رواية “قبو الحفصية” لمحمد امين بن هلال: اذا نفثت الذاكرة شياطينها فأول ضحاياها أبناء الهامش
Uncategorized

رواية “قبو الحفصية” لمحمد امين بن هلال: اذا نفثت الذاكرة شياطينها فأول ضحاياها أبناء الهامش

“ما اقوى ذاكرة الانسان عندما يقرر الانتقام” مقولة للروائي إبراهيم [...]

12 July 2026
0 دقائق

“ما اقوى ذاكرة الانسان عندما يقرر الانتقام” مقولة للروائي إبراهيم الكوني سنستعيرها لنص سردي روائي اعتمد كثيرا على مطبّات الذاكرة ووضعها على محكّ السؤال، من الذاكرة ستتدفق الحكايات والخيال لصناعة عالم روائي رائحته موت وملمسه لزج كما الدماء التي تعيش معها الشخصيات، فبين الألم والامل باب صغير يدخل منه محمد امين بن هلال ويحاول اكتشاف رحى الظلمة والوجيعة ويحوّلها الى متن روائي.

“قبو الحفصية” عنوان الرواية للصحفي محمد امين بن هلال، صدرت عن دار سيراس وجاءت في 144 صفحة وقسمها صاحبها الى تسعة فصول قصيرة، تجربة تنقد الذاكرة الخاملة وتستنطق التاريخ والواقع.

صوت الهامش يصمّ اذان السلطة:

اختار الهامش والمهمشين مساحة للأبداع، قلم جريء وأسلوب يعرّي كل أنواع القبح ويكشفها امام القارئ، في الرواية للمكان أكثر من وظيفة فهو القادح الأول للأحداث وكذلك فضاء الحركة اين ستبوح الشخصيات بوجعها.

اختار محمد امين بن هلال شخصياته بدقة جعل قلبه ينصت لمهن هم تحت، الى كل المظلومين، الى الذين سرقت احلامهم من المنظومات الحاكمة السياسية والاجتماعية والمالية، الى من اجبروا على الموت وتناسوا معنى الفرح الى من ضحّوا بسعادتهم ونجاحهم ليضمنوا فقط بقاءهم على قيد الحياة يكتب امين بن هلال.

 إليهم يهدي أولى نصوصه الروائية “قبو الحفصية” ويجبر القارئ ليقف امام مرآته ويسأل: اذا وضعت مكان سعيد؟ هل انتقم كما فعل؟ ام اكتفي بالكتابة او اتوّجه الى السلطة والقانون؟ حتما سيعيش القارئ هذه الصراعات بين الضمير والعقل، سيتألم لحكاية عبير، ربما سيجري الى مرآته ويتأمل ملامحه هل هناك دود يأكل الوجه ام مجرد تماهي مع الحكاية، قد يفزع لسماع صوت غريب ويعتقد انه صوت تكسير أصابعه ومعها روحه، فالكلمات تشبه الفيلم، تكثيف في المعنى لدرجة الإحساس أنك جزء من الرواية وقد تشعر بثقل الألم ورائحة الدم وتحاول انهاء الرواية سريعا ولكن “الأدرينالين” سيرتفع وستعيد قراءتها لتتمعن في بعض التفاصيل التي اغمضت عنها عينيك في القراءة الأولى بسبب الرهبة.

أبناء الطبقة المهمّشة هم صناع التاريخ الحقيقيين، هم اللذين قدموا الجسد قبل الروح لأجل كتابة مستقبل ربما يكون أفضل، أبناء الاحياء الشعبية، الناس البسطاء، الباعة الجوالين، رواد الحانات الرخيصة ووسائل النقل، هؤلاء الذين يحملون على الجسد ملامح الوجع ويخبئون في الذاكرة حكايات من سبقوا هم الذين سينفثون النار المقدسة في نص امين بن هلال ويخرجوا من دائرة الصمت الى التأثير ويختارون الحكي والتغيير عوض الخنوع.

“قبو الحفصية” هو عنوان المتن الروائي، العنوان جملة تقريرية تحيل مباشرة الى فضاء الحكي، فما الذي سيحصل في القبو؟ ولماذا أختير القبو وليس فضاء اخر للسرد؟ أسئلة يتورط فيها القارئ بمجرد فتح الصفحة الأولى لأن الجسد آخر ما يبقى وأول ما يؤخذ كما كتب امين بن هلال.

الرواية والخيال بوابة لنقد التاريخ والواقع

“الألم” سيد القصة، الألم في الرواية يصبح شخصية، هو انعكاس للشخصيات الهشة والأمكنة المهترئة وللذاكرة الجماعية المشروخة، من خلال استنطاقه للألم يحاول امين بن هلال استنطاق التاريخ المعاصر لتونس، ينصت جيدا للألم ويشاكسه كثيرا ويترك له المساحة ليخرج من خبايا الذاكرة ويتشكّل أمام القارئ ماردا لا يخاف سلطة معنوية ولا مادية، فالألم في الرواية ستعيشه كل الشخصيات بداية من الشخصية الرئيسية “سعيد” وصولا الى : نونو” و”قمر” و”الشيخ الأكبر” فالأشباح مثل “غالب” و”عبير” و”ايمن” جميعها ترقص في مدار الألم الذي سينفجر فجأة كما الشلالات ويبوح كل بقصته يجمّعها القارئ ومعها يفهم جزءا من سردية الديكتاتورية والظلم في تونس.

تحضر الجغرافيا ليس كفضاء مكاني بل مساحة للقصص وتقاطع التاريخ الرسمي مع الشفوي، الحكايات متخيلة ولكنها تتشابك كثيرا مع الواقع، “سعيد” البطل الرئيسي ومحرّك الاحداث يسكن في غرفة مهترئة في حي سيدي البشير، يتجول في الحفصية وفي قبوها ستتدفق بقية الحكايات، الجغرافيا في النص الروائي امتداد لألم مشترك، وبقلمه الجريء وضع بن هلال “الزوم” على الأرياف المهمشة والمناطق البعيدة “خارج العاصمة تنسى كأنك لم تكن، لا يحد يهتمّ بتلك الجهات الا وقت الانتخابات” كما جاء على لسان سيزيف الجريد في الرواية.

الهامش سيتحوّل الى مركز للحكي والنقد منه تستلهم الشخصيات القوة لتبوح ما اخفته الذاكرة لعقود، فالمكان والجدران ستتشرب حكايات من مروا بها منذ عهد البايات والحملات الكثيرة بسبب المجبى وصولا الى اليوم “مرّ بأحياء هامشية، بيوت منخفضة، حدودها مرسومة ببعض قوالب من الاجر، عائلات تكتظ في مساحات لا تتسع لها، واناس قدموا من الأرياف ولم يجدوا ما وعدوا به، لا يعرفون من الدولة الا العمدة والحرس ولا يسمعون منها الا سوف” هؤلاء جميعهم ضحايا سياسة الدولة او المنظومة التي فكرت منذ القديم في أصحاب القصر وتناست الرعية.

الكتابة مسؤولية والكلمة التزام، وصاحب المتن الروائي صحفي يعرف جيدا قيمة الكلمة ومدى تأثيرها، اختار امين هلال الرواية لتكون بوابته لطرح الأسئلة عن السلطة والحقوق والحريات ولعبة المال والاهم قضايا تهمّ الجميع وأبرزها المناخ والماء، واختار افتتاح متنه الروائي بهذه القضية الحارقة لترسخ أكثر في ذهن المتلقي.

اختار بن هلال شخصية الأستاذ “غالب” ليتحدث عن شحّ المياه ومعاناة التونسيين “شد انتباهي امر أربعة فلاحين من منطقة البحيرين بمعتمدية برقو، احتجوا على رخصة تنقيب تحصّل عليها مستثمر لإنشاء وحدة لتعليب المياه” هكذا تتحدث الشخصية بلسان صحفي يطرح موضوعا حساسا وهو عطش الأهالي قبالة مزاريب من المال للمستثمرين، وما تعانيه برقو يعانيه أيضا سكان الشمال الغربي، فسياسة العطش أصبحت عامة يعيش على وقعها التونسيين وتزداد مع حرارة الشمس، “غالب” المدافع عن الحق في الماء تكرمه المنظومة فتخطفه وتعذبه وتقتله تدريجيا.

النص مربك، جرأة في الكتابة واستطراد في وصف المشاهد وبورتريهات الشخصيات المشوّهة بالدم والفقد والالم، وكأنها لوحات الفنان الكولومبي “فرناندو بوتيرو”، جميعهم ينتظرون الفرصة للحكي وكأن هذه العملية البسيطة ستمنحهم السكينة التي حرموا منها كثيرا، وظّف الكاتب في نصه تقنيات السينما ووضع القارئ في كرسي مريح ليشاهد فيلما مرعبا وموجعا في الوقت ذاته.

لا شيء في النص يطمئن، جميعهم مشدودين الى الوجع، كل حكاية اشد الما من الأخرى، تكاد الكلمات تهرب من الورق وتتحول الى دود يسري على الجسد ينهشه وانت تكتم صرخة الرعب والخوف، فالنص يضع الانسان على محكّ السؤال عن الفرق بين الحياة والموت او البياض والسواد “أحيانا يصل الانسان الى مرحلة تستوي فيها الحياة والموت، لا شيء مهم ولا شيء مخيف”.

“قبو الحفصية” صرخة ضدّ الصمت، تجربة سردية تناقش التاريخ وتشكك في مصداقية البشر، عمل روائي بتقنيات سينمائية توغل في السريالية لتجعل من الألم سردية أخرى لطرح السؤال عن هامش ومهمشي هذا البلد؟.

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.