Select Page

بالعودة الى سنة الألفين و السنوات القليلة التي تلتها لم يكن عرض الجرائد الحزبية المعارضة للعموم قصد بيعها أمرا محضورا في تونس غير أن التعقيد الحقيقي كان في طريقة اقتناءها انطلاقا من تلك التعابير التي ترتسم فجأة على وجه البائع لحظة نطقك اسم الجريدة التي تود الحصول عليها وصولا الى المكان الذي تنوي فتحها و قراءتها فيه مرورا بالطريقة التي ستخفيها بها و بشكل برقي داخل ملابسك حيث كان التندر الحق في الموضوع برمته أن هذه الجرائد تنزل مبيعاتها صيفا لغياب وسائل الاخفاء كالمعطف و الملابس الثقيلة. 

في دائرة مسببات الصداع للسلطة دائما لم يكن الحصول على تسجيلات الموسيقى الملتزمة في تونس أقل تعقيدا في تلك الفترة لاعتبارات تتعلق أساسا بتعبيرات الاستغراب التي تعلو محيا كل بائع تستفسره عن وجود شريط للشيخ امام عيسى ليجيبك بالنفي خصوصا و أن زمن المحامل الرقمية لم يكن قد أتى بعد ولم تكن ” الانترنيت ” قد اكتسحت بعد كل شيء و خصوصا مساحة الحجب و السماح التي كان الرقيب/الدولة يحجزها لنفسه ليمرر ما يشاء و يمنع ما يشاء. 

الحديث عن فوز عظيم حال العثور على أغنية أو تسجيل لا تعرفه و لا يعرفه رفاقك و المحيطون بك من المهتمين بالأمر لم يكن في ذلك الزمن من قبيل المبالغة بل كان فوزا حقيقيا داخل مدونة موسيقية/شعرية غير متداولة عمادها الرفض و الاختلاف لتكون صالحة للزمن الذي كتبت فيه و منسحبة بشكل سلس على الزمن الذي أتى بعدها الأمر الذي سيعرف تحولا عميقا و جذريا مع حلول سنة 2003 بظهور موقع ” الملتقى “.

الملتقى .. الموقع الوثيقة 

هوة عميقة هي تلك التي تفصلنا عن ذاكرتنا الفنية و الأدبية في المنطقة العربية و قليلة هي تلك المحاولات التي جاءت جادة و حقيقية و مستمرة للحد من ذلك بلملمة هذه الذاكرة و جمعها و الحفاظ عليها و العمل على جعلها متاحة و محفوظة الأمر الذي يصعب تحقيقه داخل البيروقراطية الثقافية الرسمية خصوصا و أن جل المعنيين بمثل هذا الأمر هم المتمردون الخارجون عن الخط الرسمي هذا بالاضافة الى أن السياسة الثقافية داخل الدول المعنية تقوم على افراد الاهتمام بأسماء و شخصيات دون غيرها بجعلها رموزا مرجعية تأبى السقوط أو ترك المجال لاضافة أسماء أخرى. 

 

هكذا قادتنا الصدفة لنتعرف على رصيدنا الفني الملتزم ..موقع الملتقى في ذكرى تأسيسه هكذا قادتنا الصدفة لنتعرف على رصيدنا الفني الملتزم ..موقع الملتقى في ذكرى تأسيسه Sans titre 88

 

ان مجموعة الأغاني والقصائد والنصوص المنشورة بهذا الموقع هي نتاج لفن و ثقافة رافضة للآغتراب والآستلاب. وهي تعابير فنية تشكلت في رحم الهزائم والارهاصات المتتالية التي حققناها كشعب و حضارة وأمة. فمن نكبة 1948 الي نكسة 1967 الى هزائم حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة التي تقرع طبولها مرورا بافغانستان ما بعد 11 سبتمبر ظل الجرح العربي واحدا ولم يتغير طعم الهزيمة. بهذا الشكل و منذ ستة عشرة سنة مضت اختار ” كريم السمعلي ” صاحب فكرة موقع” الملتقى ” أن يعرفه ليكون عملا توثيقيا تجميعيا مقاوما خارج الأطر الرسمية و لئن كان مداره الرئيسي يحوم حول شخصية الفنان المصري الكبير ” الشيخ امام عيسى ” و رفيقه ” أحمد فؤاد نجم ” فإن أجنحته انفتحت تدريجيا في اتجاه الموسيقى الملتزمة في مصر و تونس و فلسطين و سوريا و غيرها من البلدان التي عرفت ظهور الفرق و الفنانين الملتزمين ليتواصل هذا التوسع نحو الشعر وواحته بتجميع عدد هائل من النصوص المسموعة بأصوات أصحابها لتتكون بذلك واحدة من أهم المكتبات الصوتية الخاصة بالموسيقى الملتزمة و بالشعر الملتزم في المنطقة العربية. 

رغم انفلات قيد الرقابة على الفن الملتزم عموما بظهور وسائل التواصل الاجتماعي و منصات نشر و تقاسم الفيديو و رغم احتفاله بذكرى اطلاقه السادسة عشرة ( يوم 26 جانفي ) مازال موقع ” الملتقى ” صامدا و مرواحا مكانه كمرجع ووثيقة تاريخية هامة تتعلق بتفاصيل وجوده في ذلك التاريخ ( سنة 2003 ) كمثال مقاوم لسلطة المنع و كوثيقة هامة و مرجعية لما يحويه من مكتبة صوتية هامة و نادرة الوجود يمكن العودة اليها من بابي البحث أو الحنين. 

رابط الموقعhttp://www.moultaka.info

 

خليل قطاطة