“غيبوبة” لمحمد خليل البحري: كم عينا لك .. كم عينا عليك ؟
عن الفن و أهله

“غيبوبة” لمحمد خليل البحري: كم عينا لك .. كم عينا عليك ؟

تعتبر الدراما في شهر رمضان الطبق الفني المفضل لأغلب التونسيين، [...]

27 February 2026
0 دقائق

تعتبر الدراما في شهر رمضان الطبق الفني المفضل لأغلب التونسيين، المسلسلات بمواضيعها المختلفة هي محور النقاشات والتفاعل في اللقاءات الواقعية وكذلك العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي، وفي سياق اجتماعي عائلي دخلت قناة “تلفزة تي في” السباق الرمضان بمسلسل وصف بانه “عائلي” اخراج محمد خليل البحري وسيناريو فادي عباس ونوفل الورتاني عنوانه “غيبوبة”.

المسلسل من بطولة معز القديري ومحمد علي بن جمعة وشاكرة رماح وسارة الشريف ونور الزيتوني واباء حملي ومعز التومي ومرام بن عزيزة وضيفة شرف منى نور الدين وأنور العياشي وجمال المداني وطرح العمل موضوع التجارة بآلام الناس وحكايتهم واسرارهم عبر كل وسائل التواصل الافتراضي.

ادمان وسائل التواصل، غيبوبة نهايتها الألم:

منذ البداية يطرح السؤال عن “الغيبوبة” هل هي تلك الحالة المرضية التي تعيش داخلها احدى الشخصيات منذ الحلقة الأولى للعمل؟ ولكن مع تقدم الاحداث وتصاعدها يجد المتفرج نفسه متورطا في الحكاية، فالغيبوبة التي يطرحها العمل حالة عامة اصابت كل التونسيين، غيبوبة الإدمان الالكتروني والانفصال تدريجيا عن الواقع، الغيبوبة المقصودة في العمل هي سيطرة الهواتف وكل وسائل التواصل والتفاعل واللايكات والبارتاج على حياة الانسان وخصوصا المراهقين.

تسيطر الهواتف على حياتنا اليومية، أصبحت جزء من جلسة العائلة في المسلسل مشهد اجتماع عائلة على طاولة العشاء وكل مصحوب بهاتفه وهو مشهد من اليومي، في لقاءات الأصدقاء تكون الهواتف هي الأكثر حظا بالرفقة، الكل وحيد في عالمه الافتراضي ، هذا الزائر الحديث الجاثم على أنفس المراهقين والكبار يشبه في البداية جرعة مخدر جميلة، تتوالى الجرعات حتى تسرق من الانسان طاقته وحياته.

يطرح المسلسل أيضا مدى تأثير الفاعلين على “الانستغرام” و”التيكتوب” وتسييرهم لحياة متابعيهم، شخصية “التيكتوكوز” التي تستغل لام الناس لتحولها الى “ترند” تكسب منه الاف التعليقات والاعجابات تتحول الى أموال في مرحلة ثانية.

 “علياء” (مرام بن عزيزة) الانتهازية والباحثة فقط عن الثراء السريع شخصية مزعجة توظف كل الاشاعات لتصنع محتوى، تبيع مفاهيم الصداقة والثقة مقابل المال، هؤلاء المؤثرين بمستواهم العلمي المتدني ومستواهم الأخلاقي القفر أصبحوا جزءا من حياة التونسي ويزرعون قيما سلبية في مدمني التيكتوك والانستغرام، ونجحت مرام بن عزيزة في إيصال الشخصية الى الجمهور واتقنت جيدا ابعادها النفسية الموغلة في الهشاشة ومدى تاثير غياب العائلة عليها لتكون مسخا خلف الهاتف.

الدارك ويب والابتزاز الالكتروني موضوع الراهن:

التحرش الالكتروني جريمة يعاقب عليها القانون التونسي، في مسلسل “غيبوبة” طرح الموضوع من خلال شخصية “كريم” (احمد الاندلسي) الذي يستدرج الفتيات، يصورهنّ ثم ينزّل صورهنّ على مواقع الانترنت الخفية (دارك ويب)، الاندلسي ممثل متلون ومتمكن جدا من شخصيته، منذ المشاهد الأولى كسب كره المتفرج، اعتمد كثيرا على لغة الجسد والنظرات، شخصية تبدو هادئة ورصينة في الكلام ولكنها تخفي الكثير من العنف النفسي الذي تمارسه على ضحاياها.

وموضوع “الدارك ويب” يطرح لأول مرة في الاعمال التونسية، ويُعرَّف “الدارك ويب” بأنه جزء مخفي من الإنترنت لا يمكن الوصول إليه إلا عبر برامج متخصصة، ويُستخدم في كثير من الحالات كمنصّة لنشاطات غير قانونية، حيث يتمّ تداول البيانات المسروقة، بما في ذلك معلومات شخصية ومالية وبيانات اعتماد حساسة.

 في المسلسل تخاف الضحية “نورشان” (سارة الشريف) من الفضيحة، تخاف المجتمع وردة الفعل السلبية، مشاعر متناقضة بين الخوف والالم حد قرار الانتحار تعيشها الشخصية الضحية.

ولتسليط الضوء اكثر على القضية يشير العمل الى ضرورة التوجه للسلطات المختصة في الجرائم الالكترونية لان القانون التونسي يجرمها من خلال القانون عدد 73 لسنة 2004 (الفصل 266) الذي يجرم التحرش الجنسي ويعاقب بالسجن لمدة عامين وغرامة 5الاف دينار لكل من يضايق الغير بأفعال او إشارات (بما في ذلك الالكترونية)، والقانون عدد 53 لسنة 2017 المتعلق بالعنف ضد المرأة والأطفال، من خلال شخصية “نورشان” وألمها تكون الرسالة واضحة لا تسكتوا عن الحق فالقانون يحميكم، لا تخافوا المجرمين ولا تلتزموا الصمت، فكلما سكتت الضحية تمادى المجرم.

الفن التزام وغيبوبة التزم بقضايا تمسّ التونسي

“غيبوبة مسلسل عائلي”، الجملة الاعلانية الأكثر التي اعتمدها صناع العمل للترويج له، وبمشاهدة الحلقات اتضح ان الجملة في محلها، فالعمل تغيب عنه كل المشاهد او اللقطات التي يعتبرها البعض مسّا من اخلاق المجموعة او لا تتماشى مع شهر رمضان، يطرح العمل العديد من القضايا بجرأة معتمدين التلميح لا التصريح.

مشاهد تصوير الفتيات وابتزازهنّ يفهمها الجمهور من خلال الحوارات، ومشاهد الخيانة الزوجية كذلك، من خلال جمل وشيفرات في المنطوق يفهم المتفرج الصورة ويركبّها بنفسه كما قطع “البوزيل”.

عمل درامي بتقنيات تصوير سينمائية، براعة في المشاهد وتركيز على التفاصيل، للمخرج رؤيته الخاصة للصورة وتأثيرها في المتلقي، ولنحمد خليل البحري بصمته الخاصة في التعامل مع الصورة والكاميرا، فنان مثقف وواع بمسؤولية كل مشهد لصناعة صورة متكاملة وعمل درامي يحقق نسب مشاهدة محترمة.

من نقاط قوة المسلسل الكاستينغ، في “غيبوبة” يلتقي الجمهور بثلة من أمهر صناع الفرجة في تونس، منذ الحلقة الأولى يكسب الرهان من خلال مشهد مدته دقائق معدودات جمع الثنائي معز القديري ومحمد علي بن جمعة، دقائق كانت بمثابة درس في الأداء طغى عليه هدوء الشخصيات وسرعة البديهة لدى الممثلين، فكلاهما ساحر امام الكاميرا ولقاءهما يعتبر بمثابة لقاء الذاكرة والابداع.

شاكرة رماح تطل الى الجمهور بشخصية مختلفة “سمية” ويسلط عبرها الضوء على الصراع النفسي الذي تعيشه المرأة في عمر الخمسين، والسؤال الأبرز “هل مازال لدي نصيب من الحب؟ هل جسدي جميل ويثير الاعجاب؟” هذه الأسئلة التي تؤرق النساء بعد سن الأربعين تطرح من خلال التناقضات التي تعيشها سمية، هي انموذج عن امرأة تعيش تمزقا بين عاطفة الامومة ومشاعر الانثى الباحثة عن صدى حيويتها وانوثتها في عالم الجسد، “سمية” اتقنت شاكرة رماح ملاعبتها والتناص مع وجعها قبل حلمها.

في مسلسل “غيبوبة” لكل ممثل دوره في سير الحكاية ولكل أثره على العمل، سيدة الشاشة منى نور الدين حضرت في مشهد قصير اثارت من خلاله موضوع الصناديق الاجتماعية، بهدوئها وخبرة السنين صنعت من المشهد حكاية وعادت الى الواجهة قصص الاف المرضى المنظرين منذ سنوات امل اجراء العملية او الحصول على الدواء.

كما عوّل المخرج على نجوم صاعدة لها شانها في صناعة النجاح مثل اباء حملي ونور زيتوني وسارة الشريف.

مسلسل “غيبوبة” تجربة إبداعية خاض غمارها محمد خليل البحري، عمل مزج القدرات التصويرية السينمائية مع أداء ممثل متقن، مشروع درامي احترم عقل المتفرج ووضع على طاولة النقاش العديد من المواضيع الحارقة التي يعيشها التونسي، ليكون مثل الصدمة الكهربائية المستعملة لإعادة قلب المريض الى الحياة؟ فهل نستيقظ من غيبوبتنا ام سنكتفي بمشاهدة العمل ونعود الى عوالم التلاشي والتماهي في ضوضاء السوشيل ميديا؟

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.