هل ما زال الفنّان يحلم في العصر الراهن؟ كيف يحوّل الممثل الوجع إلى فعل مسرحي ينبض بالحياة والضحكة؟ هل للفنّان القدرة على تحمّل الوضع السياسي والاجتماعي والقيمي وتحويله إلى تجربة مسرحية تفكّك الواقع وتعيد صياغته مسرحيًّا؟ هل للمسرحية القدرة على اختزال وجيعة المبدع فقط في جمجمة توضع أوّل الخشبة ويصرخون إنّها “لمثقف مات جوعًا، لمبدع مات جوعًا، لصحفي مات جوعًا”؟ هل يجب أن يموت الفنّان حتّى يُعترف بقيمته وأفكاره؟ هكذا تتدفّق الأسئلة أثناء مشاهدة مسرحية “هاملت كوميديا الموت” إخراج خبيب العياري وإنتاج “أرسطوفانيس للإنتاج والتوزيع الفنّي” بدعم من وزارة الشؤون الثقافية.
مسرحية “هاملت كوميديا الموت” قدّمت عرضها الأوّل بفضاء التياترو المشتل، والعمل اقتباس نضال الحناشي عن شكسبير، إخراج خبيب العياري، وتقني صوت ياسين الهمامي، وتقني إضاءة نذير العرفاوي، وديكور محمد الشواشي، وأزياء أزناكاث المهذبي، وتمثيل كلٍّ من عامر المثلولي ووسيم البجاوي وأيمن العمدوني وسمر الرزقي وياسين الحندوبي وأماني المرواني وخبيب العياري ونضال الحناشي. وتعيد المسرحية صياغة القيم وتدقّ ناقوس الخطر على الإنسانية.
المسرح بوابة أزلية لحرج السؤال
كيف يصبح القبح جمالية؟ كيف تحوّل الخشبة الفوضى إلى لوحة فسيفسائية مبهرة يصنعها جسد الممثل وحركاته والإضاءة والمتمّمات الركحية؟ وكيف يمكن الاستيقاظ من سُباتنا أمام طوفان القبح المنتشر فينا دون وعي؟ هل التراجيديا قادرة على خلخلة المعاني أم وحدها الكوميديا السوداء تزعزع الحقائق وتكشف المخفي؟ هل للخشبة القدرة على استيعاب كلّ ذاك الألم وإعادته إلى الجمهور بأقلّ وطأة وحدّة ودفعه إلى بوابات السؤال؟ هكذا تتساءل الأجساد المائجة على الركح واضعةً أمامها جمجمة تشعّ عيناها باللون الأحمر لتذكّر جمهور قاعة التياترو أنّ المسرح لا يموت وإن عاش أزمة.
يعالج العمل موت الإنسانية فينا؛ تضع المسرحية المتفرّج أمام بشاعة الخيانة وسوداوية القسوة وإيلام الموت في شكل ملهاة. اختار المخرج خبيب العياري والكاتب نضال الحناشي الثورة على البناء الدرامي الكلاسيكي لينطلق العمل بالمشهد الأخير من المسرحية الأصلية. السواد يسيطر على الفضاء، ومجموعة من الأجساد تتحرّك في صراع، بعضها يشرب كأسًا من السمّ وآخرون يتبارزون بالسيف، وتتحوّل الإضاءة إلى حمراء قانية حمرة الدّم، ثمّ يسقط الجميع على الأرض وينتهي المشهد وتبدأ المسرحية. منذ البداية يضع المخرج الجمهور أمام وطأة الخوف والموت؛ فإذا مات الجميع في بداية المشهد فكيف ستكون بقية المسرحية؟ سؤال يُطرح مباشرةً، ولكن للمخرج رؤيته الخاصة لأنه سيشاكس عقل المتفرّج طيلة ساعة ونصف، ويحتجّ من خلال المسرح على كلّ البنى الكلاسيكية والرؤى التقليدية لأنّ المسرح فعل ثوري بامتياز حسب تعبيره.
واختيار التناول المقلوب للعمل لم يكن اعتباطًا، بل رؤية إخراجية وقراءة مختلفة للنص الشكسبيري: “فالمشروع المسرحي قائم على تفكيك البنية التراجيدية الكلاسيكية لنص هاملت، ليس بهدف إعادة تقديمه، بل بهدف مساءلته وتفكيك منظومته الدلالية، من خلال تحويله من نص درامي قائم على الحبكة والشخصية والصراع، إلى عرض ما بعد درامي قائم على الصورة والجسد والصوت والإيقاع واللعب المسرحي” حسب تصريح المخرج خبيب العياري لموقع “لارتيستو”.
“هاملت كوميديا الموت” اسم المسرحية؛ منذ العنوان يضع المخرج جمهوره أمام حرج السؤال عبر المتناقضات: فهل الموت مضحك؟ هل النهاية كوميديا؟ ومع الأحداث نكتشف أنّ مأساة هاملت ووجعه مجرّد ملهاة أمام وجيعة أطفال غزة؛ ووجع هاملت يشبه طيف الابتسامة قبالة ما يعيشه أطفال السودان من تشريد وحروب. ما اعتقد شكسبير أنه النهاية لشخصيته هاملت يراه نضال الحناشي مجرّد بداية للألم في زمن الحروب المتكرّرة النفسية والعسكرية.
فهل موت الأب الملك مأساةٌ أمام محو عائلة كاملة من السجلّات المدنية؟ هل صرخة هاملت يمكن أن تُقارن بصرخة الطفلة “هند رجب” وهي تقول “أنا خايفة”، وهل أسئلته المتكرّرة عن جريمة الخيانة يمكن أن تُقارن بألم طفل فقد والدته أمام عينيه في حادثة المزونة ليطلق صرخته “يمّا شكون باش يخدم علينا”؟ فالمسرحية تحوّل مأساة هاملت إلى مجرّد كوميديا أمام طوفان الألم الذي يعيشه الإنسان الحالي، ومن خلال الأسلوب التفكيكي يرفض صنّاع العمل الاعتراف بحقيقة واحدة ويتركون للمتفرّج الحرية لوضع معانٍ أخرى على ثنائية الحياة والموت.
المسرح فعل احتجاجي، وثورة الأجساد على الخشبة ستصنع الجمالية؛ فاحتجاج شخصية هاملت وعساكره والمهرّج على حال المدينة ومحاولته البحث عن حقيقة مقتل الملك هو في الحقيقة احتجاج الممثلين ومخرج العمل وكاتب النص على الواقع التونسي؛ فالدنمارك في النص الأصلي هي “المحروسة” تونس في المسرحية المقدَّمة، احتجاجٌ على الوضعية الاقتصادية والظلام السياسي الذي تعيشه البلاد، وصرخةٌ من على الخشبة لأجل استعادة الحرية والتذكير بأهداف الثورة التونسية وأبرزها “الشغل، الحرية، والكرامة الوطنية”؛ فمن على الخشبة يتقمّصون ألم هاملت للإحالة إلى ألم مبدعين يعايشون بدايات تشظّي قيم الحرية والفن في المحروسة.

السينوغرافيا فضاء الرمزية
المسرح ترميز، وكتابة أخرى للفعل الإبداعي. اعتمد صنّاع العرض العديد من الشيفرات لتكون البوابة الأولى لقراءة المسرحية؛ فالسواد سيّد الحكاية، وجميع الممثلين يلبسون اللون الأسود، وحين تتغيّر الشخصية يُضاف فقط إكسسوار صغير. وللّون حكايته؛ فالعمل قام على الصراعات، ومنها الحضور الطاغي للأسود والأحمر لحظة موت كلّ شخصية؛ فبين الموت والدم تعيش شخصيات كتبها شكسبير وأعطاها نضال الحناشي مواصفات العصر الراهن.
في إطار الرمزية اشتغل خبيب العياري؛ فالموت عبّر عنه بلوحات راقصة، ينثر فيها الورد الأحمر لون دم الإنسانية المنسكب طيلة عقود. اختارت الممثلتان الخطوة التونسية في الرقص للتأكيد على تونسة الفعل الإبداعي؛ فلهذا الفضاء نصيبه من قبح العصر الحالي (الاغتصابات، والعنصرية، والفوضى، وغياب الحقوق)، جميعها مضمَّنة في الحركات الراقصة الرافضة لواقعها.
إلى جانبَي الخشبة وُضعت صورتان فوتوغرافيتان كلتاهما ترمز للحرب والسلم معًا، فالمخرج اعتمد في عمله على الثنائيات والمتناقضات. الصورة الأولى لطفلة عارية هاربة من مجازر “الفيتنام” تحديدًا، هي “طفلة النابالم”: فيتنامية كندية عُرفت بعد ظهورها في الصورة الفائزة بجائزة بوليتزر في جوان 1972 خلال حرب الفيتنام، وكانت تركض عارية وعمرها تسعة أعوام، صورة تختزل ألم الحرب على جسد طفلة تحاول النجاة بجسدها المحروق، وأصبحت رمزًا للإنسانية وبسببها انتهت الحرب.
أمّا الصورة الثانية يمين المتفرّج فهي لـ”رجل الدبابة”، وهو لقب أُطلق على متظاهر صيني وقف وحيدًا أمام رتل من الدبابات في 5 جوان 1989 غداة قمع احتجاجات ساحة “تيان آن مِن” في بكين، وأصبحت الحادثة من أشهر صور القرن العشرين الرمزية للتحدّي السلمي؛ فبين الحرب والسلم تتأرجح القصة، وبين رجفة القلب الخائف وحكمة العقل المفكّر تبوح المسرحية بأسرارها.
وشكّلت الإضاءة مساحة أخرى للنقد؛ اعتمدوا إضاءة خافتة مسلّطة على وجه الممثل وكأنها “زووم” ليقرأ المتفرّج دواخل الشخصية وحكاياتها المخفية. والإضاءة أحيانًا تُوجَّه إلى الجمهور ليصبح الكلّ مكشوفًا، وكأنّ الممثل والمتلقّي كلاهما شريك في جرائم العصر الراهن، كلاهما يتحمّل مسؤولية موت القيم والإنسانية وانتشار الفوضى والقبح؛ فالكلّ متواطئ بالصمت أمام مآسي أطفال غزة ودماء الفلّاحات الريفيات في تونس، وجميعنا خانع أمام دماء التلاميذ شهداء الجدران والعنصرية والفوضى التي باتت جزءًا من فسيفساء يعيش على وقعها التونسي.

فنّ التمثيل سلاح للنقد بين الخشبة والواقع
جسد الممثل حمّال ألوية الإبداع؛ أجسادهم تكتب سردية الوجع والفرحة. في المسرحية كلّ الممثلين على الحافة، يتأرجحون بين التراجيديا والكوميديا، وينتقلون بسلاسة بين النص بالدارجة والفصحى، يشكّلون بجرأتهم مشهدية يتماهى فيها الممثل مع الشخصية. “هاملت كوميديا الموت” اسم المسرحية، وهو عمل يحتفي بقيمة فنّ الممثل؛ ففي مأساة هاملت كان الممثلون والمهرّج هم من كشفوا لهاملت حقيقة خيانة أمه لأبيه الملك عبر إعادة تجسيد الأحداث، أما في هاملت اليوم فالممثل يحمل وزر فنّه، يعايش الظلم وغياب القوانين، ويحمل على عاتقه نجاح العمل المسرحي وينتظر لأشهر طويلة مستحقاته، يسقي الخشبة بدمه وحبّه وعرقه. هذا الألم عبّر عنه بجمجمة تتوسّط الخشبة طيلة العرض، وحين يُسألون لمن هذه الجمجمة تكون الإجابة “لممثل مات جوعًا”؛ فهل وجب انتظار موت الممثل روحيًّا وجسديًّا ليحتفي به الجمهور وتُكتب فيه أجمل التأبين؟ فالمسرحية ليست منفصلة عن واقعها، وأداء الممثل كان انعكاسًا لوجع الروح على مرآة الخشبة.
جسد الممثل وسيلته الأولى لإقناع المتفرّج؛ فالصدق في الأداء والتلقائية من سمات اختلاف الممثلين. في “هاملت كوميديا الموت” كان الأداء هادئًا ومتجانسًا، والفريق لحمة واحدة لإيصال رسائل العرض المسرحي؛ فالممثلون على الخشبة كلٌّ يلعب بأسلوبه الخاص، ولكلٍّ زادُه في التماهي مع الشخصية، وفي عدد من المشاهد اعتمدوا تقنيات الكوميديا ليسخروا من الواقع ويُجبروا المتفرّج على طرح السؤال؛ فالكوميديا السوداء كانت وسيلة لنقد الواقع الاقتصادي والسياسي والحقوقي لتونس بين التصريح والتلميح.
“ما دمنا نحلم سننجز المسرح، نحن متمسّكون جدًّا بكلّ أحلامنا رغم جميع التضييقات”؛ جملة تختزل تجربة. على الخشبة يُكسر الجدار الرابع في مشهد (دعوة هاملت لرعاية الممثلين والاهتمام بهم) لأنهم “خلاصة هذا العصر”، ويقول الممثل أيمن العمدوني على لسان الشخصية: “نحن أبناء أرسطوفانيس، نتقن الكوميديا والتراجيديا ومسرح الشارع والكوميديا دي لارتي ومسرح خيال الظلّ”. قد تبدو الطرادة عادية، ولكنّ متابعي إبداعات التجربة يعرفون جيّدًا أنّ الممثل يقصد كلّ كلمة قالها؛ فهم أبناء فضاء أرسطوفانيس، تعلّموا في الفضاء التمثيل، وأحبوا المسرح، ونجح كلٌّ من نضال الحناشي وخبيب العياري وعامر المثلولي في تعليمهم قيم الالتزام في الفنّ المسرحي وكيف يدافعون عن حقّهم في ممارسة هذا الفنّ المنهك للروح والفكرة.
على الخشبة كانوا جسدًا واحدًا: عامر المثلولي ووسيم البجاوي وأيمن العمدوني ونضال الحناشي وياسين الحندوبي؛ لأنهم تعلّموا مساحات الإبداع في فضاء واحد، وتشاركوا لسنوات طويلة مسيرة نجاح في المهرجانات الجهوية والوطنية، وساعدوا كلًّا من الممثلتين سمر الرزقي وأماني المرواني على الانخراط بسلاسة في المجموعة حفاظًا على تجانس المشهد العام للمسرحية.
في فضاء أرسطوفانيس تعلّموا المسرح والدفاع عن أبناء الجهات في الفرجة، ولكنّ الفضاء لا يزال يعاني من بيروقراطية إدارية؛ فبعد سنوات من الانتظار الإداري لا تزال البيروقراطية تعيق الفعل الإبداعي، ولم تفرّط مصالح وزارة الصحة بعدُ في المستوصف المهجور الذي حُوّل إلى فضاء ثقافي يزرع قيم المواطنة في أطفال وادي الزرقاء.
