مسرحية “قطيع”لحمادي المزي: ايّهما اصدق العاقل ام المجنون؟
خليفة السطمبولي

مسرحية “قطيع”لحمادي المزي: ايّهما اصدق العاقل ام المجنون؟

  من المجنون؟ فاقد العقلأام فاقد المعرفة والإنسانية؟ من المشوّه [...]

11 December 2025
1 دقائق

 

من المجنون؟ فاقد العقلأام فاقد المعرفة والإنسانية؟ من المشوّه من سرق عقله وتاه في مسارات اللاّعودة أم من سعى الى الغطرسة ومحاولة توظيف العلم لتشويه البشرية؟ أيها اجمل عوالم الجنون ام العقل؟ هكذا يتساءل الممثلين في مسرحية قطيع اخراج حمادي المزي.

قطيع نص وإخراج حمادي المزي، تمثيل يحيى الفايدي وفتحي الذهيبي ومحمد كواص وعز الدين بشير واصالة كواص وحسني العكرمي وشيماء الطوجاني، موسيقى نصر الدين الشبلي واضاءة محمد رشاد بلحم وقدم العرض في المركب الثقافي المنستير امام جمهور مهرجان خليفة السطنبولي في دورته التاسعة والعشرين.

 

الممثل حمّال معان في المسرح

يجمل جسد الممثل رسائل المسرحية وشيفراتها، من خلال الحركة يحاول إيصال كل التفاصيل المبهمة في النص المنطوق أحيانا، أجسادهم حمّالة معان وطاقة مميزة لقراءة العمل وفهم دلالاته الفنية والبنيوية، على خشبة ركح المركب الثقافي المنستير نحتوا بأجسادهم مسارا دراميا موجعا طرحوا من خلاله الأسئلة عن ثنائية العقل والجنون.

فضاء الحكاية مشفى/منفى، مجموعة من المجانين او المصابين ببعض لوثة الجنون، أربعة يحاولون الهرب طيلة العمل، لكل سببه للوجود في ذاك المكان الشبيه بالقبر، صراع خفيّ بين الأطباء والمرضى، هو الصراع بين الشعب وممثلي السيستام، صراع بين مجانين عقّل، وعقلاء اشبه بالمجانين، هذه الصراعات والاخذ والردّ في النص المنطوق وحركة الممثل شكلت مشاهد بصرية وصنعت سيميائية متحركة على الخشبة.

أجسادهم كتلة واحدة، ثم متفرّقة، حضورهم الركحي يشبه لطخة الألوان على اللوحة البيضاء، لكل منهم مميزاته النفسية وطريقته في الكلام والانفعال، واعتمد المخرج على لقطات جامدة أحيانا تشبه لحظة التوثيق الفوتوغرافي، ولكل لقطة حركة جسد وملامح وجه مختلفة عن الصور السابقة، مشاهد اذا جمّعت تصنع جزئيات تشكيلية وكأنها ريشة رسام يضع هواجس الفكر والروح على القماش الأبيض ليتحصل على لوحة تجريبية تحاكي ثنائية العقل والجنون.

ركح خاو من الديكور، جرس كبير يتوسط فضاء اللعب، للجرس رمزيات عديدة اوّلها السلطة، وصوت قرعه يشبه نفير الحرب الذي تصدره السلطة، الجرس له احالات دينية لأنه يحيل الى الطقوس الكنسية ولحظات الاعتراف بالخطيئة قبل التطهّر النهائي، للجرس إحالة الى التعذيب وصوت الصعقة الكهربائية التي تمارس على المجانين في المشافي، كل هذه الدلالات يجدها المتفرج في العمل، الجرس سيكون عنوان البداية والختام، كلّما قرع الجرس الاكبر انطفئت الإضاءة وتغيرت المشاهد.

 

السلطة تريد اجسادا دون عقول

 

“قطيع” عنوان المسرحية، للعنوان اكثر من دلالة وابرزها الصف الواحد والفكرة الموحّدة، تستعمل الكلمة عادة للإشارة الى قطيع الأغنام، فالراعي كثيرا ما يحمل ناقوزا وكلما حركه تجمعت اغنامه في مسار واحد، نفس التمشي الذي سيعتمده الأطباء مع المرضى، ينزعون عنهم انسانيتهم ويعاملونهم مثل قطيع من الحيوانات، يجمّعونهم ويفرقونهم كما شاءوا، هكذا تريد السلطة الجميع صفّ واحد دون عقل وممنوع من اتخاذ القرار الفردي.

سبع شخصيات على الخشبة، متصارعة، متنافرة ومتحدة أحيانا، أربعة منها يمثل رضى او مجانين، يحاولون الهرب من سجنهم، والثلاثة الاخرين الاطار الطبّي، المرضى اختلفت حكاياتهم وابرزهم اثنين، الاوّل معلّم قدم الكثير من سنوات العمر للتدريس وتعليم الصغار ابجديات المعرفة، بعد سنواته وتكريماته واجتهاده يكافئ بالضرب من تلميذه، لحظة العجز تلك اخرجته من نطاق العقل الى الجنون، لعب الشخصية المبدع يحيى الفايدي وكان اداءه مختلفا، تناص من الشخصية واستعمل الكوميديا السوداء في تقديمه لدور مختلف عن بقية الشخصيات التي يلعبها الفايدي.

الشخصية الثانية محور الاحداث، “السبعي” او “الكامل” عالم اختار لذة الجنون على جحيم المعرفة، شخصية صامتة مركبة للأطباء، هي محور اهتمام السيستام يريدونها ان تتكلم، منذ المشهد الأول تظهر الشخصية تحرق الأوراق وكلما احترقت ورقة ترقص نشوة، عملية الحرق ليست مادية بل معنوية في العقل الباطن للشخصية، فهي تتأرجح بين العقل والجنون بحكمة.

 قدم الشخصية فتحي الذهيبي وأعطى الكثير من تجربته وزاده التمثيلي لها، البسها روحه اثناء الغناء، الشخصية مركبة لأنها تمثل عالما استطاع الوصول الى تركيبة تغير الجينات، جربها على الحيوانات “نجحت في إعادة الحياة لقطي الأسود بعد العديد من التجارب” و”السيستام” يريدون الحصول على المعادلة لتجربها على الانسان، فاختار طريق الجنون فقط حتى لا يستعمل علمه سلما “انا عار على العلماء، اخترعت دواء لا يقتل الجسد لكنه يقتل الروح، تخيل انسان، لا يفرح، لا يحزن، لا يشعر بالخوف، انسان دون إحساس؟”.

تطرح المسرحية بجرأة العديد من المواضيع ومنها صراع التوحش الذي تمارسه السلطة على الانسان ورغبتها في التحكّم في أفكاره وقراراته وحتى مشاعره، صراع بين الخير والشر جسّد في شخصيتي مليكة (اصالة كواص) ودنيا (شيماء الطوجاني) الأولى تمثل انتهازية من يريد الحصول على مصالحه الخاصة دون مراعاة الواجب الأخلاقي لمهنة الطب او التمريض والثانية تظهر الجانب الجميل في الانسان، صراع سينتصر فيه الشرّ على الخير، وهو صراع وحشية الانسان المعاصر.

 

مفيدة خليل

 

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.