Select Page

 

(قراءة في كتاب “الإيديولوجيا في الشّعر العربي المعاصر” للدكتور أحمد الجوّة(1))

مقال منشور و مأخوذ عن مجلة الحياة الثقافية : العدد / 290

 

على سبيل المقدّمة: الوقوف عند “العتبات”(2):

نقف في هذا المؤَلَّفِ، بادئ ذي بدءٍ، على العنوان باعتباره عتبة مهمّة تحيلنا بدقّة إلى المبحث الذي يعالجه، وهو مبحث ينهض على طرفين هما “الإيديولوجيا” من جهةٍ، و”الشعر العربي المعاصر” من جهة ثانية. صياغة العنوان بهذه الشّاكلة “الإيديولوجيا في الشعر العربي المعاصر” تحدّد بدقّة الأولويّات، فليس “الشعر العربي المعاصر” هو قطب الرحى في هذا المبحث وإنّما “الإيديولوجيا”، وبصورة أدقّ حضور الإيديولوجيا في هذا الشّعر، فلو كان العنوان مثلا “الشعر العربي المعاصر والإيديولوجيا” لاختلف الأمر وتغيّر المبحث ولكان هذا المؤلَّف قد ذهب مذهبا آخر غير الذي ذهب فيه.

قد يوحي العنوان أنّ الكتاب سيعالج حضور الإيديولوجيا بشكل عامّ في الشعر العربي المعاصر ولكنّه في واقع الأمر قد تقصّى حضور إيديولوجيا بعينها وحيدةٍ في نماذج مخصوصة من الشعر العربي المعاصر. هنا نمرّ إلى عتبة أخرى من عتبات الكتاب وهي صورة الغلاف. هي عبارة عن لوحة تتوسّطها صور لخمس شعراء عرب معاصرين (السيّاب، البياتي، معين بسيسو، درويش، سعدي يوسف)  وتعلوها دائرة حمراء داخلها مطرقة ومنجل. إذن نحن أمام الإيديولوجيا الشيوعيّة، ونحن كذلك أمام راية خماسيّة أخرى غير التي ترفعها عادة بعض المجموعات السياسيّة أو الأحزاب الماركسيّة محتفية برموزها الخمس (ماركس، انجلز، لينين، ستالين، ماو)، إنّها راية خماسيّة قد تنهل من ذات المعين وبدرجات متفاوتتة ولكنّها تصوغ ما تنهله في قالب شعريّ إبداعيّ. هكذا تستحيل صورة الغلاف إلى ما يشبه العنوان الفرعي للعنوان الرئيسيّ لهذا الكتاب.

1- صعوبات المبحث: “التنقيب خارج النصّ”:

إنّ من يطرق هذا الباب، باب البحث عن حضور الإيديولوجيا في الشّعر، هو –في تقديرنا- أشبه بالماشي على الجمر فهو يقارع ما يمكن تسميته بـ”الموضة النقديّة” التي سادت وتسيّدت واستوت على عرش الحركة النقديّة في تونس وفي البلاد  العربيّة، والتي تبدو محافظة على تصوّر في النقد الأدبي قوامه ما أتى به الشكلانيون الروس أو ما اجترجته البنويّة الكلاسيكيّة وغيرها من مقولات ومفاهيم ومناهج لا ترى شيئا خارج بنية النصّ. يقول الأستاذ أحمد الجوّة في مقدّمة الكتاب: “إنّ الحداثة النصيّة حداثة فكريّة وإيديولوجيّة بالأساس، وليس ابتداع أشكال إيقاعيّة وأبنية استعاريّة مسألة شعريّة خالصة تعود بنا إلى ما ادّعاه بعض المنظرين من وجود “شعر خالص” و”قصيدة صافية” ومن قول بموت المؤلّف”(3).

لئن كان أساس العمليّة النقديّة النصّ ذاته فإنّه بمستطاعنا أن نفيد من أشياء كثيرة قد تكون خارجه ولكنّها تسهم في تقديم إضاءات هي عونٌ لنا في مسار قراءته، ويمكن أن نشير في هذا السياق إلى إضافات البنيويّة التوليديّة(4) مع لوسيان غولدمان(5) الذي يقول بضرورة ربط بنية النصّ الأدبيّ ببنية أخرى أوسع وأشمل خارجه وذلك ضمن ما يعبّر عنه بثنائيّة “الفهم” و”التفسير”(6). وفي هذا الكتاب كان الأستاذ أحمد الجوّة حريصا على تقصّي مختلف الأحداث والمجريات التي عاشها الشعراء الخمسة ما تعلّق منها بالحياة العامّة أو ما ينتمي منها إلي الحياة الخاصّة، وتبيان مدى تأثّرهم بها وتأثيرهم فيها، وتحديد شتّى انتماءاتهم الفكريّة والإيديولوجيّة وتجاربهم السياسيّة والحزبيّة والسياقات التي تحرّكوا فيها ودارت في فلكها قصائدهم، كما أنّه استضاء بنصوص كتبوها في شكل آراء ومواقف أو تأملات حول الشعر وغيره، أو كُتبتْ عنهم حول تجاربهم وحياتهم مع الشّعر، وهو ما يعرف عند جيرار جينات بـ”النصّ الموازي الخارجي” (épitexte)(7)، انتقاها بعناية فائقة وفق ما يخدم عمليّة فهم النصوص وتأويلها.

مثل هذا التمشّي يقتضي من النّاقد أن ينفتح على كلّ ما يكتب أو يقال في شتّى المجالات وضروب العلوم خاصّة الإنسانيّات منها كالتاريخ والجغرافيا والانثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النّفس والفلسفة والعلوم السياسيّة (إلخ…) إضافة إلى تحصيله المعرفي من المدارس والمناهج النقديّة قديمها وجديدها، أي أن يكون متعدّد المعارف (Polyvalent) قادرا على الإفادة من كلّ ما يطّلع عليه وتوظيفه توظيفا جيّدا في قراءته للنصوص الأدبيّة، في المقابل قد يحرم نفسه من هذه المتعة، متعة التفاعل الكليّ -لا الجزئيّ- مع تحصيله المعرفي وعمقه الثقافي، من لا يعترف بوجود شيء مهمّ خارج النصّ.

ليس بعسير علينا أن نقف على الكمّ الكبير من المعطيات والمعلومات حول مختلف تفاصيل الشعراء الذين يتناول الأستاذ أحمد الجوّة شعرهم بالدّرس، أو حول ما يحيط قصائدهم من تفاعل بين لمعة التاريخ ولوعة الجغرافيا وبين روعة الأعلام وضوعة المعالم، وهو طريق شاقّ ومضنٍ ومحفوف بالأخطار لا يمضي فيه غير من تعلّقت همّته بالبحث عن قراءة لا يزعم أنها الوحيدة والفريدة، ولكنّها قد تكون حلقة مهمّة في سلسلة القراءات المتعدّدة السابقة واللاحقة، ولئن وقفنا على نزر يسير من الأخطاء حول جنسيات(8) بعض الشخصيات أو تراجمهم(9) أو بعض التواريخ(10) أو بعض الخلط لتشابهٍ في الأسماء(11)، فإنها لم تضرّ عموما بعمليّة تأويل النصوص، بل إنها تدرج –في تقديرنا- ضمن القراءات الممكنة والمشروعة، وهي عنوان من عناوين صعوبة هذا المبحث الذي –كما أسلفنا- ما من أحد طرقه إلا وكان كالماشي على الجمر، وما جدوى الكتابة إن لم تكن كذلك، فآخر المشي فيها على الجمر حلاوة الخمر.

 

2- مفاهيم المبحث: التنقيب داخل النصّ

لكلّ مبحث جهاز مفاهيميّ خاصّ به، فالمفاهيم لا تستعمل جزافا وهي أشبه بحقل ألغام، فإن أسيء استعمالها سقطت عمليّة التأويل في ماء آسنٍ لا نظفر من سقوطها غير إثارة البعوض الذي لا وازع يحول دونه وإشباعنا لسعا موجعا. في هذا الكتاب تسلّح الأستاذ أحمد الجوّة بترسانة من المفاهيم انتقى فيها من قديم الاصطلاح ومن جديده ما يستعين به على شقاء التنقيب داخل النصوص، بل إنّه اجترح في غير موضع اصطلاحات حوّلها إلى مفاهيم، هي من بناته، يوظّفها نشدانا لحسن سير قراءة النصوص.

ورد المدخل النظري للمسالة في هذا الكتاب، على قصرٍ، مكثّفا وطارحا لأهمّ الإشكاليّات التي تحيط بهذا المبحث من جهةٍ، ومُجليًا، من جهة ثانية، لبعض المفاهيم التي تمثّل قطب الرّحى فيه. فكان منذ البدء سعيٌ –على ما في الأمر من عسر- لتحديد مفهوم “الإيديولوجيا” باعتبارها الفلك الذي يدور حوله البحث، ومفهوم “الشيوعيّة” باعتبارها الجامع الإيديولوجي لمختلف التجارب الشعريّة التي يتناولها، كما تمّ التطرّق في مقدّمة الكتاب إلى مفهوم “الإلتزام” باعتباره المشترك الفكريّ والسياسيّ والعنوان الأبرز للجامع الإيديولوجي. هكذا يكون الأستاذ الجوّة قد حدّد المنطلقات التي سيخوض من خلالها غمار رحلته مع هذه “الراية الخماسيّة الشعريّة”.

إنّ اكتفاءه، في المقدّمة وفي المدخل النظريّ، بهذه المفاهيم لم يكن مطلقا عائقا أمام تحديده لمفاهيم أخرى وهو بصدد قراءة النصوص من قبيل “التحريض” و”التحفيز” و”التبشير” و”الأمميّة” و”الشيوعيّة الشعرية” و”شعريّة الشيوعيّة” و”العقيدة والقصيدة” و”مقاومة السنبلة للقنبلة” و”الكلمات الصادمة” (إلخ…) غير أنّا سنقف وقفة تأمّل عند بعض من المفاهيم من قديم الاصطلاح أو من جديد الاجتراح نظرا لما رايناه فيها من أهميّة بالغة في قراءة هذه النّصوص وهي:

*الهجاء:

وردت كلمة “هجاء” في أكثر من موضع وسياق، وهي “جينيالوجيًّا” اصطلاح قديم مُسْتَقْدَمٌ من ذاكرة اللغة يحيلُنا إلى غرض من أغراض الشعر العربي الكلاسيكي، إلا أنّه يرد في سياقات البحث مقترنا بكلمات أخرى تخرجه من ذاك السياق لتدخله في سياق جديد، فهو تارة “هجاء سياسي” وتارة “هجاء سياسيّ وأدبي” وتارة “هجاء إيديولوجي”، فتحوّل الاصطلاح القديم إلى اصطلاح قديم/جديد ومن ثمّة استحال مفهوما جديدا يوظّف في تبيان ما قد يأتيه الشّاعر من تعريض بقيم بالية أو خيانات أو ازورار عن تبنّي القضايا العادلة أو تنصّل من الإيديولوجيا الماركسيّة أو تمسّح على أعتاب ذوي الجاه والسّلطان، وهي معانٍ تطرّق إليها خمستهم وسادسهم شعرهم يشحنونه غضبا وحمما يرمون بها من يقف حجر عثرة أمام تحقيق إنسانيّة الإنسان.

تحوّل، إذن،  “الهجاء” إلى مفهوم جديد ينهل من معناه القديم ويتناقض معه في آن معا، وهو ما يقرّ به الأستاذ الجوّة في قوله: “لكنّ الهجاء مع البياتي ومع بسيسو له رهان آخر ومدار يتجاوز الصراعات الشخصيّة بين الهاجي والمهجوّ إلى تناقضات تخصّ وظيفة الشّعر والفكر ودور الإنسان في الحياة”(12).

*“تشعير الإيديولوجيا”(13) و”أدلجة القصيدة”(14):

قد توحي هاتان العبارتان، لأوّل وهلة، بنوع من التّزيّن اللّفظي، وأنّ كلاّ منهما يحيل إلى نفس الظّاهرة الأدبيّة واللغويّة، ولكنّ قراءة متأنية للفصل المخصّص لشعر السيّاب والفصل المخصّص لشعر البياتي تجعلنا نقف على دقّة هاتين العبارتين وقد تحوّلتا إلى مفهومين اجترحهما النّاقد لتبيان “الفُوَيْرِقَات” (Les nuances) بين تجربة كلّ من السيّاب والبياتي. فـ”تشعير الإيديولوجيا” يحيلنا على أولويّة الشعر، والتشعير كما يشير إلى ذلك النّاقد هو تحويل ما لا يكون عادة “من مدارات القصيدة”(15) إلى شعر، أي تحويل “الشيوعيّة”، بما هي إيديولوجيا، أي مقولات وتصورات ومفاهيم وانحيازات إلى مادّة للشّعر مثلما يلتقط أيّ عنصر آخر ليس –ظاهريّا على الأقلّ- من “طبيعته” أو -بصورة أدقّ- ليس من “جنسه” (الخرافة، الأسطورة، اليوميّ إلخ…) ليحوّله إلى جزء من عالمه الشّعريّ، تماما كما حوّل بودلير(16) القبح إلى جمال يوشّي به عالمه الشّعريّ. لكن، في المقابل، يحيلنا مفهوم “أدلجة القصيدة” عند البياتي إلى أولويّة الإيديولوجيا، وتقودنا عمليّة الأدلجة، هذه “الفَعْلَلة”، إلى عسرٍ ما في القيام بالفعل أو عظمِ بذلٍ حتّى يكون الفعل ناجزا من جهة، ومن جهة ثانية، تكشف لنا عن إرادة حرّة وواعية بأهميّة القيام بهذا الفعل: فعل الأدلجة.

تعدّ مسألة الإرادة الحرّة والواعية على قدر كبير من الأهميّة، فهي التي تحدث الفارق بين شاعر وآخر في مدى الالتصاق بهذه الإيديولوجيا أو تلك، ولعلّ هذا ما يمكن الاستضاءة به في فهم تشبّث البياتي بما ازورّ عنه السيّاب، فلئن ظفر البياتي بالشّعر وبالإيديولوجيا الشيوعيّة معا، فإنّ السيّاب لم يغنم غير الشعر وزهد في الشيوعيّة وارتضى لنفسه “البعث” بديلا.

*الشّاعر-الثّائر:

لغويّا ومورفولوجيّا، “الشّاعر-الثائر” كلمة مركّبة (Mot composé) وهي حصيلة جمع بين دَالّيْن “الشاعر” و”الثائر” تتوسّطهما مطّة تحقّق التحاما ماديّا أضفى عليهما مدلولا جديدا وموحّدا. فالشّاعر هو قائل الشعر، والثائر هو الحالم بالثورة والساعي إلى إذكاء جذوتها حتى في اكثر اللحظات قتامة، والشاعر لا يكون بالضرورة ثائرا والثائر كذلك لا يكون بالضرورة شاعرا، ولكنّ النماذج التي تناولها الأستاذ الجوّة بالدّرس هي فعلا جامعة بين هذا وذاك: الشعر والثورة.  الثورة لا تكون فقط خارج الشّعر أو موضوعا له، بل هي أيضا جزء من نسيجه، تهدر في عروقه كما يهدر الماء في الشلاّل. فلئن كان “الشاعر-الثائر” (أيّا كان من خمستهم) حالما بالثورة ومستعدّا ليكون وقودها ومترنّما بها ومحرّضا عليها ومبشّرا بهبوب إعصارها ليزيل الطغيان ويحقّق التحرّر من كلّ الأصفاد التي تكبّل الإنسان، فإنّ قصيدته، بما هي شعر، أدبيّا وفنيّا، تجسّد أبدع تجسيد لروح الثورة على القديم أسلوبيّا وجماليّا، وما استدعاء معين بسيسو لصورة الشاعر الفرنسي ريمبو (Rimbaud) إلا مصداق لذلك. يقول الأستاذ الجوّة: “إنّ جدول المفردات المشحونة شتما وتحقيرا يؤكّد اشتراك الشّاعر الفرنسي والشاعر الفلسطينيّ في الثورة الشعريّة والفكريّة، وفي تخليص القصيدة من شوائب التقليد”(17).

يمكن أن نسوق في هذا الباب بعضا من الملاحظات، أولها أنّ قضيّة المفهوم تظلّ دائما قضيّة شائكة ومعقّدة وهذا بشكل عامّ، فما بالك بقضيّة هي نفسها على غاية من التعقيد مثل الإيديولوجيا والشيوعيّة تحديدا. ثانيا، إنّ تركيز النّاقد بشكل شبه كليّ على مفهوم “الالتزام” –الذي أقر منذ البدء أنه مفهوم يدور حوله لغط كبير(18)– قد كان بمثابة الأيكة التي أخفت الأجمة، فهناك مفاهيم أخرى –اجترح معظمها الشيوعيّون- يمكن الاستضاءة بها في خوض غمار هذا المبحث من قبيل “المثقف العضوي” وتناقضه مع “المثقف التقليدي” و”البراكسيس” (La praxis) و”الهيمنة” (L’hégémonie) في فكر أنطونيو غرامشي(19)، و”المقاومة” و”الاقتدار” في فكر أنطونيو نغري(20) و”الشعر الاحتجاجي” عند جورج أستالوس(21) (إلخ…) ثالثا، عدم إحالة بعض المفاهيم إلى مرجعها الماركسي من قبيل “المرتدّ” إذ أحاله النّاقد إلى مرجع دينيّ يعود بنا إلى ما أسمي في التاريخ العربي الإسلامي بـ”حروب الردّة”، وهو لئن كان سليما ومنطقيّا، ولئن كان أيضا مرجّحا أن يكون المرجع القياسي في عمليّات التّعريب الأولى للأدبيّات الماركسيّة، فإنّه قد خبا واكتسب معنى جديدا في ظلّ سياق جديد حين ترجم إلى العربيّة كتاب لينين “الثورة البروليتاريّة والمرتدّ كاوتسكي”(22)، وفي موضوع الترجمات الأولى للأدبيّات الماركسيّة حصلت عدّة طرائف ذكر بعضها المؤرخ التونسي الهادي التيمومي في كتابه “إلى الساسة العرب: ارفعوا أياديكم عن تاريخنا”(23).

3- رهانات المبحث: التنقيب عن المناقب

نرصد في هذا المؤلّف رهانات ثلاث تجمع بينها تقاطعات كثيرة، وهي “الرّهان المنهجي” و”الرّهان الجمالي” و”الرّهان الإيديولوجي”.

*الرّهان المنهجي: الديالكتيك

قد لا نعثر في صفحات هذا الكتاب بشكل صريح ومباشر على هذا الرّهان، ولكنّه موجود وحاضر بشكل مبطَّنٍ –يعلو حينا ويتهافت حينا آخر- في تعاطي النّاقد مع التجارب الشعريّة موضوع البحث، وبعد قراءة متأنيّة لمختلف فصول الكتاب يمكن أن نستجليه ونقف عنده. إنّه الديالكتيك أو الجدل.

الديالكتيك، بميسمه المادي، هو قطب الرّحى في الماركسيّة بما هي نسق فلسفيّ أو “نظام معرفيّ” كما يقول سلامة كيلة(24)، ومن أخصّ خصائصه “الصراع” أو “التناقض” (Conflit) سواء بشكله الرئيسيّ أو الثانويّ، وهو ما لمسناه في عمليّة تفاعل النّاقد مع هذه “الراية الخماسيّة الشعريّة”. فالجدل القائم في بنية النصّ الشعريّ قابله جدل في بنية النصّ النقديّ الذي يتناوله بالدرس، وهو لئن انطلق من المفاهيم الكبرى التي تمثّل الأسئلة العامّة لهذا المبحث كالجدل بين “الإيديولوجيا” من جهة و”الشّعر” من جهة ثانية (أو العقيدة والقصيدة) فإنه يطرق أبواب التجارب المختارة ويتفاعل معها جدليّا، فيعمد إلى تبيان الفُوَيْرِقَاتِ بين هذه التجربة أو تلك فيكون الجدل بين “تشعير الإيديولوجيا” و”أدلجة القصيدة”، ثمّ يغوص أبعد غورا في النصوص المختارة ليحرز تناقضات أخرى بين “التمجيد” و”الهجاء، وبين “الاحتفاء بالأصدقاء” و”إدانة الأعداء”، وبين “التبشير بالنصر” و”الوعيد بالويل والثبور”، وبين “التحريض والتحفيز” و”التعريض والتقريع” (إلخ…) لينتهي إلى كلّ قصيدة على حدة كاشفا ما تنضح به من جدل خاصّ بها كالتناقض الذي رسمت صورته “مقاومة السنبلة للقنبلة”(25).

هذه الرحلة الجدليّة من العامّ إلى الخاصّ ومن الرئيسيّ إلى الثانويّ، رحلة الشعر ورحلة النقد في آن معا، قد أذكت جذوتها رحلة أخرى دارت أطوارها في بنية النصّ النقدي في مراوحته بين داخل النصّ الشعريّ وخارجه –كما ذكرنا ذلك سابقا- وكذلك في نحته لمعالم التناقض بينه وبين مناهج أخرى في النّقد الأدبي، ليكون الجدل أو الديالكتيك لا جزءً من إيديولوجيا الشعر موضوع البحث والدرس فحسب، وإنما كذلك منهجا في التفاعل معه نقديّا.

*الرّهان الجمالي: “شعريّة الشيوعيّة”(26)

رغم ما يوحي به هذا المبحث من تباعد عن المعطى الجمالي، ورغم ما دأبت عليه بعض الأقلام النقديّة من استهجان لهذا النّمط من الشّعر الذي يلج عالم السياسة والإيديولوجيا ويطرق باب القضايا الكبرى ليكون له فيها رأي وموقف، مُصدرةً أحكاما عامّة وإطلاقيّة وفق معياريّة معيّنة –لا تخلو هي الأخرى من إيديولوجيا- لا ترى في الفنّ عموما وفي الشّعر تخصيصا غير البعد الشّكلي أو الجماليّ فيه -وكأنّ الشّكل والجماليّة خاليا الوفاض من الإيديولوجيا- الذي تعتبره عنوانا لعبقريّة فرديّة صرفة، رغم كلّ ذلك لم يكن بعسير علينا الالتفات إلى الرهان الجمالي في هذا المؤلَّفِ والإصغاء إلى تفاصيله.

تتكرّر في الفصول الخمسة من هذا الكتاب عبارات تؤكّد بشكل واضح وجليّ أنّ النصوص التي يتناولها بالدّرس لا تخلو مطلقا من جمال -حتّى في أكثر لحظاتها “إشباعا”(27) بالإيديولوجيا- وهي ترد أحيانا في شكل استنتاجات في خواتيم بعض الفصول أو أثناء عمليّة التحليل والتّأويل، بل إنّ هذه الفكرة قد كانت من المنطلقات التي صاغها الأستاذ الجوّة منذ البدء، منذ المقدّمة التي جاء فيها قوله إنّها “أشعار لها في الإبداع قدم راسخة ومن الفنّ نصيب وافر”(28). فالإيديولوجيا، والشيوعيّة تحديدا، ليست ضديدا للشعر وإنما هي رديف له، إلاّ أنّها تصوغ جماليّتها الخاصّة التي قد تتقاطع كما تختلف مع جماليّات أخرى، بل إنّها بحكم استرشادها واستضاءتها بمبدإ الديالكتيك قد تحوّلُ ذاتها إلى موضوع للسؤال فتضعها على محكّ النّقد، وهو ما نستشفّه من تحليل قصيدة “إلى ماياكوفسكي” لمعين بسيسو، وهي تحمل في طيّاتها ضربا من “الميتاشعر” المبطّن، إذ وردت فيها عبارة “قوميسير” وهي إحالة واضحة على غدانوف “كوميسير” الفن في فترة حكم ستالين، وتبيان لموقف من تعاطيه مع الجماليّة بمنطق “الكاتالوغ” الجاهز الذي قد يعتبر مرتدّا كلّ من يخرج عنه(29). نقتطف هذا الشّاهد الذي أورده الأستاذ الجوّة:

أين القوميسير الأوّل والعاشر..؟

أين هو النّاقد ذو المخلاة وذو الحافر…

كلب القاموس الخشبيّ النّابح

في وجه قوافي الشعر وأوزان الشعر

الخارجة على القانون..(30)

إنّ للشيوعيّة شعريّةً، لكنّها ليست شعريّة الشكل فحسب كما هو الحال عند أرباب “القصيدة المحايدة”(31) بل هي حصيلة تواشج بين “الشّعارات والاستعارات”(32)، فهي تكتسب شعريّتها من التفاعل الجدلي بين الأشكال والمضامين حتّى لا يستحيل الشعر إلى أداة تغري بحسن أشكالها ولكنّها قد تحمل في مضامينها ما يؤبّد واقع الحيف والاضطهاد الطبقيّ والقوميّ.

*الرّهان الإيديولوجي: هل ثمة مهرب من الإيديولوجيا؟

انطلق الأستاذ أحمد الجوّة في قراءته لنصوص السيّاب من مفهوم للإيديولوجيا قوامه أنها حاملة لـ“دوغما” وعنوان للـ“ديماغوجيا” وصورة للانغلاق(33)، غير أنّه في خاتمة الكتاب انتهى إلى مفهوم أكثر لطفا معتبرها “نسقا من الأفكار وجملة من المتصوّرات يسعى أصحابها إلى الإقناع بوجاهتها وإلى الاستدلال على قيمتها وصدقيّتها”(34). والإيديولوجيا بالمعنى الأخير تبدو جزءً من تفكيرنا ويمكن أن تتسلّل في غفلة منّا حتّى في النصوص الفكريّة أو النقديّة، فما بالك بالنصوص الأدبيّة والشعريّة وهي القائمة –بحكم طبيعتها- على “إثارة العاطفة” لا “إثارة العقل” وفق تعبير بوعلي ياسين الذي يقول: “فكتاب سياسيّ عن فلسطين مثلا هو في الغالب أكثر فائدة إنّما أقلّ تشويقا من قصّة عن فلسطين نفسها”(35) دون أن يعدم استثناءات طبعا.

لئن سلّمنا –جدلا- كما يقول الأستاذ أحمد الجوّة أنّ الشّعر والإيديولوجيا من طبيعة مختلفة –وهو تصوّر في تقديرنا للنقاش- فإنّنا نسلّم أيضا أنّ كليهما قد ترافقا وتواشجا وحلّ أحدهما في الآخر دون أن يرفضه، فلو اعتبَرَ الشّعرُ الإيديولوجيا جسما غريبا (Corps étranger) –وفق التصوّر الفيزيائي- لقاومها ولفظها. فالفصل بين الإيديولوجيا والشعر –وهذا ما نختلف فيه مع الأستاذ الجوّة- ليس فصلا فعليّا (Réel) وإنّما هو فصل منهجيّ يقتضيه الدّرس، وهو –في تقديرنا أيضا- فصل على أساس “الجنس” (Genre) لا “الطبيعة” بمعناها الأنطولوجي،  فمنذ أولى الخربشات التي اعتبرت شعرا في تاريخ الإنسان كان الشعر لسان حال المجموعة ينقل هواجسهم وتخوّفاتهم وفزعهم أمام ظاهرة طبيعيّة لم يفهموا كنهها ففسّرت بالغيب، أو يرسم أحلامهم وطموحاتهم وآمالهم في المستقبل. أَوَ ليس هذا بشكل أو بآخر ضرب من الإيديولوجيا، ليست الإيديولوجيا الواعية المنطلقة من مقولات دقيقة أو منهج واضح أو مفاهيم مترابطة ضمن نسق فكريّ متّسق المعالم، ولكنّها تأخذ منها جوهرها لحظة تحلّ في المنتج الأدبي وهو تقديم “رؤية للعالم”(36) قوامها الجماعيّ لا الفرديّ كما يشير إلى ذلك غولدمان.

النّقد الأدبي، بما هو “معرفة في مواجهة معرفة”(37)، لا يمكن أن يكون فعلا اعتباطيّا بل فعلا واعِيا يحمل غاية ومقصدا. حين انتقى الأستاذ الجوّة هذه النماذج الشعريّة وتخيّر هذا المبحث الذي انتهى في خاتمته، بعد طول بحث ودرس، إلى الاستنتاج أنّ الإيديولوجيا الشيوعيّة لم تمنع القصيدة من أن ترفل في حلل الجمال، فيقول في آخر جملة من الكتاب عن سعدي يوسف ومن لفّ لفه من الشعراء إنّهم قد “طوّعوا الإيديولوجيا لتكون قاعدة للكلام الشعريّ ينفتح عمّا سواهُ ويظلّ سالكا مجراهُ”(38)، أوَ ليس النّاقد هنا، وهو يتفاعل جدليّا مع إيديولوجيا القصيدة، ينتج نقدا من نفس طبيعتها الإيديولوجيّة؟ أوَ ليس –رغم ما يظهره من مسافة قد يقتضيها البحث الجامعيّ وهو الآكاديميّ- حاملا لنفس هواجسها وأسئلتها؟ أوَ ليس منتصرا لها وثائرا لها من أعدائها المشكّكين في جمالها بل حتّى في انتمائها إلى عالم الشّعر؟ أوَ ليس النّاقد وهو يجلي موقف بسيسو من “القصيدة المحايدة” يراوغنا ليعبّر عن موقفه منها دون تصريح مباشر؟

تستحيل الإيديولوجيا في كثير من الأحيان إلى ما يشبه الشيطان الذي يتخفّى في الجيب، وتبقى رمزيّة الشيطان من منظور فلسفيّ صنوَ الرّفضِ والمقاومة(39)، وهو ما أشار إليه الأستاذ الجوّة حين رأى في الإيديولوجيا، وهو يتناول هذه “الراية الخماسيّة الشعريّة” بالدّرس، أنّها “إيديولوجيا المقاومة والنّضال”(40).

 

على سبيل الخاتمة: “فليحيَ ماياكوفسكي”

استطاع الأستاذ أحمد الجوّة من خلال تناوله لهذه “الراية الخماسيّة الشعريّة” بالدّرس أن يجلي جانبا آخر من الشعر العربي المعاصر لم ينل حظّه من العناية وهو حضور الإيديولوجيا فيه، وتحديدا الإيديولوجيا الشيوعيّة التي أثّرت أيّما تأثير في المثقّف العربي عموما وفي الشاعر العربي تخصيصا، فكانت “القصيدة الشيوعيّة” بكلّ تفاصيلها الأسلوبيّة والفنيّة ومضامينها وتيماتها عنوانا للـ”كتابة بالدم” في تناقض مع “القصيدة المحايدة” التي تكتب فقط بالحبر.

عبّرت هذه “القصيدة الشيوعيّة” عن آمال أجيال من الشعراء العرب وأحلامهم بدءً بالسياب وصولا إلى سعدي يوسف، ولمّا تزلْ تصارع الزّمن وتقارعه لتَحْيَى وتقهر الأعداء المتربصين بها وتفعل فعلها في التاريخ لا أن تكون جزء من التاريخ، وتولد في جيل جديد وأجيال جديدة مستقبلا مجدّدة نفسها، فتنهلُ من معين سابقاتها في سياق تراكميّ يأخذ من خصائصها الأولى ما يأخذ، ويضيف إليها ما يضيفُ، ولكن يبقى “الإنسان” كقيمة محورها وهاجسها ومدار أسئلتها، وتبقى “بَرْسَمَةُ القصيدة” –أي تحويلها إلى “برسيم”- ضديدها ونقيضها الذي يسعى إلى نفيها فتسعى هي الأخرى إلى نفيه، ولسان حالها يقول –ليس ما قاله حرفيّا ولكن- ما أراد الشاعر معين بسيسو قوله ذات سخرية:

فليحْيَ ماياكوفسكي

وليسقط البرسيم..(41)

 

شاهين السافي – تونس-

 

 

______الهوامش والإحالات: ___________________________

1- أحمد الجوّة هو جامعيّ تونسيّ درّس بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بصفاقس (تونس)، من مؤلّفاته “شعريّة وقضيّة: دراسة في شعر معين بسيسو” و”المطوّلة في الشعر العربي الحديث” و”الغنائيّة وقضايا الالتزام في الأشعار الأخيرة لمحمود درويش” و”من مسارات الشعر العربي المعاصر” و”الإيديولوجيا في الشعر العربي المعاصر” وهو موضوع هذه القراءة.

2- تعتبر “العتبات” (أو النصّ الموازي الدّاخلي «péritexte ») مدخلا مهمّا لقراءة النصوص، ويمكن العودة إلى كتاب “عتبات” (Seuils) لجرار جينات (Gérard Genette) الذي تناول فيه هذا المبحث.

3- أحمد الجوّة، الإيديولوجيا في الشعر العربي المعاصر، سيفاكس للنشر والتوزيع، صفاقس-تونس، 2017، ص23

4- أو “البنيويّة التكوينيّة” في بعض الترجمات لـ  «Structuralisme génétique»

5- يعتبر الفرنسي لوسيان غولدمان (1913-1970) رائدا من روّاد البنيوية التوليديّة (أو التكوينيّة) التي تشير إلى ضرورة ربط بنية النصّ الأدبيّ ببنية أوسع وأشمل خارجه عند قراءته وتأويله، في تمايز تامّ عن الطرح البنيوي الكلاسيكي الذي يرى أنّ النصّ تامّ ومنغلق على ذاته.

6- “الفهم” و”التّفسير” من المفاهيم التي اعتمدها غولدمان في قراءة النصوص الأدبيّة، فعمليّة “الفهم” تنطلق من النصّ الأدبيّ بمعزل عن أيّ مؤثّرات أخرى خارجيّة في حين تقوم عمليّة “التفسير” على ما هو خارج النصّ من مؤثّرات. انظر مقال “البنيويّة التكوينيّة وقراءة النصّ الأدبي” للمحجوب المحجوبي، منشور في موقع “ديوان العرب” بتاريخ 4 نوفمبر 2014، على الرابط:  http://www.diwanalarab.com/spip.php?article40422

7- يقول خالد الغريبي: “هو الذي يتعلّق بكلّ معلومة خارجيّة متّصلة بالنصّ وكاتبه كالحوارات والشّهادات والمذكّرات والمنثور من أقواله وأفكاره والمصرّح به في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئيّة وما شابهها دون أن تكون معيّنة في النصّ”. كتاب “المدى التّأويلي في أدب المسعدي”، دار محمّد  علي الحامي للنشر، صفاقس-تونس، الطبعة الأولى 2015، ص98.

8- جاء في الصفحة 86 من هذا الكتاب أنّ تشي غيفارا “قائد بوليفي” في حين أنه ثائر أمميّ كوبيّ من أصول أرجنتينيّة، لكنّ هذا الخطأ لم يكن له أيّ تأثير في قراءة حضور هذا العلم في بعض قصائد البياتي.

9-  جاء في هامش الصفحة 154 من هذا الكتاب أن راسبوتين هو مغامر روسي في حين أنه عرّاف روسيّ كانت له حظوة كبيرة في بلاط الإمبراطور نيكولاي الثاني، ولم يكن لهذا الخطإ عظيم تأثير في قراءة حضور هذا العلم في بعض قصائد بسيسو.

10- جاء في الصّفحة 158 من هذا الكتاب أنّ “كومونة باريس” هي “حكومة ثوريّة في باريس بين سنتي 1789-1795 التي تكونت بعد احتلال سجن الباستيل” في حين أنّ “كومونة باريس” كانت حكومة ثوريّة بعد حوالي قرن من الثورة الفرنسيّة وتحديدا سنة 1871 ولم تدم غير أشهر قليلة، وكانت تحت قيادة اشتراكيّة وخاصّة الفوضويّين (les anarchistes) وعدم الالتفات إلى هذه النقطة قد ترك بصمته في قراءة بعض قصائد بسيسو فحرمها من التفاعل مع عمقها الإيديولوجي والتاريخي ذي الميسم الماركسي أو ما عبّر عنه الجوّة بـ “تأكيد التحالف الإيديولوجي” في الصفحة 148 من الكتاب.

11- جاء في الصفحة 80 من الكتاب أنّ البياتي قد خصّ القائد والمفكر الصيني الشيوعي ماو تسي تونغ بقصيدتين، ولكنه في واقع الأمر قد خصّه بقصيدة واحدة، فالقصيدة الثانية كانت حول حركة “الماو ماو” في كينيا خلال الأربعينات والخمسينات وهي من الحركات الإفريقيّة المقاومة للاستعمار. أثّر هذا التشابه في الأسماء أيّما تأثير في قراءة هذه القصيدة ولكنّها تظلّ من القراءات الممكنة والمشروعة وإن شابها –في تقديرنا- بعض من الخلل.

12- الجوّة، مذكور، ص191

13- نفس المرجع، ص21

14- نفس المرجع، ص77

15- نفس المرجع، ص22

16- بودلير (1821-1867) شاعر فرنسي من روّاد المدرسة الرمزيّة، اجترح ما يسمّى بقصيدة النثر (Poème en prose)  وتدرج بعض أعماله الشعريّة مثل قصيدة “الجيفة” (une charogne) ضمن ما أسمي بـ “جماليّة القبح”.

17- الجوّة، مذكور، ص143

18- تعرّض الأستاذ أحمد الجوّة إلى هذا المفهوم بأكثر تدقيق وتوسّع في كتابه “الغنائيّة وقضايا الالتزام في الأشعار الأخيرة لمحمود درويش” وتحديدا في قسم من الفصل الأوّل منه عنونه بـ “في مدارات الألتزام”، وهو -في واقع الأمر- لا يشذّ عن كوكبة من النّقاد لم يتخلّوا بعدُ عن استعمال هذا المفهوم رغم إقرارهم بالمطبّات والمزالق التي تحيط به.

19- تعرّضت جليلة عمامي بدقّة إلى جملة هذه المفاهيم في دراستها لعلاقة الثقافيّ بالسياسيّ في فكر غرامشي في كتابها “الثقافي السياسي في فكر غرامشي”، مطبعة فنّ الطباعة، تونس، الطبعة الأولى 2016.

20- يمكن الاستئناس بنصّ للأستاذ عبد العزيز العيادي بعنوان “أنطولوجيا المقاومة في فكر أنطونيو نغري”، منشور في كتاب “الفلسفة والمقاومة والإبداع”، تأليف جماعي (أشغال ندوة تحمل نفس العنوان)، دار محمد علي للنشر، صفاقس-تونس، الطبعة الأولى 2016، صص17-32

21- يقول جورج أستالوس في حوار أجراه معه احميدة الصولي: “لا يمكن الخلط بين الشاعر الاحتجاجي والشاعر الملتزم لأنّ المحتجّ على الجميع في حين أنّ الشّاعر الملتزم يحتجّ فقط على الذين ليسوا من فريقه”. مجلّة “الشعر”،تونس، العدد 4، سنة 1987، ص135

22- لينين، الثورة البروليتاريّة والمرتدّ كاوتسكي، ترجمة إلياس شاهين، دار التقدّم، موسكو.

23- يقول الهادي التيمومي: “فالشيوعيّون التونسيون عرّبوا في عشرينات القرن الماضي كلمة MILITANT لا بمناضل وإنّما بمجاهد، وأصبحوا يتحدّثون عن “المجاهدين الشيوعيين!” كما أنّ العرب الذين حضروا مؤتمر الأمميّة الشيوعيّة الثالثة في باكو (1920) الذي ترأسه الروسي غريغور يزينوفييف، عرّبوا لافتة على بناية المؤتمر كما يلي: “يا صعاليك العلم اتّحدوا”، وهي ما يقابل في العبارة الفرنسيّة: « Prolétaires de tous les pays, unissez-vous » وقد أثار تعريب كلمة “بروليتاري” بصعلوك استهجان المثقفين العرب”. كتاب: “إلى السّاسة العرب: ارفعوا أياديكم عن تاريخنا”، دار محمّد علي للنشر، صفاقس-تونس، الطبعة الأولى أكتوبر 2017، ص116

24- سلامة كيلة، مبادئ الماركسيّة: في الوضع العربي الراهن، منشورات الوعي الجديد، ص16 وص19

25- اعتمد الجوّة هذا المفهوم منطلقا لقراءة قصيدة “الأسلحة والأطفال” للسيّاب. ص53

26- الجوّة، مذكور، ص15

27- نفس المرجع، ص88

28- نفس المرجع، ص6

29- لأندريه غدانوف (1896-1948) كرّاس بعنوان “الكتّاب مهندسو الأرواح” يكشف فيه ملامح ما أسميناه بـ”الكاتالوغ الجمالي”. ترجم الشاعر التونسي الراحل الطاهر الهمّامي هذا الكتاب إلى العربيّة. (غدانوف، الكتّاب مهندسو الأرواح، ترجمة الطاهر الهمامي، دار صامد للنشر والتوزيع، صفاقس-تونس، 1990)

30- الجوّة، مذكور، ص139

31- نفس المرجع، ص190

32- نفس المرجع، ص193

33- نفس المرجع، ص22

34- نفس المرجع، ص278

35- بوعلي ياسين، ينابيع الثقافة ودورها في الصراع الطبقي، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1975، ص25

36- يقول غولدمان في كتابه “الإله الخفيّ”:”ما رؤية العالم ؟ وكما شرحنا ذلك في موضع آخر، هي ليست معطى تجريبياً مباشراً، بل على العكس، أداة عمل إدراكية ضرورية لفهم التعبيرات المباشرة لفكر الأفراد ؛ وتظهر أهميتها وواقعيتها حتى على المستوى التجريبي، عندما نتجاوز فكر كاتب واحد وأعماله” ويقول في سياق آخر: “ورؤية العالم، هي بالتحديد هذا المجموع من التطلعات، والمشاعر، والأفكار التي تجمع بين أعضاء المجموعة الواحدة (وغالباً الطبقة الاجتماعية الواحدة) وتعارضها مع المجموعات الأخرى” ثمّ يخلص إلى القول: “إن كل عمل أدبي أو فني كبير تعبير عن رؤية العالم.  وهذه ظاهرة وعي جمعي يبلغ الحد الأقصى من الوضوح التصوري والحسي في وعي المفكر أو الشاعر”. غولدمان، الأله الخفيّ، ترجمة زبيدة القاضي، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2010.

37- أحمد البرقاوي، مقال بعنوان “سؤال في النقد”، مجلة “الجديد”، العدد 28، ماي 2017، ص30

38- الجوة، مذكور، ص283

39- فتحي المسكيني، مقال بعنوان “الدين وصراع الاعتراف أو في هويّة المقاومين”، منشور في كتاب “الفلسفة والمقاومة والإبداع”، مذكور، صص 33-50

40- الجوّة، مذكور، ص187

41- في الأصل: “فليسقط ماياكوفسكي وليحيَ البرسيم”، ولكنّ العبارة وردت في سياق يجعلها تضمر عكس ما تظهر.