Select Page

خلال الفترة الصيفية من كل سنة و كتقليد دارج تعرف جزيرة قرقنة تحولا هائلا على كل الأصعدة بعد فترة شتوية دائما ما كانت تتميز بالهدوء و شبه العزلة الناعمة للتحول فجأة إلى القبلة التي يتوجه صوبها الجميع من أبنائها و من غيرهم من الباحثين عن تعديل كل شيء داخلهم  هربا من ضغط تحدثه المدينة و يدعمه اليومي بكل مافيه. التحول السكاني و الاجتماعي الذي تعرفه الجزيرة يبدو أنه قد أصبح يكتسي و خلال السنوات القليلة الماضية بعدا ثقافيا واضحا من خلال ” فسيفساء ” مكتملة المعالم من تظاهرات و مهرجانات ثقافية صارت تؤثث صيف الجزيرة الحافل.

عم خميس .. أيقونة اليسار الثقافي 

بصبر كبير و منذ سنوات تجالد جمعية أحباء عم خميس بقرقنة من أجل الحفاظ على ارث الرجل الذي تحمل اسمه و لعل قصر الذاكرة الذي يميز أدبيات التعامل مع الذين أنفقوا خلاياهم و أرواحهم في الثقافي و الفني كان حاضرا مع ” المولدي زليلة ” أو ” عم خميس ” كما كان الرفاق يطلقون عليه زمن الانغماس التام في الدفاع عن الانسان انطلاقا من القضية/ البوصلة القضية الفلسطينية وصولا الى الانخراط اللامشروط في كل قضايا التحرر و الدفاع عن النفس التنويري مرورا بالمساهمة في وضع اللبنات الأولى لليسار المهيكل في تونس و المساهمة شاعرا و كاتبا و مفكرا في تطعيم اليسار الثقافي.

آفة النسيان لن يكون ” عم خميس ” آخر ضحايها لكن الجانب المشرق ربما و الذي قد لا يتاح للبعض الآخر هو ذلك اللفيف من المؤمنين بما كان يفكر و بما كان يحلم و الى ماذا كان يرمي و الى تلك الثورة التي كان يناجيها و لا يراها غيره و التي استوت     و بانت سنة 2011 الأمر الذي يعد سببا كافيا ربما لجمع كتاباته و لتذكير رفاقه به و للسعي إلى المحافظة على بيته الذي يوشك أن يذهب دون رجعة و دون أن يتحقق حلم تحويله إلى مركز أو متحف يجمع آثار الرجل و يحفظ ذكراه من الزوال.

الاحتفال بمائوية ” عم خميس ”  أمنته جمعية أحباء عم خميس بالاشتراك مع دار الثقافة قرقنة و بدعم من الاتحاد العام التونسي الشغل و متحف تراث الجزر بالعباسية و فضاء اكوامارين بكرنيش الرملة ليكون ذلك في شكل مهرجان فني و موسيقي  انطلق الجمعة 27 جويلية 2018 بفضاء اكوامارين بعرض موسيقي أمنته مجموعة الحمائم البيض و الذين راوحوا بين العزف والعناء والقراءات الشعرية اضافة الى تشريك الاطفال في العرض بشكل تفاعلي.

المد الثقافي الثقافي يسجل أعلى درجاته  : جزيرة قرقنة تنتصر للفن و للحياة و الجمال 37928911 1996107080429124 4543995925093154816 n

التظاهرة تواصلت يوم السبت 28 جويلية 2018 صباحا انطلاقا من منزل والد “عم خميس”  الى متحف تراث الجزر بالعباسية اين اقيمت مائدة مستديرة حول أثر “عم خميس” من رسومات وادبيات لتتواصل ليلا  مع مجموعة الشيخ امام في فضاء الاكوامارين بكرنيش الرملة  من خلال عرض جماهيري تفاعل معهم الحاضرون بالغناء والشعارات .

تعد هذه التظاهرة قبس نور في ظلمة تهميش الثقافة والتاريخ ورد اعتبار لمناضلين ومقاومين غيبتهم كتب التاريخ الرسمية ولكن مازال للوطن حماة ،يحمون التاريخ من الاندثار وينفضون غبار الزمن الذي حاول طمس آثارهم ، عم خميس ، المناضل والمقاوم الذي منع من العودة الى الوطن طيلة عشر سنوات ،عند وصوله الى سن التقاعد ، لم ينسى انتماءه ، لم يلعن هويته ، عاد الى بلاده ، الى موطنه ، الى قرقنة ، صدر له ديوان شعري تحت عنوان بابور زمر واستقر بمسقط راسه في اولاد يانق بقرقنة بنفس الروح النضالية وبنفس الشحنة الابداعية في الشعر و النحت و التصوير.

توفي عم خميس بمدينة صفاقس يوم 10 جوان 2009 و دفن يوم 11 جوان 2009 باولاد يانق حيث شيعه جمع غفير من الاهل و الاصدقاء و الرفاق و قد غطى جثمانه الطاهر علم تونس و شعار الاتحاد العام التونسي للشغل.

جزيرة قرقنة  التي انجبت الحبيب عاشور، فرحات حشاد ،عمر قطاط وعمر بن مصطفى والعديد من المقاومين الذين وهبوا دمائهم للوطن دون انتظار المقابل.

جزيرة قرقنة اضافة الى تاريخها السياسي والنضالي  تكتسي طابعا صوفيا وتزخر بالاساطير والحقائق المثبتة التي لا تزال تتناقلها المصادر الشفوية ومخزون الذاكرة الجماعية مما يضفي عليها سحرا فريدا وعبقا لا نظير له وصورة منفردة لواحات من النخيل والمياه التي لا تعكس فقط زرقة السماء ، بل تعكس ايضا تدفق كرم اهالي المنطقة في سخائهم وفي حبهم للحياة.

 

 

المهرجان الدولي لثقافة الجزر المتوسطية بالقراطن قرقنة “الدورة الثانية”

احتضنت جزيرة قرقنة “بالقراطن” الدورة الثانية للمهرجان الدولي لثقافة الجزر المتوسطية من 21 جويلية  الى 05 أوت  ، حيث  سعى القائمون على هذه الدورة الى المراوحة بين الجانب الترفيهي ، الرياضي ، السياحي والثقافي من خلال العروض المتنوعة التي هدفت في مجملها إلى كشف المخزون الهائل الذي تخفيه الجزيرة و الذي وهبته ايها الطبيعة.

بين الثقافة ، الفن والثراث

لا يمكن ان تكتمل الصورة الساحرة لجزيرة قرقنة دون التعريج على ذكر طقوس الزواج فيها خصوصا عن الجحفة القرقنية التي تتميز عن مثيلاتها في باقي المدن التونسية اذ تحفظ بعد الانتهاء منها و نهاية كافة مراحل العرس فوق سطح منزل العروسين في انتظار قدوم المولود الأول ليتم اعداد ” الحوار” باستعمال الجحفة وقودا لذلك باشعالها اعلانا ربما عن قدوم نفس جديدة في طقس أقرب الى القرابين.

التظاهرة تواصلت لتشمل عروضا للفروسية من خلال المداوري التقليدي و الذي يبرز قدرة عالية على ترويض الخيول وتدريبها بالاضافة الى معرض للمنتوجات التقليدية الحرفية والغذائية  القرقنية .

نخبة من مسرحيي صفاقس على غرار عيسى حراث ، المنصف الوكيل ،الازهر البوعزيزي ، الامين بن طاهر وعلي عكاشة كانوا في الموعد لتقديم عرض مسرحي من انتاج “تبرورة للمسرح” بعنوان “مهرجان الحكاية

العروض و الفعاليات في المهرجان الدولي لثقافةالجزر المتوسطية بالقراطن شهدت كما من التنوع و الثراء جعلها تلامس كل الاذواق تقريبا خصوصا مع تأمين سهرة للفن الشعبي “فرقة حكيم” و اقامة مسابقة  الصورة الفوتوغرافية بالاضافة إلى عرض دولي متميز للبالاي الروسي.

الرياضة بوابة المرور الى عطايا الطبيعة 

لا يمكن ان نتحدث عن مهرجان لثقافة الجزر المتوسطية دون ان نتحدث عن الرياضات البحرية والشاطئية حيث شهد ميناء القراطن احتفائين متميزين ، اولهما سباق السفن الشراعية والذي يحاول “الرياس” فيه استعراض فن القدرة على قيادة السفن اعتمادا على سرعة الريح واتجاهها ، وثانيهما “خرجة الرمادية” التي ضمت هذه السنة حضور مئات الزوار الذين توجهوا جماعات على متن قوارب الى جزيرة الرمادية”غير الاهلة بالسكان ” ،( الرمادية التي يذكرها التاريخ بانها كانت قبلة الراهب المنفي “سان فلوجونس” في القرن الخامس ميلاديا )  ، وفي مشاهد احتفالية ضمت العديد من الشرائح العمرية ، جمعت العائلات والفنانين المتميزين مع مزاوجات بين الطبل والزكرة والعود ومراوحات بين التقاسيم الشرقية والرصيد الغنائي القرقني الذي يعتبر علامة  انتماء و بطاقة هوية جزيرية لهذه الرقعة الجغرافية الساحرة.

Publiée par Ali Souissi sur Lundi 30 juillet 2018

قرقنة التي ذكرت في كتاب هيرودوت “المؤرخ الاغريقي الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد” وملجأ حنبعل في القرن الثاني قبل الميلاد، اين جهز اسطوله الحربي لمواجهة الرومان هي قرقنة ملجأ القائد القيصري “ماريوس” وابنته ومنفى الاميرة  “جوليا وسايوس” العشيقين المبعدين من امبراطورية “أوغوست الرومانية ” هي التاريخ الزاخر بعبق الحضارات تفتح ذراعيها لاستقبال الحياة والمقبلين على الحياة .

وسط هذا الحراك الثقافي المتنامي ووسط فسيفساء كاملة من التظاهرات و الفعاليات الثقافية تحافظ جزيرة قرقنة على فرادتها   و على تفاصيلها الخام مقترحة على كل زائر بعضا من سحرها دون تمكنيه من ذلك دفعة واحدة محتفظة لنفسها بغموضها و مقنعة إياه بوجوب العودة اليها على متن أول  ” لود ” مبحر الى اليها.

بقلم :

استبرق العايدي 

صور :

حمادي قطاطة

علي السويسي

عيسى عروس