Select Page

في رحاب مدينة الثقافة بالعاصمة التونسية التأمت على مدار ثلاثة أيّام (3 – 4 – 5 ماي ) فعاليات ملتقى تونس الأول للرواية العربية في طبعته الأولى الذي أعدّه واشرف على إنجازه الروائي والإعلامي كمال الرياحي، مدير بيت الرواية في تونس.

عدد كبير من أهم كتاب الرواية في العالم العربي لبّوا نداء زميلهم التونسي، في محاولة للإجابة على أسئلة هامة وقضايا تخص هذا الجنس من الكتابة، والذي بات مسيطراً على المشهد القرائي اللقاءات الأدبية، لكنه رغم ذلك لا يخلو من إشكالات كبرى مطروحة اليوم أمامه وأمام تطوره.
انطلقت فعاليات افتتاح الملتقى الخميس 3 ماي 2018، في الساعة الثالثة ظهرا بكلمة مدير بيت تونس للرواية ومدير الملتقى كمال الرياحي وتقديم منطلقات الملتقى وأهمّ أهدافه ومراميه، ثم كلمة الروائي المبدع ووزير الثقافة السابق البشير بن سلامة الذي هنّأ المبدعين التونسيين بولادة بيت الرواية والدورة الأولى لملتقى تونس للرواية العربية. ثم اختُتم حفل الافتتاح بكلمة ضيف شرف الملتقى الروائي الليبي إبراهيم الكوني تحت عنوان “حجة الحدس”. والتي تعتبر كلمة تأسيسية لروح الأدب ومعانيه ومفاهيمه ودوره في خلق مناخ جديد للسموّ بالأرواح قبل العقول: “إن الأمم العظيمة تعامل رواياتها العظيمة معاملة الكتب المقدّسة، فالرواية في نهاية المطاف دين.”
ويأتي تكريم الملتقى لإبراهيم الكوني بكونه يعد من أبرز التجارب الروائية العربية، حيث قدم العديد من الأعمال التي تنقل وقائع الصحراء وعوالمها وأساطيرها ما جعله صاحب بصمة خاصة في عالم الرواية لا عربيا فقط بل وعالميا، حيث ينتمي الكوني إلى قائمة أبرز خمسين روائيا عالميا معاصرا، والتي قدمتها مجلة لير الفرنسية، كما أنه يحظى بتقدير واسع في الآداب الإنكليزية وقد بلغ القائمة القصيرة لجائزة المان بوكر العالمية، فالكوني من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها في عالم الرواية ومن هنا تأتي أهمية تكريمه وفتح حوار معه في تونس.
“قيمة الرواية ومدى قدرتها على التغيير. هل غيرت الرواية العربية المجتمعات العربية؟ وهل ساهمت في تشكيل الوعي العربي؟” كان هذا محور النّدوة الأولى التي بدأت مباشرة بعد حفل الافتتاح وقد ناقش الرّوائيون المشاركون رشيد الضعيف من لبنان، الحبيب السالمي من تونس – فرنسا، إبراهيم عبد المجيد من مصر، والتونسية مسعودة بوبكر، وإنعام كجه جي من العراق – فرنسا، وأبو بكر العيادي من تونس – فرنسا، إضافة إلى أمين الزاوي من الجزائر، ومحمد علي اليوسفي من تونس. وأدار الجلسة الدكتور كمال الشيحاوي.
صباح الجمعة 4 ماي 2018، ثاني أيام الملتقى عقد لقاء مفتوح للجمهور والصّحفيين مع الروائي المكرم إبراهيم الكوني حول تجربته الروائية الممتدة لقرابة النصف قرن، وذلك من الساعة العاشرة والنصف صباحا حتى منتصف النهار. في قاعة تغصّ بالحضور امتدّ اللّقاء أكثر من ساعتين وظلّ الجمهور على عطشه للأسئلة واستفاض الكوني في الغوص في الكون الروائي والإنساني بكل تواضع وعمق واحترام للسائلين والمستمعين. أجاب الكوني عن الأسئلة الخاصة بالرواية والكتابة وبالصحراء والواقع العربي والإنساني والمشكلات التي عرفها الإنسان المعاصر وقارن بين الدول المحترمة للأدب وأهله وغيرها. وتحدّث عن مشكلات الأدب في العالم العربي وغيرها من المواضيع التي طرحها الحاضرون. وكان في كلّ إجاباته حكيما هادئا وقوراً متحمّسا مدافعا عن الإنسان أو ما تبقّى منه.
في مساء نفس اليوم ناقش ملتقى تونس الرواية للرواية العربيّة من الساعة الثالثة حتى الساعة الخامسة والنصف، مسألة الرواية العربية في مواجهة التحولات والأزمات السياسية. كيف كتب الروائي العربي الحروب والحروب الأهلية؟ وكيف تصدى الروائيون بالتخييل لواقع الأنظمة الشمولية ونقلوا الانتفاضات الشعبية والانتكاسات السياسية؟
وفي قاعة لم تتّسع للحاضرين رغم اتّساعها شارك في هذه الجلسة الروائيون عبد العزيز بركة ساكن من السودان – النمسا، وهدى بركات من لبنان – فرنسا ومن تونس آمال مختار وكمال الزغباني وحسن بن عثمان وآمنة الرميلي ومحمد الجابلي وحسونة المصباحي، ، وأدار الجلسة الروائي والمترجم التونسي جمال الجلاصي. تمّ تسجيل غياب الروائي الجزائري واسيني الأعرج واعتذاره عن الحضور لأسباب قاهرة قبل انطلاق الملتقى بيوم.
في اليوم الختامي من ملتقى تونس للرواية، السبت 5 ماي 2018 واستجابة لرغبة الجمهور وعدد من الصحفيين برمج مدير الملتقى كمال الرياحي لقاء ثانياً مع المبدع المكرَّم إبراهيم الكوني وكانت القاعة كالعادة تغصّ بالمهتمّين والقراء الذين طرحوا المزيد من الأسئلة وأجاب عنها الكوني بنفس تلك الثقة والتواضع. ساعة ونصف من المتعة الخالصة التي لا يعرف أهمّيتها إلّا من غاص طويلا في بحر الرّواية وتساءل طويلا عن معاني الأدب والالتزام والغربة والمنافي.
وبعد استراحة قصيرة انطلقت النّدوة الأخيرة من الملتقى التي أدارها باقتدار الروائي التونسي محمود الحباشة وشارك فيها كلّ من محمود عبدالغني من المغرب، أحمد مجدي همام من مصر، الحبيب السائح من الجزائر، محمود طرشونة وخيرية بوبطان وشفيق الطارقي من تونس، علي المقري من
اليمن – فرنسا، سعود السنعوسي من الكويت. ، وناقشوا مقولة “الرواية لم تمت لكنها في خطر” من خلال تساؤل “ما الذي يتهدد الرواية؟، هل هي الرقابة أم انحسار النقد أم الرواية نفسها؟”.
وقبل انتهاء النّدوة التحق بها السيد وزير الشؤون الثقافية الذي واكب ما تبقّى منها. ثم أشاد بالمجهود الاستثنائي الذي بذله فريق بيت الرواية لتنظيم الملتقى في وقت قياسي مع العمل على الانتهاء من ديكور مقر بيت الرواية وتجهيزه ليقع افتتاحه عند اختتام الملتقى. وأشار الوزير إلى أنّ آفاق بيت الرواية مفتوحة ويأمل في تأسيس دار نشر تابعة له وجائزة للرواية، بالإضافة إلى المكتبة المختصة التي أطلق عليها اسم الروائي “البشير خريّف”. وكذلك مقهى “تحت السور” الفضاء الذي سيضمّ بعض اللقاءات الأدبية الدورية في بيت ا لرواية.

جمال الجلاصي – تونس –