظومة السياسية والمجتمعية، الشخصية قدمتها اميمة البحري، ممثلة صادقة واعطت للشخصية الكثير من روحها، يقابلها شخصية بلغت من العمر عتيا، مقوسة الظهر، منحنية تركت السنين اثرها على ملامح الجسد والوجه ولكنها تمثل فئة لازالت متمسكة بكل شيء، لازالت تؤمن انّهم أصحاب الرأي الاسلم، وهم بناة السفينة ومنقذي تونس من الاستعمار هم أبناء المدرسة البورقيبية في التعليم والمتمسكين بقدرتهم في البناء والحفاظ على الوطن من جيل الثورات، شخصية مركّبة ابدعت العظيمة فاطمة بن سعيدان في تقديمها.

الصراع بين جيلين طرحته وفاء الطبوبي في مسرحيتها، اللقاء بين فاطمة بن سعيدان واميمة البحري في المشهد موجع جدا فكل جيل يحمّل الاخر مسؤولية الفشل، وكل يرى انه الاصح بالقيادة دون الانتباه لمساهمته في الفوضى، التي يراها الجيل الحالي احتجاج ويعتبرها الجيل الأسبق خراب.

الصراع بين الأجيال من مميزات الشعب التونسي، صراعات في كل المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية، كل جيل يرى نقاطه المضيئة ويبحث عن هنّات الاخرين دون محاولة للنقد ثم الإصلاح.

 

المسرحية صرخة المهمشين فهل من مجيب؟

 

تكتب وفاء الطبوبي نصوصها المسرحية بحساسية مفرطة ووعي عال بتأثير الكلمة في المتفرج، تصنع اعمالها من وجع الروح وتلبسها صدق القلب فتاتي صادقة مفعمة بالواقعية وممزوجة ببعض الخيال، في “الهاربات” اختارت الطبوبي مجموعة من المهمشين، تونسيين ظلمتهم الحياة وقست عليهم المنظومة الاجتماعية والحقوقية، الى أولئك الذين لا يعرفون ضوء النهار لانهم يخرجون فجرا ويعودون ليلا اهدت العمل، الى الحالمين بعيش كريم وشغل يحترم انسانيتهم وسيضمن كرامتهم اهدت وجع الشخصيات.

هم ستّة، خمس نساء ورجل واحد، اختلفوا جندريا ووظيفيا لكنهم اشتركوا في الإحساس بالظلم، يبحثون عن مسار الحافلة علّهم يصلون الى فضاء العمل، يريدون الامل، يتبعونه ليجدون طريق الامل مغلقا، فنحن في بلد حتّى الامل يمنح فقط لأصحاب النفوذ والمال، اماّ البسطاء فيعطونهم القليل من الوهم، الشخصيات الستة ابدع الممثلين في ملامسة دواخلها، فصنعوا الفرجة وايقظوا الحواس النائمة، كانوا فاعلين وحقيقيين لان أساس التمثيل هو حقيقة الفعل حسب ستانسلافسكي.

 

#image_title

 

موجع حضورها، هي عنوان لكل الكادحات الحالمات ببعض الكرامة، “بنت معمل” تهمة في مجتمع يحرم أبنائه الحق في شغل كريم، لبنى نعمان تناصت مع وجع الشغيلين، أدائها الصادق وبكائها اثناء اللعب يكشف عن ممثلة متمكنة من الياتها التمثيلية وقادرة على التحليق بالمتفرج الى عوالم حقيقية وليست خيالية، ممثلة واعية بحضورها عملا بمقولة مايسنر “إن كل شيء حدث على خشبة المسرح لابد أن يحدث لغرض ما. على الممثل أن يدرك سبب وقوفه أو حقه في أن يقف، فوق المنصة وليس هذا بالأمر السهل”.

“بنت المعمل” الهاربة من جحيم العائلة الى جحيم الاستغلال، شخصية توجد بالالاف في المنظومة الشغلية التونسية، هنّ الأقل حظا، ساعات عمل طويلة و20دقيقة راحة قبالة الكثير من الألم ودنانير معدودة نهاية اليوم، لبنى نعمان الحاصلة على جائزة افضل ممثلة في أيام قرطاج المسرحية، تماهت مع الم الشخصية ونقدن من خلالها توقيت العمل والاجر المتدني للعاملات وكذلك البنية التحتية المهترئة والاحلام المسروقة في بلد اصبح فيه الحلم غير مباح، كما تقول الشخصية.

الشخصية الأخرى لاستاذة تمارس المهنة دون انتداب، معوضة تحلم بلقاء تلاميذها يوميا، تحاول ان تلوّن عالمهم المفعم بضوضاء الشارع والم كثرة الدروس على أجسادهم وافكارهم، معلمة تعلّم الأجيال الحقوق والكرامة وحقها منهوب واحلامها تسرق يوميا من امامها لعدم الانتداب، فكيف نعلّم الأجيال الجديدة حبّ الوطن؟ وكرامة المعلّم منتهكة؟

لا صوت يعلو على المهمشين، من هم أسفل المنظومة الشغلية هم الأكثر صدقا ورغبة في الحياة، فاطمة بن سعيدان على الخشبة كانت شامخة، بجسدها النحيل حملت الام الشخصية، عاملة النظافة، المراة التي اشتعل راسها شيبا خدمة لبيوت الناس لتنظيفها وكسب لقمة العيش، تعلم الأبناء وتمنح صحتها فداء لتعليمهم فتكون النتيجة الجحود؟ واي وجع اثقل على الام من نكران أبنائها لها بسبب عملها، فاطمة ليست ممثلة بل ايقونة ومبدعة، على الخشبة كانت كطفلة صغيرة، تلقائية وصادقة عاندت الممثلين الشباب في السرعة والحركة وانسجمت معهم بشغفها لفن التمثيل، فاطمة الممثلة والعارفة بقيمة الشخصية عرّت امام الجمهور زيف الناس في التعامل مع البسطاء والحالمين.

رابعتهم “البرباشة” الحالمة بمشاهدة البحر ومكان يأوي الجسد برد الطريق، هي لا تتعب لانّ قدميها تعودتا على السير، ذاكرة متنقلة تلتقط قصص الشارع، لكل قارورة تلتقطها حكاية تعرفها جيدا، منيرة الزكراوي الخرساء اول العمل من شدة قسوة الكلمة، حين تنفلت الكلمات من جوفها تكون كما نار البركان الحارقة.

يستوي المتعلم وغير المتعلّم في وطني، فالكل أحلامه مجهضة واماله مسروقة وحقيقته مطموسة، خامس الشخصيات طالبة الحقوق المؤمنة بضرورة كتابة دستور جديد ينتصر للمهمشين، يسمعهم وسيضع احلامهم في صفحاته الأولى، دستور لكل التونسيين وليس حكرا على البعض، طالبة الحقوق لعبتها اميمة البحري، ممثلة متميزة، استطاعت ان تصنع صرخة غضب على الخشبة، خطاب يدكّ قلاع الصمت فهل من مجيب؟.

اخر الشخصيات “الراجل وسط النساء” قدمها الممثل أسامة الحنايني، شخصية لرجل يعاني من منظومة الزواج والطلاق وهروبه المستمر بسبب النفقة، الشخصية ليست بريئة قانونيا ولكنها تنقد المنظومة المجتمعية والتداخل بين الاسر لافساد أحلام العشاق، أسامة ممثل مبدع نجح قي الانصهار مع الممثلات وكانوا فعلا ستة من السحرة على الخشبة في “هاربات” وفاء الطبوبي.

“الهاربات” عمل مسرحي يلتقط حكايات أناس أحبوا الوطن واعطوه الجهد والفكرة والوقت والامل فلم يمنحهم غير الجفاء، مواطنون حلموا بالانتماء لبلدهم والاعتراف بهم فلفظهم لانّهم أسفل السلم الاقتصادي، هم صرخات يتردد صداها في كل فضاء وزمان، صرخات للحق، للعيش الكريم ولدستور يحترم كل التونسيين، هم مثل الطوفان الجارف يتشكل تدريجيا فاحذروا غضبهم اذا تجمّعوا على موقف واحد وثورة واحدة.

 

مفيدة خليل 

 

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.