” رفعت الجلسة ” لحميدة الشايب: قريبا من ” جبار ” بعيدا عن ظله
عن الفن و أهله

” رفعت الجلسة ” لحميدة الشايب: قريبا من ” جبار ” بعيدا عن ظله

في السينما.. وداخل ” أرض الخوف ” تحديداً لكاتبه ومخرجه [...]

30 April 2026
1 دقائق

في السينما.. وداخل ” أرض الخوف ” تحديداً لكاتبه ومخرجه “داوود عبد السيد” أكثر من مشهد “مفتاح” بل إن هذا العمل وبشكل مخصوص يراهن وبشدة على أن لا يبنى العمل الفني على الاسم الأوحد و على أن لا يتحول بقية ” الكاست” الى مجرد حيطان ميتة دورها الرئيسي و ربما الوحيد هو إعادة الكرة التي يرميها ” نجم الشباك ” فترتد اليه بسلاسة.. هذا العمل الملغز يمكن أن يشاهد من نهايته وصولا الى بدايته دون اشكال تماما مثلما يمكن أن يشاهد على شكل مشاهد مقطعة.. مشاهد بشخوص و ” سكريبتات ” يمكنها وبمنتهى البساطة أن تتطور الى أعمال منفصلة متمردة على العمل ” الأم ” غير ملتزمة تماما بمفهوم الانضباط.

إن ظهور “عبد الرحمن أبو زهرة” في دور موظف مكتب البريد مثلاً لم يتخط وبالكاد بضع ثوان لكنه و علاوة على كونه مشهدا فارقا و محددا داخل ” الفيلم ” بتحويل اغتراب ” يحي المنقباني ” الذي جسد دوره أحمد زكي من شبهة الى حقيقة صادحة فإن هذا المرور قد صار أيقونياً ومرجعياً في تاريخ السينما العربية و الغريب أن ” أبو زهرة ” أعاد نفس الفعل في سرقة الأضواء تماما من نجم العمل الأول حينما ظهر في ” لن أعيش في جلباب أبي ” رفقة نور الشريف في دور ” المعلم إبراهيم سردينة ” هذا طبعا دون  اغفال الحديث عن “المعلم هدهد عبد الرحيم” والذي جسد شخصيته الراحل “حمدي غيث” والذي ظهر لبضع دقائق متفرقة في العمل ولكنها كانت كافية لتقديم ” ماستر كلاس ” في الكاريزما الصوتية و في الحضور الركحي اللافت.

ما السينما الا الحياة..  

يحدث أن يطلب منك رئيس تحريرك في العمل أن تحرص مستقبلا على أن تكون منطقيا أكثر في كتاباتك وأن تبحث بجد أكبر عن روابط منطقية لأفكارك في الكتابة وداخل مقالاتك ولكن ذلك قد يكون منطقيا لولا ذلك الكم من الشتائم التي كان يكيلها نفس رئيسك هذا منذ قليل لهذا العالم الذي يسير كيفما اتفق ودونما منطق. بذات المنطق أو اللا-منطق يحدث أيضا أن تجد نفسك ولو لمرة أمام فكرة الكتابة بشكل مرتب عن آلهة الفوضى.

ان استحضار روح سينما ” داوود عبد السيد ” هنا لم يكن الا حيلة فقهية لإيجاد مداخل تضمن الموضوعية ربما ولكنها حتما لا توفر الحياد.

حين انتشر – ولو على نطاق ضيق – خبر قرب صدور الكتاب الأول للأستاذة ” حميدة الشايب ” كانت الصورة ملتبسة الى حد ما فلا أحد من غير الذين اطلعوا على المخطوط في نسخه الأولى كان يعلم ان كان هذا الكتاب رواية أم أنه سيرة ذاتية متلبسة بضمير ” عشيرها ” عبد الجبار العش أم أنه جنس آخر هجين يجمع الكل في واحد.

لم تكد سيارة الأجرة ” اللواج ” تأخذ طريقها قافلة بنا من معرض تونس للكتاب نحو ” الديار ” حتى كان ” رفعت الجلسة ” الصادر حديثا عن دار é أركاديا للنشر ”  زائرا غريبا مثيرا لاستغراب بقية الركاب ولا غرو في ذلك في ديار فيها وحين يريد رفاقك وصمك بنعت مشين ينعتونك بـ ” اليسار الثقافي.. ” .

عبد الجبار العش الرجلالطود  

في الالتباس دائما.. ان في كل واحد منا نحن الذين أسعفتنا الطبيعة بمحايثة حياة “عبد الجبار العش” عن قرب ” بوهيميا ” متفاوت الحجم والدرجات غير أني أعتقد أن السواد الأعظم فينا كان يرى أن ” جبار ” هو خلاصة الأمر في ذلك بل انه وبشكل منطقي يكاد يكون ” البوهيمي الأخير ” على هذه الرقعة وربما الى زمن طويل قادم.. لذا فإن صدور هذا الكتاب بعد سنتين تقريبا من نجاته من هذه الحياة يعد في حد ذاته حدثا جللا ولكن بأي طريقة؟؟

قليل من الانغماس في الكتاب شكلا ومضمونا قطعهما توقف سائق سيارة الأجرة لاستراحة القهوة

بالعودة الى السيارة بعد الاستراحة لم يصعد الركاب ذاتهم بل تغيرت الوجوه حيث صعد داوود عبد السيد وراء المقود وصعد عبد الجبار العش وأولاد أحمد وعروب الفالت وحميدة الشايب وعبد الرحمن أبو زهرة وحمدي غيث

يخاتلك الكتاب بكونه عملا روائيا بأبطال وأسماء لا وجود لهم في مخيلتنا داخل ذلك الحيز الذي كنا رسمناه مسبقا بشكل متحفز للدخول مجددا الى عالم ” عبد الجبار العش ” الحقيقي والمتخيل غير أن هذا التقدم الخطي داخل عالم متخيل يصطدم فجأة بوصول سردي دقيق الى تضمين مدروس للسيرة الذاتية الحقيقية لـ ” جبار “. الحقيقية ” أو جزء منها والتي كان قد خطها بنفسه وربما لم يستكملها أو قد يكون قد فعل …

فجأة دائما.. يتحول الكتاب بعد هذا التضمين الى عمل آخر مختلف تماما ليصير ” رواية تسجيلية ” مبنية بإحكام فوق هذه ” السيرة-الوثيقة “.

الى آخر خلية منه-فيه عاش ” عبد الجبار العش ” دور ” الرجل- الطود ” كاتبا بوهيميا حقيقيا غير ضليع في علوم الانضباط بأشكاله. تنغمس بما فيك في روايته أو قصيده وحين ترفع رأسك تراه أمامك جالسا متحدثا ثائرا رافضا مزعجا للسلط بذات النبرة و بنفس المنطق و بالاندفاع ذاته الذي في القصيد أو في الرواية. 

أي غابة كنت تخفي أيها الطود؟؟  

وسط حضور جمع غفير حينها وبحضور الكبير ” توفيق بكار ” في ذلك الزمن تم تقديم رواية ” محاكمة كلب ” ويومها أتذكر جيدا ذلك الكم من الحرقة التي بكى بها ” عبد الجبار العش ” حين وجه الشكر الى زوجته الواقفة طوال التقديم في آخر القاعة. بكاء ملغز ربما ولكن بعضا من الغازه تفتت أو أوشك بعد تصفح متن الكتاب كاملا..

في الحقيقة وبتنسيب دائم. كان ” عبد الجبار العش ” وبحضوره الطاغي يخفي وراءه صبر وجلد سيدة تحملت وكما تعرضت لذلك داخل الرواية كما من الضغوطات والاختبارات في مكابرة عجيبة في محاولة منها لاحتواء ” بوهيمية ” الرجل وسعيا منها الى عدم تقويض أسس تلك العلاقة التي لم ينجح حتى أفولها المدني والتعاقدي في كسرها لأن صوته المريض الشاحب كان كفيلا بأن يكون المنادي الذي نادى لعودة الابن الضال الى حضن الزوجة والأم في آن.

في ذات السياق أو غير بعيد عنه حتى نكون أدق. كان حضور “عبد الجبار العش ” يؤخر وصول قلم روائي حقيقي الى هذا العالم ويؤجل وصوله الى السطح الذي يليق به فما لمسناه في هذا الكتاب هو مؤشر صلب على ميلاد قادم لروائية بقلم مميز وخيال مريض.. فالتركيب الناجح في الكتاب بين الخيال وبين السيرة الذاتية الحقيقية فيه حبكة كاتب متمرس.. هادئ في ألفاظه وفي مصطلحاته لكنه هادر هدير ذلك البحر الذي فتحت فيه الشخصية الرئيسية جنبات مذكرات زوجها لأول مرة.

 مثلها مثل ” حمدي غيث ” في أرض الخوف ” أو “عبد الرحمن أبو زهرة ” أو ” أنتوني هوبيكينز ” في “صمت الحملان ” و في الكثير من الاعمال السينمائية الكبرى في كل العالم لم يكن ظهور ” حميدة الشايب ” في شريط حياة ” جبار ” ظهورا مكتفيا بدور الكومبارس أو الدور الثانوي الذي يملأ الفراغات بل على العكس من ذلك تماما لقد كان مشهدا ” مفتاحا ” بلقطة واحدة و عليه ارتكزت تجربة ” عبد الجبار ” الذي نعرف الحياتية و الروائية و الإنسانية.

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.