مسرحية “الملك لير”: الخشبة فضاء مقدّس تبعث الحياة دوماً في مَنْ يدخلها بقلب طاهر
أيام قرطاج المسرحية

مسرحية “الملك لير”: الخشبة فضاء مقدّس تبعث الحياة دوماً في مَنْ يدخلها بقلب طاهر

  أيها العاشق اغتسل في محراب القدسية قبل الصعود الى [...]

24 November 2025
1 دقائق

 

أيها العاشق اغتسل في محراب القدسية قبل الصعود الى الخشبة، أيها الحالم لا تخف وزر الحلم او العمر، أحلم مادام في الجسد روح، أيها الظالم لا تبتهج كثيرا فنهاية الظلم موجعة وإن انتشرت السوداوية والتوحّش، انزعوا عنكم ثوب الخطيئة وتجرّدوا من ادعاء الفضيلة فأنتم بشر خلقتم للخطأ والاستمرار، استيقظوا ولا تسقطوا في خانة “افة العصر: العمي يسلمون قيادتهم للمجانين” كما يقول “لير” في نهاية الحكاية، لير الملك عاد الى الحياة في جسد يحيى الفخراني فكان صوته صادحا بالحكمة رغم اثر السنين على الجسد.

“الملك لير” المسرحية التي افتتحت الدورة السادسة والعشرين لأيام قرطاج المسرحية، إنتاج المسرح القومي المصري وإخراج شادي سرور بطولة النجم يحيى الفخراني وبمشاركة نخبة من نجوم المسرح من بينهم طارق دسوقي وحسن يوسف وأحمد عثمان وتامر الكاشف وأمل عبد الله وإيمان رجائي وريم عبد الحليم وطارق شرف ومحمد العزايزي وعادل خلف ومحمد حسن المسرحية من ترجمة فاطمة موسى.

 

سينوغرافيا مبهرة حددت مناخات الفعل المسرحي

 

صنع المخرج عوالم مبهرة من خلال السينوغرافيا، الديكور صنع بإتقان ليحدد مناخات الحكاية وزمنها، الديكور الكلاسيكي يضع المتفرج في فضاء الحكاية، في المسرحية هناك تركيز على التفاصيل فقصر الملك لير يتميز بمنحوتاته الدقيقة الصنع المعروفة بها قصور بريطانيا القديمة، وكلما تغيّر فضاء الحدث تغير الديكور بسرعة، ديكور قصر الملك يختلف عن ديكور قصر ملك فرنسا ويختلف عن ملامح قصر الوزير، لكل منها خصوصيات صنعت بحرفية عالية لتكون السينوغرافيا بذاك الابهار عملا بمقولة ” “ان واقع المكان وصورته توفر للمشاهد الإحساس بالفضاء من خلال الحضور الذهني، لهذا المكان في تحديد الفضاء مشاركة كل الحواس المدركة البصرية والحسية فضلا عن تواجد عوامل فاعلة في ادراك الفضاء التي لها صلة كبيرة مع الزمان والمكان”.

 

 الدقة في الصنع واتقان التفاصيل المبهرة اضفى الجمالية على المسرحية وساهم في شدّ انتباه المتفرج وابقائه مستمتعا بالعرض رغم تجاوزه الساعتين من الزمن، للديكور تأثيره المباشر في المتفرج فهو يرسخ في ذاكرته الانفعالية وعليه تبنى العديد من الصور وشادي سرور كان وفيا لمقولة “الديكور الكلاسيكي لا يتغير لأنه صمم ليعكس ثبات العالم كما تخيله الشعراء والكتاب” وعبر الديكور عاش جمهور أيام قرطاج المسرحية رحلة عبر الزمن وعادوا الى أماكن تماما كما رآها شكسبير وكتبها في رائعته.

المكان امكنة، تتغير ومعها يتغير الزمن أيضا، لكل زمن اضاءته الخافتة أحيانا والمشعة في مشاهد أخرى، فالإضاءة في المسرح عنصر جمالي وفكري جدّ ضروري، والاضاءة في المسرح رافقت هذا الفعل منذ المسرح الاغريقي حين كانوا يعتمدون على الشمس وضوء النهار ثم استعملت الشموع وصولا الى الإضاءة الاصطناعية في العصر الحديث، الإضاءة في المسرحية وسيلة لقراءة الحالات النفسية للشخصيات أيضا، فمشاهد الخيانة تكون قاتمة، خافتة تشبه لون الخيانات المقيتة، وفي لقاءات الصدف تكون ناصعة كأنها اعلان لانتصار لحظات الإنسانية رغم قلتها في المسرحية.

 

تعد الإضاءة من المقومات الأساسية في العرض المسرحي التي تغني العرض المسرحي بوجودها الفعال في بناء مشهد فكريا وجماليا في الاشتغال على التأثيرات النفسية لدى المتلقي والتي تدخل في عملية مونتاج العرض المسرحي بين الاحداث والاشكال والتكونات بمساحتها الكبيرة واشتغالها المتجانس مع أنظمة المسرح الأخرى كما كتب الدكتور علي محمود السوداني في “المنظومة الضوئية وتغير المكان في العرض المسرحي” وفي مسرحية “الملك لير” كانت الإضاءة وسيلة لتتبع الشخصيات والاقتراب من ملامحها الفيزيولوجية والفكرية، استخدام اضاءة المسلط على وجه الشخصية يبرز للمتفرج دواخل هذه الشخصية وما تخفيه من مشاعر متناقضة.

“الملك لير” عمل مسرحي كلاسيكي احترم فيه شادي سرور مقومات هذا المنجز، ومن نقاط قوة العمل وجماله الملابس المصنوعة بدقة عالية، ملابس الاميرات وملابس النبلاء والفرسان، لكل خامة قماش تختلف حسب المركز الوظيفي او الاجتماعي، فزي النبلاء لا يشبه مطلقا اسمال المشردين والفقراء.

مسرحية “الملك لير” نص بالعربية الفصحى قدّم امام جمهور قرطاج، احترموا المشاهد التي كتبها شكسبير وشخصياته، ولكن اللغة الفصحى التي يستعملها الممثلين المصريين مزعجة، فحين تتحول “الجيم” الى g” وتصبح “الثاء” سينا ،  و”الضاد”  و”الذال” زينا،  يكون إيقاع الكلمة الفصحى مزعجا لاذن تونسية تعوّدت على النطق الصحيح لهذه الاحرف.

 

لعنة السلطة تشوّه الإنسانية فاحذروا

 

يعيش الانسان مع الخيال، ينصهر فيه ليصبح حقيقته المطلقة، يعمى الانسان عن الواقع ولحقائق ويتوهّم حقيقة تعجبه وينتشي معها رغم عواقبها التعسة هكذا توّهم “لير” الملك العجوز، توهّم رعاية بنتيه وحبّهما المطلق وولائهما الخالد لصورة الاب والملك، رغب الملك في الراحة فرمى بنفسه في وحل الخديعة” سنخلع عنّا مشاكل الحكم، فماذا عندكنّ لابيكنّ الملك”، تتكلم كبرى بناته “غونريل” وتقول “حبك اغلى عندي من الحرية، لست اقل عندي من الحياة”، وتقول الوسطى ريغان “قلبي الصادق يهتف من أعماقه، بكل جوارحي لا تجد متعة في الحياة الا حبي لك” بينما الصغرى تجيبه “لا شيء، احبك حبّ البنت لأبيها” فيغضب الملك المغرور بالسلطة، ويقسم بالشمس على نفي صغيرته.

يتزايد غرور “الانا” فيصدق لير الكلام المنمّق وينزع تاجه من فوق رأسه وقسمه بينهما مع كل املاكه وطلب الاحتفاظ فقط بمائة فارس ومهرجّه الخاص شرط ان يسكن لدى كل واحدة شهرا ثمّ يغير مكان الإقامة، أوهام الملك وحبّه المفرط لفكرة النفوذ جعله اعمى البصيرة، يصدق فقط ما شاهدته عيناه من تزلف وولاء كلّي بينما امات نصفه العاقل، فكان “لير” ضحية غروره وايمانه الكلّي انه ملك بتاج او دونه.

 

“الملك لير” مسرحية كلاسيكية، قدمت على الخشبة كما كتبها شكسبير بنفس المشاهد والشخصيات مع تغيير صغير في ادخال اللهجة المصرية أحيانا لمزيد ربط الثقة بين المتلقي والممثلين، مسرحية تبدع في توصيف الصراع والتوحش البشري المقيت، في المسرحية التراجيدية الخيانة البشعة هي الأكثر انتشارا بين الشخصيات، تخون البنتين “ريغان” و”غورنيل” ثقة أب شيخ وملك تنازل عن العرش لهما فيطردانه من قصره وكل مله ويتركانه للعراء في العاصفة، يخون الابن “ادموند” شقيقه “ادغار” ووالده “غلوستر” ويترك الأول للفقر والثاني  تقتلع عيناه، كل هذه الخيانات سببها السلطة والصراع على المال، واللهفة على السلطة، الخيانات كتبها شكسبير على الورق منذ 1606 وقدمّت لأجيال متعددة على المسارح، هذه القتامة والتوحش الإنساني زاد مع التطور العصر وبات الصراع لا بالكلمة او السم بل بالدبابات واسلحة الدمار والابادة.

داخل كل انسان هناك وحش ضار يتغذى على القبح والحسد والخوف، وحش لا نهاية لتمدده الا بالموت، الوحش يخرج على الخشبة ويشاهده المتفرج ويصل اليه من خلال صدق الممثلين، في مسرحية “الملك لير” ابدع مقدم شخصية “ادومند” الممثل احمد عثمان فهو تركيبة مجتمعية خاصة، جمع الحقد وسوء الخلق، ابن نبيل ولكنه متمرغ في وحل الخطيئة، ادموند جاء الى الحياة كابن “خطيئة” والده وزير الملك، انجبه من “انثى” لا هوية لها، كبر الطفل في قصر الوزير وقرّبه منه الاب ولكنه منذ النعومة شرب حليب الرفض ولأنه ابن “عاهرة” لا حق له في أموال واده، فقرر ان يفتكّ السلطة بالدهاء، ومارس كل أنواع الشر من الكذب والخيانة ومرافقة بنتي الملك، كل الممنوعات الأخلاقية عاش معها “ادموند” لأجل القوّة والنفوذ، هذه التشوّهات الموجودة في الشخصية في ذاك الوقت لا تزال بعضها موجودة في عصرنا الحالي، فمازال “الابن غير الشرعي” ملفوظا من المجموع وصفة “ابن الحرام” اوّل ما يزرع في الطفل بذور الوحشية التي سيجنيها محيطه ومجتمعه حين يكبر.

الملك لير عينة عن فساد المجتمع وانتشار التشوّه الأخلاقي فيه جمّعها شكسبير في نصّ لازال حيّا منذ 1606، نبوّة الكتابة رافقت شكسبير فتكهّن بتمادي اللاأخلاقية الى قرون قادمة، النص مكتوب منذ مئات الأعوام ولكنه يحمل الكثير من تشوّهات العصر الحالي خاصة الفساد الأخلاقي وتراجع قيم الخير امام لعنة الشر الممتدة.

 

يحيى الفخراني نصف اله على خشبة المسرح

  

من نحن هل بشر ام حيوانات؟ ام كائنات لا هوية لها؟ من نحن؟ هل الانسان افعاله واخلاقه ام لباسه وماله؟ سؤال يطرح اثناء مشاهدة المسرحية نفسه يطرحه لير وهو في العراء اثناء حواره مع مجنون اكثر حكمة من الوزراء والعقلاء، فبعد الخيبات يكتشف لير الملك ان اللباس والتاج والمال جميعها زخرف يعتمده الانسان ليعيش، بينما الحب والمشاعر الصادقة توجد بعيدا عن بهرج السلطة، “لير” الملك الشخصية المركبة، المضحكة والمبكية في الوقت ذاته، لير يعيش صراعاته طيلة الحكاية، يعيش وجع الفقد، الم العراء، نكسة الجفاء ليصل الى حكمته ويقول “اذا صفّحت الذنوب بالذهب تكسّرت امامها احمال العدالة”.

الملك لير الشيخ الحكيم والموجوع أبدع في تجسيدها يحيى الفخراني، الفخراني طفل لم يعرف الكبر، على الخشبة كان بصورة الملك المكلوم، فحتى الجسد المتعب بفعل السنين وظّفه في اللعب، يحيى الفخراني لاعب الشخصية وتناص مع وجعها واحلامها واضفى عليها من روحه الخفيفة ونكتته اثناء اللعب.

 

“الملك لير” الشخصية التراجيدية أبدع الفخراني في المسك بتفاصيلها، صدق في الأداء وتماهي مع وجع الفقد والخوف وجفاء الأبناء وخيانة المقربين، هذا الوجع اللامرئي حوّله الفخراني الى صور مبهرة تخترق قلب المتلقي من خلال تغيير نبرة الصوت والتحكّم فيها، فكان على الخشبة كمارد القمقم، لا شيء يصعب أمامه.

“لير” شخصية صعبة تعامل معها الفخراني بشغف الأطفال، سينتقل من حالة نفسية الى أخرى بروح ممثل هاو يعشق الخشبة، ويصل الى المتفرج بخرة الأعوام في اللعب والانتقال من شخصية الى أخرى تاركا مع كل واحدة قطعة من الروح، يحيى الفخراني نجم العرض وسيده، لاعب الشخصية الرئيسية وباعث الحياة في المسرحية، الشخصية المبهرة تناص معها يحيى الفخراني فكان شامخا وكأنها كتبت له منذ مئات الأعوام، الفخراني قدّم درسا في الأداء، فجسد الممثل لا يشيخ وروحه تبقى حالمة وطفولية الى الازل، جسد الممثل معمّد بماء مقدس، جسد الممثل نفخت فيه الالهة البعض من سحرها ليعود شابا كلما أراد ذلك، وفي “لير” وعلى مسرح اوبرا تونس دقت طبول الحرب واستنفرت كلّ الالهة لتجعل من الفخراني نصف اله في عمل مسرحي كتبه شكسبير منذ سنين بحبر القلب.

 

مفيدة خليل 

 

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.