مارسيل خليفة في الحمامات  في البال اغنية من القصيدة الى اللحن رحلة الحنين والخلود
في الموسيقى

مارسيل خليفة في الحمامات في البال اغنية من القصيدة الى اللحن رحلة الحنين والخلود

  يتمسك بالامل، ولو كان مستحيلا فهو يتمسك بالمستحيل، يصنع عوالمه اللحنية الجد خاصة، يخاطب الوجدان ويستنهض الهمم عبر الكلمة وشاعرية اللحن، يتقن جيدا فنّ التلاعب…

بقلم admin6 دقائق قراءة

شارك المقالفيسبوكإكستلغرام

 

يتمسك بالامل، ولو كان مستحيلا فهو يتمسك بالمستحيل، يصنع عوالمه اللحنية الجد خاصة، يخاطب الوجدان ويستنهض الهمم عبر الكلمة وشاعرية اللحن، يتقن جيدا فنّ التلاعب بالكلمات ويرحل بعيدا الى عوالم أرحب واجمل بموسيقاه، مارسيل خليفة سيد الاغنية الملتزمة ومحرر دساتيرها الإبداعية جدّد لقائه مع جمهوره في تونس على مسرح الحمامات ليكتب مرة أخرى

“في البال اغنية” هو اسم العرض، مساحة للحوار بين فنان لازال يحلم بواقع اقل توترا وحروبا وجمهور متعطش للكلمة الثورية واللحن المميز، كلاهما كتبا الرحلة الموسيقية، ليستحضر مارسيل تجربة خمسين عاما ويحاول تقديم البعض من شذراتها على مسرح الحمامات لتعيش الذاكرة وتنتشي عملا بشعار المهرجان.

 

صرح الاغنية الملتزمة وصوت الذاكرة المقاومة:

 

يتربع على عرش موسيقاه منذ خمسين عاما، يتحكم في مشاعر الجمهور ويسيّرها كما يريد، ينفث فيهم من روح الفرحة وأحيانا يدفع العقل الى اقصى مراحل الجنون بالكلمة واللحن، شيخ الاغنية الملتزمة، مارسيل خليفة فنان ارتبطت اغانيه بالثورة ورفض كل أنواع الظلم عاد الى جمهوره في الحمامات ليقدم سهرة امتزجت فيها مشاعر الحنين والرغبة في انتفاضة مستمرة، في الحمامات غنى هو للحب والامل والثورة وردد جمهوره شعارات تناصر القضية الفلسطينية “مقاومة، مقاومة، لا صلح لا مساومة”.

مارسيل خليفة سيد الاغنية الملتزمة، يتربع على عرشه الموسيقي، يحمل عوده بين يديه، ينصت للطبيعة ويحول كل المشاعر الإنسانية الى موسيقى، يلتقط إشارات الامل ويحولها الى أجمل الالحان، في جلسته على الركح يشبه الالهة يتحكم في الفضاء بالإشارة دون الحاجة لاستعمال اللغة، امامه تصبح الكلمات لينة وسهلة، تنسجم لغة الشعر مع سحر الفضاء ليكتب لجمهوره موعدا متجددا مع الامل، والحنين.

جمهور الحفل كان من اعمار مختلفة، بعضهم من جيل السبعينات والثمانينات الجيل الذي عايش الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية والحرب اللبنانية ومجزرة صبرا وشتيلا وغزو العراق وحرب الخليج، احداث سياسية كانت الاغنية الثائرة أفضل تعبيرة عنها، فولدت أغاني مارسيل خليفة سندا للثوار وللأجيال الحالمة بالتغيير.

لم يولد مارسيل خليفة من فراغ، موسيقاه وطريقته في اللحن وانتصاره لقضايا الشارع صنعت منه صوتا لكل الحالمين، لبيروت غنى، ولفلسطين كتب ولحّن وللانسانية صدح صوته عاليا لا يهاب الحواجز وغنى “جواز سفر”.

ارتبط اسم مارسيل خليفة في ذاكرة التونسيين بالثورات، اسمه مرادف لمعاني الحرية في أبهى تجلياتها، صنع مسيرة من النجاح بفضل التزامه بأهمية اللحنة وجمالية الكلمة المختارة ليقدمها للجمهور، موسيقاه عالم من السحر ودعوة دائمة للتحرر.

في الحمامات كتب مقطوعة “الصلاة” بأسلوب فريد، مقطوعة موسيقية حزينة وهادئة كانت الة التشيلو صداها، لقاء بين ساري خليفة والحان مارسيل خليفة في قطعة مهداة الى أبناء غزة، الى المشردين والجياع الى من خسروا البيت والدفء بفعل الحرب، الى جنوب لبنان الذين هجّر أهله صلّى ساري خليفة عبر ايقاعات الة التشيلو، صلاته الموسيقية كانت تشبه البلسم على جراح الروح.

 

 

سحر كلمات درويش وروعة الحان مارسيل: لقاء النجاح والخلود

 

شكل مارسيل ومحمود درويش ثنائيا رائعا لكلمات درويش وقعها على الاذن العربية والحان مارسيل زادتها قوة وحضورا، رحل درويش لكنه لم يغب مازالت كلماته واشعاره، في مسرح الحمامات قدم مارسيل لأول مرة اغنية “انتظرها” التي لحنها بعد وفاة رفيق الرحلة محمود درويش.

تغيب الأجساد وتبقى الأرواح خالدة خلود الكلمة، محمود درويش لم يغب عن سهرة مهرجان الحمامات، كانت روحه تحرس المكان من عليائه، ربما هناك يجالس القمر بينما دندنات صديقه مارسيل خليفة ترتفع تدريجيا، الى روح درويش الغائب الحاضر غنى مارسيل، استمتع بكل نوتة وعانق عوده كانه يهدي كل الحان الحياة الى صديقه الخالد، فهما اضافا للأغنية السياسية الكثير من الصدق وشكلا ثنائيا فنيا رائعا.

غاب درويش فحضرت كلماته، لأول مرة يغني مارسيل قصيد “انتظرها” ويطلب من جمهوره في تونس تكرار بعض المرادفات لتنتشر ثقافة الكلمة ولغة الحب بين الفنان ومريديه، كتب درويش:

 

بنار البخور النسائي ملئ المكان…. انتظرها

برائحة الصندل الذكرية حول ظهور الخيول….. انتظرها

ولا تتعجل، فإن أقبلت بعد موعدها فانتظرها

وان أقبلت قبل موعدها فانتظرها

وان أقبلت عند موعدها فانتظرها

الاغنية كانت الحانها هادئة تشبه لحظة انتظار العاشق لمعشوقته، اعطى مارسيل من روح العود والتشيلو الكثير من السحر لينسجم مع رقة الكلمات.

شكل محمود درويش ومارسيل خليفة لقاءا فنيا مميزا، قدما الكثير للكلمات الفصحى، للكلمة جماليتها وللحن رونقه وبينهما ينتشي المتفرج ويحمل خياله بعيدا ليعايش لحظات الحب والشغف والوطن والثورة، فدرويش كتب لكل المشاعر الإنسانية الصادقة، ولدرويش غنى “في البال اغنية” كلماتها عن الطفولة والوطن المسروق، وجع البلد وضعه مارسيل من خلال الالحان القوية لتصبح الاغنية بمثابة الدعوة للثورة، اغنية نقلت كل المشاعر المتناقضة من خوف وشجاعة وانهيار وجرأة من خلال الموسيقى.

و”الى امي” القصيدة التي يحفظها الملايين حول العالم، قصيد كتبه الشاعر فترة شبابه ونفث فيه شوقه لتفاصيل الحياة الصغيرة في بيتهم “احن الى خبز امي وقهوة امي”، القصيدة الهادئة كلمة ولحنا هي فقط رمز للحنين، لحنها موجع ويذكر الجميع بلحظات الفقد، كلما غناها مارسيل احنى راسه على عوده مستحضرا ذكرى والدته التي رحلت قبل سماع الاغنية، “احن الى خبز امي” تعويذة الحنين للحظات الجميلة اغنية كلما قدمها صاحبها رافقتها عبرات من المتلقي وكان الحزن يعرف طريق القلوب الجميلة.

للحب كتب دوريش وله لحّن مارسيل خليفة “انا احب كلمات درويش، احب قصائده عن الحب وهي اول ما لحنت” كما يقول مارسيل دائما في حفلاته، للجمهور عزف “ريتا” قصيد درويش وقصة حبه الحقيقية التي آلمته فكتبها شعرا، فانصهرت ايقاعات الاكوريديون الهادئة مع صوت العود وكأننا في لحظة صلاة وتأمل “بين ريتا وعيوني بندقية، والذي يعرف ريتا ينحني ويصلي لالاه في العيون العسلية”.

من قصائد درويش غنى مارسيل و”يطير الحمام” و”انا يوسف يا ابي” و”انتظرها” فبين الملحن والشاعر صلاتهم الخاصة، علاقة إبداعية صنعت مجد مبدعين كلّ له مساحته الخاصة للحلم، فما يكتبه درويش تبعث فيه الحان مارسيل الحياة لتبقى الكلمة واللحن كلاهما خالدا لا يعرف الفناء.

 

 

شباب تونس يرافق مارسيل في رحلة العزف:

 

هم نجوم الغد وصناع الجمال فيه، احبوا الموسيقى واختاروها مطيتهم للإبداع، عازفين اغرموا بالفنون والآلات وتميز كل منهم على الته، محبوبته ورفيقته في الابداع، في دوز تحديدا تظاهرة “نجع الفن” كان اللقاء الآسر بين شباب تونسيين مغرمين بالموسيقى وشيخ الاغنية الملتزمة مارسيل خليفة، تجربة ستبقى محفورة في ذاكرتهم، انتهت الورشة آنذاك بتقديم مخرجاتها امام جمهور دوز، وبعد اشهر يعود هؤلاء الشباب محمّلين بالحلم والامل ليعزفوا مع مارسيل خليفة ومجموعته على ركح مسرح الحمامات الدولي.

عازفتي كمنجة وعازف قانون وعازفة عود وعازف ايقاعات، خمسة موسيقيين صعدوا الى العرض في جزئه الأخير ليعزفوا “تانغو” مقطوعة موسيقية ثائرة والحانها قوية، استقبلهم مارسيل خليفة على الركح بالترحيب والثناء على قدراتهم الفنية، وكانوا شركاء الرحلة الممتعة بين الجمهور والفنان في اغنية “شدوا الهمة” اشهر الأغاني وأكثرها تفاعلا من قبل الجمهور لايقاعاتها القوية وكلماتها المؤثرة.

هؤلاء المبدعين الحالمين هم نجوم الغد والمدافعين عن تميز العازف التونسي وقدرته على العزف والنجاح مع أشهر موسيقيي العالم، التجربة انطلقت من دوز الى الحمامات وستبقى راسخة في ذاكرة شباب اخ

تاروا الموسيقى سلاحهم للحلم والحرية.

Go to Top