Select Page

من الغريب فعلا أن ينتهي الأمر بمبارة نهائي إياب الكوبا ليبرتادورس بين فريقي ” الريفير بلايت “و ” البوكا جونيور ” الى مثل ذلك المصير الغامض والمتواصل بعد أن تقلصت كل الكرة الأرضية فجأة وتعذر على كل ملاعبها استقبال هذه المباراة بلاعبيها وخصوصا بأنصارها الذي يصنعون الفرجة لكنهم وفي المقابل جاهزون دائما ودون مبالغة للموت كحد أدنى دفاعا عن فرقهم وألوانهم وعن الطبقات التي ينحدرون منها.

أحداث العنف التي رافقت لقاء الذهاب ثم لقاء الإياب والتي أدت إلى عدم إجراء هذا الأخير لم تكن أبد ” حادثا ” عرضيا معزولا أو منفصلا بل إننا هنا نتحدث عن ” عين الهوس ” الأرجنتيني ولعل الأرجنتينيين وحتى المتعصبين منهم للبوكا أو الريفير قد انصرفوا إثر المباراة والأحداث الى سائر أعمالهم والى حياتهم الاعتيادية يوما بعد المباراة في حين تواصل الشد والدفع والتحليل في مقاهي باقي العالم وحاناته لأيام طويلة كون هذا الأمر ومثله “خبزا يوميا “في الأرجنتين.

لم يكن حادثا ..كرة القدم و البوكا و الريفر و الديانة المارادونية .. عناوين الهوس في الأرجنتين river bocaa

كرة القدم كما يراها الكاتب الأوروغواياني الكبير ” ادواردو  غالياني ” “هي اليوم مرآة للعالم، وهي التي تقدم ألف حكاية وحكاية مهمة فيها المجد والاستقلال والحب والبؤس ” و هي التي تحولت في الارجنتين و بفعل المراكمة داخل التاريخ الى ” عصب ” الحياة الأول و الى تلك المرآة الكبيرة العاكسة للواقع الطبقي و الاجتماعي و السياسي فيها الأمر قد يتطابق في خطوطه العريضة مع عدد من بلدان العالم لكنه و  في الأرجنتين يذهب في ذلك بعيدا بل و ” يتطرف ” فأي دولة هي تلك التي يحبس كل العالم أنفاسه قبل مبارة كرة قدم فيها في شبه ترقب لإعلان حرب واسعة النطاق ؟ وأي دولة هي تلك التي أطلق المهووسون فيها دينا جديدا يعبد فيه لاعب كرة قدم غير الأرجنتين؟

الديانة المارادونية .. كنيسة.. تعاليم.. طقوس 

لا يتمحور الحديث هنا حول مزحة أو حتى حول تعبير مبالغ فيه بل ان المقصود بالديانة المارادونية نسبة الى اللاعب ” ديغو أرماندو مارادونا ” هو بالفعل اشارة صريحة الى ديانة موجودة فعلا في الأرجنتين ويمتد اشعاعها الى خارجها ليبلغ باقي قارات العام وليكون عدد المعتقدين فيها حوالي 100 ألف شخص أو يزيد.

لم يكن حادثا ..كرة القدم و البوكا و الريفر و الديانة المارادونية .. عناوين الهوس في الأرجنتين nss sports maradonapoli cover

الديانة الجديدة التي رأت النور منذ سنوات في الأرجنتين لها أيضا و بالإضافة الى الأتباع كنيسة خاصة بها تقام فيها جملة من الطقوس لعل أغربها فعلا هي طقوس الزواج اتباعا لتعاليم الكنيسة الماردونية فحين يقف ” الكاهن ” ليعلن رسميا احداث الرابط المقدس بين ” العريسين ” يقول ”  الناس لا يفرقون أبدا هذ الرابط المقدس الذي أقامته كرة القدم ” ليجيب العروسان بقسم غريب ” سنعيش في حب و احترام و سنتقاسم الأهداف و مقاطع الفيديو و صور إلهنا و سنمنح اسم دياغو لأطفالنا كاسم ثانو حتى يكتمل المشهد تماما فأن الحاضرين من الضيوف الرجال و الذين يرتدون البدلات الرسمية السوداء التقليدية يضعون الرقم 10 على ضهورهم منقوشا بالأبيض و هو الرقم الذي رافق ” دياغو أرماندو مارادونا ” طيلة مسيرته الكروية.

 للكنيسة أيضا أعياد و مناسبات توجب الاجتماع و الاحتفال بشكل دوري و سنوي شأنها في ذلك شأن باقي الكنائس و باقي الأديان الأخرى حيث يشكل تاريخا 30 أكتوبر و 22 جوان أهم تاريخين في الرزنامة السنوية ففي التاريخ الأول ولد  “ماردونا “أما الثاني فهو تاريخ فوز الأرجنتين على منتخب إنجلترا في نهائيات كأس العالم بالمكسيك سنة 1986 و يوما سجل ” مارادونا ” هدفين حفرا في ذاكرة الكرة و في ذاكرة الأرجنتينين فالأول هو هدف اليد الشهير و الذي خدع حكم المباراة التونسي علي بن ناصر ” و الثاني كان عملا فرديا راوغ فيه ماردونا كل الإنجليز و أحرز هدفا لا ينسى.

رغم مغادرته ملاعب كرة القدم كلاعب ورغم مسيرة فاشلة في عالم التدريب فإن ” دياغو أرماندو ماردونا ” بقي محافظا على تلك الهالة التي رافقت مشواره الكروي الصاخب داخل الملعب وخارجه فالرجل الذي غادر ملعب ” ساوباولي ” في نابولي الايطالية منذ سنوات طويلة لم يزل حديث المدينة فيها ومركزا من مراكز اهتمام اهلها بل ان عدد صوره العملاقة المرابطة في مكانها على واجهات البنايات الكبيرة في ازدياد مستمر.

                                  لم يكن حادثا ..كرة القدم و البوكا و الريفر و الديانة المارادونية .. عناوين الهوس في الأرجنتين maradona 1

البوكا و الريفر .. صراع يمين و يسار    

الحديث عن فريقي البوكا جونيور و الريفر بلايت يتجاوز المساحة الزمنية القانونية التي تأطر مقابلة كرة قدم و المقدرة بتسعين دقيقة ليسبق صافرة البداية بأيام و يعقبها بأيام أخرى و الغريب أن الحديث عن المباراة و الأهداف و مجريات اللقاء يحتل الحيز الأصغر في كل هذا لتكون الكواليس سيدة الموقف و المسيطرة على كل شيء.

لم يكن حادثا ..كرة القدم و البوكا و الريفر و الديانة المارادونية .. عناوين الهوس في الأرجنتين 2469138 51281477 1600 900

من الغريب فعلا أن تتحول المواجهات الحاصلة بين جمهور الفريقين الى مادة أهم من الفائز و الخاسر و الى من لعب بشكل أفضل أو من قدم أداء كارثيا و لعل ذلك مثلا ما يبرر اختيار مجلة L’équipe الفرنسية عنوانا صادما من قبيل ” سيكون هناك ..موتى ” تمهيدا لما قد يحدث في مباراة اياب الكوبا ليبرتادورس الأمر لم يكن مجانبا للصواب تماما بعد أحداث العنف و تهشيم حافلة البوكا و اصابة عدد من اللاعبين و الغاء المباراة بعدها مباشرة.

بين البوكا و الريفر لا يمكن الحديث عن تنافس بل عن عداء و كراهية معلننين يتجاوزان كرة القدم فالفريقان تأسسا داخل سويا وسط الهامش الاجتماعي في الأحياء الفقيرة بالعاصمة قبل أن يتحول الريفير بعد سنوات قليلة الى منطقة تمركز الأثرياء ببيونس آيرس و ليتحول الى الفريق المتمركز على يمين المجتمع الأرجنتيني بأغنياءه و مترفيه بينما بقي البوكا وفيا لموقعه على اليسار رمزا للحي الفقير الذي يوجد فيه مقره و يعيش فيه جمهوره أو السواد الأعظم منه.

بمفهوم الخيانة الطبقية يحاسب الريفر بلايت الى اليوم بتنكره للبيئة التي شهدت بعثه للوجود و بمفهوم التقسيم الطبقي و التفاوت الاجتماعي يمكن اليوم تفكيك ظاهر الهوس الكروي في الارجنتين لفهم واقعها مجردا دون الحاجة الى قراءة مئات الصفحات من التقارير عن الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية.

  لم يكن حادثا ..كرة القدم و البوكا و الريفر و الديانة المارادونية .. عناوين الهوس في الأرجنتين 2337880 LIBERTADORES RIV BOJ لم يكن حادثا ..كرة القدم و البوكا و الريفر و الديانة المارادونية .. عناوين الهوس في الأرجنتين i