💙 لا أخفيكم سرّا، فأنا لم أتحمّس لقراءة رواية “نازلة دار الاكابر” عند صدورها. قد يتساءل بعضكم: أيّ شيطان أحمق جعلني أكشف ما أوحت به إليّ نفسي “الأمّارة بالسوء”؟ لكن ليكن…
💚 بل سأزيد فوق هذا أنّي بكيت وقُبض على قلبي وقلت في نفسي: “مشروعي طاح في الماء” ، فقد كانت أمنيتي الوحيدة في الكتابة أن أكتب رواية عن تاريخ الطاهر الحدّاد النقابيّ والسياسيّ والفكريّ… وأزوّجه نفسي.
♥️حالة “الصبوتاج” لم تدم طويلا، رغم أنّي لقيت من إخوان الصفا تشجيعا لي وتحفيزا على قراءتها، لكنّي لم أتحمّل فكرة أن يشاركني أحدهم أو إحداهنّ عشق حبيبي الذي كان ضدّ تعدّد الزوجات.
أضافتني صديقة لي إلى مجموعة نسائيّة للقراءة “حوّاء والكلمات”… 💜 نعم يا سادة، تجتمع النساء في بلدي كي يناقشن كتابا ويستضفن كتّابا وتعرّفت إلى أميرة غنيم من خلال تعليقاتها وعلاقتها بالقرّاء، كانت تجيب عن كلّ التساؤلات ولا تكتفي بالـ”جادور” أو الـ”جام” للتعليقات، تبسط يدها للحديث معهنّ وتتواضع في نقاشاتها وتشاركهنّ التفاصيل والحكايا.
راقبت عن بعد طريقة تعامل المرأة.
🧡 نعم أنا من طينة القرّاء الذين لا يقرؤن إلّا لكاتب متواضع لا يجعل بينه وبين قرّائه جدارا أو يتشدّق بمعارفه وعلمه حتّى يناطح رأسه السحاب ولا يكون للقرّاء من ذلك إلا ما يكشف هو من تورّم الذات وتعاليها على الآخر.
وفتحت الكتاب…
💛 لا أدري لماذا قفز اسمان إلى ذهني عند قراءة هذه الرواية: “أحمد فال ولد الدين” و”شكري المبخوت”!! لعلّ ذلك عائد إلى تلك العربيّة المنمّقة المطرّزة المتناسقة التي كتبت بها أميرة غنيم مع اعتماد معجم مصطلحات العشرينيّات من القرن الماضي ككلمة “اعتصاب” وهي تعني “اعتصام” و”شهادة التطويع” التي تعادلها شهادة الباكلوريا، إلخ…، أو إلى الأفكار التي وجدتها في كتاب المبخوت “تاريخ التكفير في تونس”.
💖 هي حكاية من التاريخ المعاصر الذي غُيّب وأُسقط من كتب المناهج الدراسية، ذلك التاريخ المجهريّ أو الميكروستوري كما سمّاه الدكتور عبد الواحد المكني، حكاية الأصل والفصل والصراع الطبقيّ بين علية القوم فيما بينهم، “البلديّة” أحفاد الترك وجماعة النظارة وعلماء المسلمين في جامع الزيتونة من جهة، والدهماء وأبناء القرى والمناطق الداخليّة البعيدة عن الحاضرة الذين وفدوا إليها بحثا عن القوت أو العلم والمعرفة من جهة أخرى، وهؤلاء مهما بلغوا من العلم لن يُسوّى بينهم وبين “ديار الأكابر”.
وجدت أبوابا تتصدّرها أحاديث كأحاديث أبي هريرة وهو يحدّثنا عن تجاربه الوجوديّة ولا أعلم إن كانت الكاتبة جعلته عمدا أو أنّي سأسقطه إسقاطا على مقاصد روايتها وأقول “لعلّ الكاتبة أرادت بأحاديث شخصياتها أن تقول في الأخير : رحم الله الطاهر الحداد لقد كان أعظم من الحياة”، ثمّ إنّي لا أجزم أنّ اختيار الألقاب كان اعتباطيّا: “عائلة النيفر” ، “زوج زبيدة”.
🔴قضى الشيخ عثمان بن المكي وهو آفاقي عشر سنوات في رتبة متطوّع وستّ عشرة سنة مدرّسا من الطبقة الثانية، وعندما سئل متى يتوقّع أن يصبح مدرّسا من الطبقة الأولى، أجاب: “بعد آخر قطّ من أسرة النيفر”.
🔵 أما عائلة الجلولي فهي التي تنتسب إليها أم “زبيدة” أخت الوزير الأكبر الطيب الجلولي الذي ناصر الحداد ورفاقه وأنصفهم إثر خصومتهم ضدّ “حميدة بيرم” شيخ الإسلام سنة 1919 لا حبّا فيهم ، بل كرها ونكاية بالشيخ الذي كان ينافسه على “الكراسي المخزنيّة”.
وجدت خريطة لعائلة “بوينديا” لغارسيا ماركيز ، في جبّة تونسيّة من الجدّ الأكبر إلى الحفيدة الصغرى، أجيال تتوارث البيوت وأسرارها وما تحتوي رفوفها من صور ورسائل وعقود ومفاجآت.
💖 وعلى عكس ما رُوّج له من كون الكتاب يتحدّث عن سيرة الطاهر الحداد ، فإنّ الحداد كان في الرواية كالشمس تدور حوله الحكايات مرّة كل سنة بينما تدور الحكايات حول نفسها فتتشابك ويكمّل بعضها بعضا لتشكّل فضاء للحبّ والكره والصراعات والدسائس والأفراح.
 بعد صدور كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، شحذت الجهات التالية مضارب سيوفها (الزيتونة ونظارتها ومشايخها والحزب الحر الدستوريّ القديم بتعاضده مع الاستعمار والرجعية والأقلام المأجورة في الصحافة) وتمّ تكفير الحداد وإخراجه من الملّة، لكن لم يخف على أصحاب العمائم أن يضيفوا بندا هو “أن يحرموه من حقّه الطبيعي والمشروع في الزواج “، تلك العقلية المريضة التي تعتقد أنّ نقطة ضعف الرجل توجد بين رجلين وليس بين كتفين.
 من هنا تنتصر أميرة غنيم له، فلا يعقل أنّ رجلا بذلك الفكر المتحرّر والقصائد الجميلة عن حبيبة لم يذق الحبّ ولم تكن له خليلة ولكن كعادته لم يطلب المستطاع بل أحب امرأة ابنة “دار أكابر”، كما رسمتها الكاتبة، لا يهمهّم ما حصّله العقل بقدر ما يهمّهم ما حصله النسب.
😍 تحدثت وكأنها المسعدي في حدّث أبو هريرة قال يسرد لنا “حديث الوضع ، حديث الشوق والوحدة ، حديث الحقّ والباطل ..” وغيرها من الأحاديث وكأنها تصدع في النهاية بمثل ما صدعت به إحدى شخصيات المسعدي: “رحم الله الطاهر الحداد ، لقد كان أعظم من الحياة”.
😍 تكشف لنا الرواية ما يجري خلف الأبواب المغلقة من طبقيّة حتّى بين الخدم أنفسهم واختلاف “البلدية” من المقربين للمشيخة و”البلدية” المقربين للحكم وحضرة الدرجة العليّة في معاملتهم مع ذويهم وأهل بيوتهم لكنهم يجتمعون في ازدراء التونسيين الوافدين من خارج “الحاضرة” للعلم أو العمل. من المضحكات المبكيات أن يترفّع أحفاد الترك عمّن عجنوا بأديم هذا الوطن وأخرجوا من أرحامه حتى رمتهم ريح الخصاصة أو طلب العلم بين براثن “الناس الأكابر”.
🏵️ هي فرصة أن نكتشف ذلك المثل التونسي “يا مزيّن من برّا اشحالك من داخل” و”يا نهار الموت يا نهار الكشفة” وغيرها من الأمثال التي تكشف أنّ ما ظهر يخفي ما بطن.
🌺 إنّها رواية من أروع الروايات التي قرأت، رواية تجعلك تفكر في ذاتك وفي أنّ ما تقاسيه ليس إلا قطرة من محيطات ما يقاسيه الآخرون ، أن لا فرق بين البشر إلا بالأثر الذي يُترك من بعدهم، رواية عن المسكوت عنه في العائلات التي تدّعي الشرف ولا تتراجع في القيام بجريمة قتل دون إراقة دماء صيانة لهذا الشرف، وأن تبني قلاعا من الأوهام والاتهامات بلا دليل يذكر وأن تكون ضد الحياة والحبّ لأنّ الآخر من طبقة أقلّ، حكايات تجعلك تدور كحبّات قمح إلى قلب الرحى ولا تطحن كي تعيدك أنامل أخرى إلى غرابيل تتدحرج بينها من ثقوب حكايات تتّسع كي تضيق بعدها… حكاية “نازلة دار الأكابر”
__إستبرق العايدي 😘