ثوروا لأجل اوطانكم، اصنعوا امجاد جديدة وكلّما هدّم حلم اسرعوا الى تشييد آخر، جميعنا متهمين بخراب اوطاننا والكل مشارك في مأساة الانسان في بلاده، على الخشبة ترتفع الصرخات لأجل ملامح وطنّ تشوّه بسبب انهزامية أبنائه، هذا الوطن المهدّم والمنتهك والمسروق منه أحلام أبنائه سينتفض المثقفين يوما لإعادة الحياة اليه، فرغم السوداوية ينبعث شعاع الامل، هكذا تصرخ “كاميلا” على الخشبة ان انهضوا من جديد كونوا كما سيزيف ابنوا اوطانكم وانثروا الحب رغم الخراب، صرخة قدمت في مسرحية “سيرك” اخراج جواد الاسدي المشارك في العروض الموازية لايام قرطاج المسرحية.
“سيرك” نص واخراج جواد الاسدي تمثيل شذى سالم وعلاء قحطان واحمد الشرجي وتصميم الاضاءة عباس القاسم ومساعدي اضاءة محمد طاهر وعقيل جبار والمصطفى شاكر ومؤثرات موسيقية رياض كاظم وديكور محمد النقاش وتصميم ازياء زياد العذاري ومساعد انتاج محمد خليل، العمل انتاج الفرقة الوطنية للتمثيل.
الممثل واسطة إبداعية بين المخرج والجمهور
المثقف المسؤول الأبرز عن هزيمة الأوطان وخرابها، على الخشبة يضع جواد الاسدي ثلاث شخصيات لنماذج من مثقفين، لكل منهم دوره في تدمير “السيرك” الواجهة الثقافية للحكاية، هم ثلاثة: روائي حالم بإتمام الفصل الاخير من رواية مؤجلة منذ زمن، وصاحب سيرك يحلم بالثراء فيرتمي في حضن النظام العسكري ويفشل في الخروج من دائرة الخراب والموت وامرأة، مصممة المشاهد المسرحية واللوحات في السيرك هي النبض الحقيقي للحدث وحمّالة معاناة النساء في “سيرك” الاسدي.
تتصارع الشخصيات جسديا وفكريا، يضع الاسدي ممثليه في محنة الوجع، يتركهم لعراء الفكرة وينزع عنهم كل ملابس الزيف ليكونوا امام مرآة الحقيقة مبدعين وصادقين، فجواد الاسدي عرف عنه شدة انتباهه للتفاصيل في أداء الممثل وحركته وصوته وكل ما يتعلق بالشخصية المسرحية المقدمة، الشخصيات يجمعها الوطن والحب والسيرك وتفرقهما طريقة النظر الى الأشياء وكيفية التفكير.
في “سيرك” الوطن المصغر تبنى الاحلام، تصنع آمال مختلفة، تولد بذرة السعادة التي يمنحها صناع الفرجة الى جمهورهم، بطل الحكاية شخصية رابعة وخفية، “كلب” يبدع في تقديم المشاهد الراقصة في فضاء السيرك، هذا الكلب نصير نجاحات أصحابه، تحبّه صاحبته “كاميلا” لاّنه سبب النجاحات عبر الأعوام، ولكن وفاء الكلب يزعج رجل الامن، “وفاء” مقابل “خسّة وانتهازية” ومنه تولد شرارة الألم التي ستحرق السيرك ومعها الجثث وقبلها الاحلام، وكأننا بكاتب النص فقد الثقة في نزاهة الانسان ووفائه وزرع هذه القيم في الحيوان.
“سيرك” جواد الاسدي المسرحي لا يختلف عن الواقع، ففي عراقه وفي كل الدول الديكتاتورية يوجد الصراع بين الثقافة والخراب، ربما لم تحرق الأماكن الثقافية ماديا ولكنها تحترق معنويا فتغلقها السلطة او ترهب جمهورها وربما تخطف المسؤولين عنها وتجبرهم على ترك مساحة الحياة تلك بأساليبهم العسكرية المقيتة، سيرك مسرحية بنيت على الترميز، سيطر عليها اللون الأسود في الديكور مع رمادي يحضر اغلب المشاهد للإشارة الى قتامة الواقع رغم محاولات المثقفين لتلوينه وبعث ملامح الفرح فيه.
المثقف هو المسؤول الأول عن الخراب، خاصة الباحث عن السلطة والثراء، يتهم الاسدي المثقفين انهم سبب الهزيمة من خلال شخصياته الانهزامية تحديدا الشخصيات الرجالية، فاللقاء بين “ريموند” صاحب السيرك وصديقه القديم المتجدد “لبيد” الروائي الذي يكمل فصل روايته منذ عقود يكشف مدى مساهمة المبدع لترك المساحة للمخربين، فصاحب السيرك “ريموند” شخصية منبطحة، عاشقة للمال والقمار، يحلم بكسب الرضا السلطة، انهزامية موجعة امام قوة السلاح والمادة، شخصية تركيبتها ركيكة لبسها جيدا علاء قحطان لدرجة ان المتلقي يكرهه اثناء تقديمه للشخصية، هذا “المثقف” الانهزامي يسمح للضابط بالتحرش بزوجته و”اغتصابها” ويقتل بنفسه الكلب “ديفن” سبب نجاحاته فقط لانّ الضابط انزعج من نباحه؟ ولا تكتفي جرائمه فيقتل صديقه “لبيد” حين علم انّه يريد ان يعيد للمدينة البعض من جمالها، شخصية دموية ومتوحشة لعبها علاء قحطان وتميز أدائه بالقسوة والتلقائية.
الكاتب بدوره متهم في خراب المدينة، فهو التزم الصمت تجاه جرائم السلطة تجاه مسرح “السيرك”، يده المعطوبة ليست دليل براءة بل وسيلة اتهام، كان يمكنه الكتابة والصراخ عاليا باسم الجمال في مدينة يسيطر عليها السواد لكنه خيّر الحديث عن شجنه واكتفى بجلوسه اليومي في حديقة يستحضر فيها امجاد نصوص لم تكتب بعد.
روح الممثل كما النار المقدسة في الميثيولوجيا القديمة اذا اقتربت منها احرقتك واذا ابتعدت عنها شعرت ببرد في الروح، الممثل كما الاسفنجة يمتص حكايات الشخصية وعذاباتها وافكارها ويعيد انتاجها الى المتلقي بأسلوبه الفريد، وفي “سيرك” البس الاسدي شخصياته بالكثير من التناقضات في نفس المشهد تتارجح الشخصية بين الحب والكره، في نفس اللحظة نجحدها حقيقية ومزيفة، هذه القدرة الرهيبة على الانتقال ابدع في تقديمها شذى سالم وعلاء قحطان واحمد الشرجي فكان أدائهم سيزيفيا كلما شعر المتفرّج انهم وصلوا الى الذروة عادوا الى المعركة من جديد، ليكون جسد الممثل في العمل حمّال شيفرات ووسيلة لإنجاح الحكاية.
بالحبّ والرغبة في التغيير تبنى الأوطان
سيرك” هو اسم العمل، فضاء غير معرّف ليترك المخرج لجمهوره حرية تخيل المكان وإسقاطه على كل المدن الخربة، اعتمد الاسدي كثيرا على الترميز في عمله الجديد لينقد حال الثقافة اذ “اطفات المسارح مصابيحها والممثلين تفحموا وصاروا اشباحا، انظر الى حدبة هاملت مرمية هناك والزجاج يحترق على الطريق” فحين تحترق المسارح يعني احتراق الفكرة، موت تدريجي للحرية وسقوط للوعي وانتصار الوهم والموت، فالمسرح الذي كان يشع بالجمهور “تحول الى مكب للنفايات وحضيرة للحيوانات” فقتل المثقف هنا هو السبيل الافضل للأنظمة للسيطرة على عقل الإنسانية وكم من منظومة عسكرية قمعت المثقفين او اشترت صمتهم لتضاعف من سلطتها وقوتها.
المسرح لدى جواد الاسدي رهان انساني وفعل نضالي، يقدم المسرح لأجل أفكار مختلفة رغم قسوتها فهي تدافع عن الانسان، مسرحه شاهد على التاريخ وجزء من الذاكرة التاريخية العراقية والعربية، في “سيرك” اعتمدوا الترميز فالديكور كان عبارة عن جدران سوداء فقك وبقية الركح خاوية تماما كفراغ المدينة من مبدعيها، الابطال ثلاثة هم صناع الحكاية ولكن في لحظات الرعب او مواقف الشر يتكاثر عددهم ويخرج من الخلف مجموعة من الأجساد البشرية بلباس اسود وماكياج يغطي ملامح الوجه، فهم رموز العنف او الخوف، هم الشر الساكن في داخل النفس البشرية يخرج الى الخارج بتلك الهيئة المشوّهة.
اعتمد المخرج على اضاءة خافتة اغلب المشاهد يلعب الممثلين تحت ضوء خفيف فقبح الشخصيات مؤلم وجب اخفاءه، تلك العتمة المسيطرة على المسرحية تشير الى غياب المعنى والجمال في مدن تسيطر عليها الحرب لا الحب.
الموسيقى بدورها نحتت ملامح العمل المسرحي وكانت الشاهد على التغيرات النفسية للشخصيات، الموسيقى رافقت لحظات الدم والموت ونقلتها الى متلقي المسرحية، فصنعوا سيمفونية موجعة تربك المتفرج وتجبره للسؤال عن دوره في بلده ووطنه المصغّر.
رغم العتمة المسيطرة على المسرحية، يوجد امل طفيف، قدم من خلال شخصية “كاميلا” فالحب روح مقدسة لديها الحب سبيل لإعمار المدن وزرعها بقيم الجمال، في “سيرك” ابدعت الممثلة شذى سالم سيدة الخشبة، الشخصية المختلفة عن البقية، صانعة المشاهد في مسرح “السيرك” المتخيل، عاشقة للشعر ولقصائد محمود درويش، زوجة “ريموند” ولكنها لا تشبه طباعه فهي حرّة، ثائرة، محبة للسيرك وللوحاتها الجميلة وعاشقة لكلبها شريكها في النجاح، الشخصية النسائية الأكثر حكمة في العمل، فالمدن تبنى بقوة النساء وصدقهنّ، الأوطان تشيّد بتضحيات النساء ورغبتهنّ في اشعال نار الجمال الخالدة، هذا الحب الذي تبثه الشخصية أينما ولّت سيدفع بالكاتب لبيد الى مراجعة ذاته واتخاذ قرار العودة الى الكتابة علّها تكون صوتا للحقيقة.
“سيرك” مسرحية تقوم على الترميز، عمل يخاطب الفكر ويدفع الى السؤال، اتهام مباشر للمثقف بالمساهمة في خراب وطنه، صرخة ضدّ الصمت والخنوع، تجربة أخرى لمخرج مسرحي عرف بالجديد في الفعل المسرحي العراقي والعربي، فنان زاده أفكاره الرافضة للموجود وبحثه الدؤوب عن نصوص واعمال لها القدرة للتعبير عن وجع مثقف محمّل بقضايا وطنه وانسانيته، جواد الاسدي المخرج الذي لا يكبر وكلما قدم عملا تعامل معه بمسؤولية وكأنه عمله الأول، مثقف يعمل بمقولة ستانيسلافسكي “ما لم يستطع المسرح أن يعظمك، ويجعلك شخصاً أفضل، فعليك الهروب منه”.
أبدع في الإخراج وحين عجز عن إيجاد نصّ عالمي يشبه مأساة الانسان هرب الى الكتابة لتكون سلاحه ” لأني أردتُ فعليّاً أن أكون شاهداً، أن أكون في داخل يوم القيامة الكبير الذي وقع على العراقيين عبر تاريخ قديم، كأنّما هناك لعنة وقعت على العراقيين لكي يدفعوا دماً وحزناً، لتظل بيوتهم مسكونةً بالمرارة. كل ذلك دفعني إلى التساؤل والبحث عن الكاتب الذي يستطيع أن يمسّ هذا العدم والظلام والريبة، لذلك أحسستُ أني أمام واجب تاريخي، وشهيّة تاريخية للتصدي لوضع هذا الشارع” كما صرح الاسدي في حوار مع الدكتور صميم حسب الله (جريدة العرب اللندية 2018).
مسرحية “سيرك” تجربة أخرى للرفض ومحاولة فنية جادة للتعبير عن قدرة المثقف على التغيير، فالمثقف عين الحقيقة والصادح بها مهما اشتد جبروت الظلم السياسي او الحربي.
مفيدة خليل