Select Page

(1)
مرت السنوات سريعة جدا ، وتلك عادتها ، ومهنتها القديمه…
للسنوات مهن أخرى ، كان تكون باردة مثلا ، وقاحلة ، وجافة ، وكبيسة أيضا ، وابنة ذئب…

عادة ما تمر سنواتي سريعة جدا كخيول البرابرة القدامى ، كان أعدائي قطفوا ثمارها الأولى ، وتدثروا بمحاسنها ، ثم دسوا قشورها في صدري ، المشحون بالغبن ، والغضب ، والذكريات الحزينه…
خلال تلك السنوات السريعة (سنواتي) ، التي عاشها “الآخرون” بدلا عني ، خلالها ، لم أره إلا لماما…
فقد كنا نختلف كثيرا في أوقات الحضور ، وأوقات الغياب…

إذا غاب حضرت ، وإذا غبت كان شديد الحضور…
لكن حضوره وغيابي ، لم يكونا سببين لإنقطاع الأخبار ، أو شحتها…
فقد كانت سيرته اليومية الحسنى ، تجري صافية وعذبة ، على ألسنة أصدقائه اللدودين…
بعض هؤلاء ، كان أيضا من أصدقائي ، وهذه إحدى لعب الأيام الجميلة…
تلك أفاعيل الوقت ، السيد اللاهي بكل شيء ، و…بكل شيء…

لم أسع إلى كسب صداقته أبدا ، ولم يسع إلى كسب عداوتي أيضا…
فقد كنت أؤكد على القول الفصيح ، بأن اتساع المسافة بين الأنام ، عامل حاسم في تأثيث حدائق الصداقات الدائمة العميقة بينهم…
إكتفيت -أنا المطعون بغدر الأصدقاء مرارا- ، إكتفيت بلقاءات الصدفة ، التي جادت بها أخطاء الأيام…

أقول هذا بحزن حقيقي لعين ، والسبب الحارق العظيم ، مدسوس كاللغم في هذا السؤال :
– كم سنة ابنة زانية ، لم نكن فيها أصدقاء ؟!
– كم سنة ابنة بغل ، برزنا فيها كسيدين عظيمين للفرص الضائعه.؟!
كانت لقاءات خاطفة ، مشفوعة بسلامات عابرة…
وهذا ما يميز سلوك الغرباء : أحدهم يلقي السلام ، والآخر يرد عليه بحذر ، كأنه يطرد نحلة مشاكسة ، ظنته شجرة مثمرة…
اللعنة على الغرباء ، وهم يظنون الغرباء أشجارا غريبة ، أو نحلا جائعا ، لأزهار الأشجار الغريبة…
اللعنة على الأيام والأشهر والسنوات ، وهي لا تلبي حاجة الغرباء الشديدة للغرباء .

(2)
لم أتعثر باسمه مكتوبا إلا نادرا ، لأنه -كما أدركت لاحقا- ، لم يسع إلى صنع إسم يجول حرا ، في صحافة تونسية بائسة ، لأنها لا تلمع -آنذاك وبعضها لا يزال- إلا الأسماء القذرة والرديئة ، والمنحازة -علنا- إلى الجلادين ، والفاسدين ، ومصاصي الدماء والخونه…كان اسمه عندي ، مقرونا بنوادره ، وبروحه المرحة ، تماما كما ينقل سيرته الحية ، صحبانه الخلص…

لم يكن إسما باذخا ، أو عاليا ، أو عظيما…
لم يكن إسما مربكا ، أو مخيفا ، أو مبشرا بفتح عظيم…
بل كان -ومازال- ببساطة إسما جميلا ، ومريحا ، وسهلا على القلب والروح ، والأذن واللسان…
هكذا : جمال…

ولا أعتقد أنني أرتكب معصية ، إذا قلت إن اسمه لا يطابق شكله مطلقا…
فهو -شكلا- لا يعجبني ، حقا شكله لا يعجبني…
إذن ، هذا سيد آخر ، لا علاقة له بإسمه…
(آذا رأيتم وجهي ، سيعجبكم جمال)…
لكن المسألة لا تعنيني على الإطلاق ، لأنني -ببساطة- لا أسعى إلى مصاهرته…
كل ما يهمني ، هي تلك المحبة التي يكنها الآخرون له ، ويغرقونه فيها…

إنه محبوب كشجرة في فلاة ، لا يمر طريق بها…
كجدول في أكثر الصحارى جفافا ورعبا…
كرسالة سنوية ، ندية تصل من المنافي البعيده…
إنه محبوب ، تماما كشمس السجين…
جمال…
يا له من…جمال .

(3)
مرت السنوات -كعادتها- سريعة جدا ، كقطعان الطرائد وهي تفر من الصيادين الجوعى…
“كسبت” كثيرا من الصداقات “البرقية” ، والتي تحولت -بذات السرعة- إلى عداوات بلا أسباب…
كما كسبت صداقات قليلة ونقية ، أنا فخور جدا بأنها ما زالت كذلك…
وقبل أن أبلغ نصف قرن من الإهمال والتشريد والجراحات ، والسعادات القليلة النادره…
إلتقيته…

واتفقنا -هكذا بكل بساطة- ، على أن نكون أصدقاء…
إنها ملهاة الوقت…
بعد نصف قرن ، وكأن نصف قرن مجرد غمضة عين فحسب ، يلتقي غريبان بكل بساطة ، وبذات البساطة ، يتفقان على أن يصبحا صديقين…
كيف أفسر هذا.؟!
كان -وأقصد (كان) مختلفا جدا ، ولا يشبه إلا : هو…
صادق ، ونقي ، ومنطلق ، ومطابق للأصل تماما…
قلق بوحشية نادرة ، غاضب جدا ، وحزين كشتاء طوييييل مستعار…
هادىء مثل قبر قديم ، عنيد كنخلة ، راحل عن المكان ، وفي ذات الحين مقيم فيه…
يبدو هنا ، ويتكلم كأنه…هناك…
واضح وبسيط كعامل يومي من بلادي الجريحة بأبنائها (الآخرين)…
مقنع جدا ، إلى الحد الذي تتساءل معه :
– عجبا…أليس هذا أنا.؟!
لمست كل هذا ، رغم غبائي المزمن ، وإدراكي البطيء لطبيعة الكائنات…
فأنا -وهذا ليس تواضعا- ، لست خارق الفطنة ، أو شديد الذكاء ، أنا فقط كائن شديد الإنفعال ، مما يجعل البعض يشعرون تجاهي ببعض النفور ، يصل إلى حدود الكره أحيانا…

لكنني -وهذا ليس تواضعا- ، لست كريها ، أعلم القليل ممأ يحدث ، وأدرك ماذا أقول ، ونادرا ما أندم على ما أقول…
مثلا :
– أعلم أن قطتنا (وأعني حقا قطتنا) ، جميلة جدا ، لكنها مزعجة ، وسافلة ، ودنيئة ، وابنة كلب…
– أعلم أن إخوتي الثلاثة -أنا أكبرهم- ، هم في الحقيقة إخوة (يوسف)…
أعلم أن أبي (شفاه الله) ، يتمنى لو أنني لم أولد أصلا ، لأنني لم أعد أسمح له باحتقاري…

أعلم أن أمي (شفاها الله) ، ورغم كل هذا القتل ، الذي يكنه لي المسؤولون في بلادي ، مازالت تراني -ككاتب- ، شمسا جلية ، تشرق حتى في أنصاف الليالي…
أعلم أن (اتحاد الكتاب التونسيين) ، وكر للمؤامرات والمكائد والدسائس ، التي تحاك أو تدبر ، للكتاب العالية جباههم وأقلامهم…
أعلم أن طليقتي ، جبل هائل من العداوات ، والأحقاد المجانية…
(أم نورس شاعرة نادره)…

أعلم أنني قد أموت ، ولا أقرأ (عبد الرحمان منيف) كاملا…
أعلم أن (أولاد أحمد – شفاه الله) ، لا يحفظ كلمة ، أو عهدا ، أو سرا…
أعلم أن معظم القادمين إلى الكتابة ، سيحضر في غدهم أمسي ، وستعربد -حرة- في أحلك لياليهمو شمسي…

أعلم أن (يوسف) ، ما زال يحرس الذئب من…إخوته…
أعلم أنني (لا) أعلم “الجهر وما يخفى”…
كنت أعلم كل هذا وغيره ، لكنني لم أدرك أبدا ، أن هذا الذي أكتب له وعنه الآن ، سيكون يوما صديقي.
(4)
بعد ذلك العقد المعنوي الباهر (الصداقة) ، أدركتني فكرة ذابحة ، لست أدري -بعد اجتياحها لي- ، هل أنخرط في مهرجان من الحزن ، أم في عاصفة من السعادة…

وهي فكرة أخذت شكل اليقين ، ويمكن لي أن أفسرها كالتالي :
على هذه الأرض ما يكفي من شواسع الأرض ، كي تستضيف سكان خمسين كوكبا آخر ، ومع ذلك كنت أشعر -قبل صداقته- ، كم أنا وحيد ، وبلا أصدقاء…
والآن تحضرني حادثة بعيدة ، لا علاقة لصديقي بها ، فهو لم يؤثث تفاصيلها ، ولم يتسبب في وقوعها أصلا ، ومع ذلك لست أدري لماذا تحضرني الآن ، والآن تحديدا

وأشعر برغبة طاحنة في سردها له ، وأعلم أنه سيفهم -وهو الذكي- المعنى الجارح ، المخبأ في طياتها :
كان شتاء قاسيا حد الكفر ، ذلك الذي عدت فيه بقط شريد إلى البيت…
منذ اللحظة الأولى ، لمحت نظرات الشك ، والريبة ، والحيرة ، في عيني القط الشريد وهو يخطو حذرا ومرتبكا ، بعد أن وضعته أرضا ، في رواق منزلنا البارد…

عد يومين فقط ، عاد القط إلى شوارعه راضيا وسعيدا ، لأنه -وهذا ما فهمته- ، خاف من إصابته بعدوى البرود المزمن ، الذي يسود البيت ، وسكانه الطاعنين في الإهمال ، واللامبالاة والنسيان…
حينها فقط ، أدركت حكمة القطط الشريده…
والمعنى -أيها الناس- ، أنني كاتب تونسي حقيقي ، أهملتني بلادي لأكثر من ربع قرن ، فغدوت شديد التوتر ، وسريع الانفعال ، ونادر الثقة بالآخرين…

لهذا ، ولأسباب لعينة أخرى ، فاجأتني صداقة صديقي جمال ، وأذهلني صبره الدائم ، على غضبي وجنوني ، وخروجي السافر أحيانا عن آداب اللياقة .
(5)
أسرفت طبعا في تداعيات مجنونة ، أملتها علي حالات شتى ، فانحرفت بي قليلا أو كثيرا عن السياق ، وعن عد محاسن أخرى ، تميز صديقي هذا ، وإحدى تلك المحاسن ، هي قلمه مثلا…
قلم سلس جدا ، وفي ذات الحين جري ء وحاد ، وذابح بلا رحمة…

قلم يقنعك بأن حامله ، يمكن أن يكون هنا ، وهناك في ذات اللحظة…
قلم منحاز بشراسة إلى المحبة ، والصحبة النقية النادرة ، في هذه السنوات العجاف ، ومنحاز -علنا- ، إلى ذلك الألم الإنساني العظيم…
قلم صارخ ومحارب بضراوة ، ضد عودة الوحش في “الإنسان” الحديث…
قلم لا يؤمن بالثوابت والقداسات ، ويحتقر كل ما هو ذاهب للغروب الدائم والزوال…

قلم يهدم ما “يحبره” الآخرون كأنه يبني…
ويبني كأن من سيأتي بعده ، لا يملك القدرة على هدم ما بنى…
قلم -على غير عادة الأقلام- ، يمكن أن تقف على أثر ما أسال من عرق الروح ، وأحلام القلب ، ودماء الكبد…
قلم واثق جدا ، من فداحة ما يقوم به…
قلم جدير حقا بالثقة والاحترام .

(6)
صديقي جمال :
أنا على يقين مميت ، من أن هناك في هذا العالم البائس ، وفي هذا الزمن تحديدا ، كائنات إنسانية ، ليست مصنوعة من الحجارة والحجارة والحجارة وال…خيانه…
مازال هناك ما يشبه الضوء ، في آخر النفق الطوييييييل الطويل…
لكن هناك ما يحيرني يا صديقي البهي، وأنت تعرف أنني كائن من شكوك وحيرات…
أنا واقف -بكل خساراتي- في أعالي السؤال :
– هل تقف في أول النفق لنعبره معا .؟!
– أم تقف في آخره لأعبره وحيدا .؟!
لكنني -قبل وبعد الإجابة- ، ورغم الفخ المخبأ في سؤالي ، أبوح لك :
– شكرا ، لأنك توبخني على أخطائي المجانية أحيانا ، ثم تغفرها ، وبعدها تبررها للأصدقاء أولا ، وللأعداء ثانيا ، و…للأعداء دائما…

شكرا لأنك على هذه الأرض تحديدا ، ولست على أرض أخرى…
شكرا لأنك أنت فقط ، ولست رجلا آخر…
شكرا لأنك على قيد الحياة تماما…
شكرا لأنك قبلت بأن تكون صديقا لهذا المغفل الأحمق ، الذي هو (إنا)…
شكرا .