المحيط الإنكليزي

المحيط الإنكليزي

الهوية : ذلك السؤال الذي لازلنا نبحث له عن اجابة في اعماقنا
**************
عن فريد ومحيطه الإنكليزي

يرمي فريد رمضان فصول روايته “المحيط الإنكليزي” ولواحقها المعنونة بـ “سيرة الكلمات”، كمن يرمي بقطع (ليغو) مبعثرة، من ثم يقول: “تعال نلعب معاً”. وبالفعل أنت لا تقرأ مع فريد بل تلعب معه فصلاً إثر فصل، سيرة إثر سيرة، إلى أن يتشكل أمامك المحيط الإنكليزي. قد تنتابك الحيرة في موضع قطعة ما، لكنك مع مرور الوقت ستكتشف موقعها السليم، وكأن رمضان يشير بسرده نحو مكانها ويهمس: هنا.

هنا يتمرد فريد على نفسه، وتحديداً على آلية وتكنيك الكتابة السردية. يسحب البساط عن اللغة الشعرية والمفخمة، لتسقط نحو العمق ببساطتها وسلاستها. عميقة جداً للحد الذي تبدو وكأنها درس ولا أروع في كتابة الحوار -على سبيل المثال-، مكثّفة ومتفجرة:
- من يقود السفينة؟!
- لا أحد يا سيدي.
وقلتُ عن هذا الحوار الذي لا يتجاوز الست كلمات أنّه رواية كاملة بامتياز.

الاشتغال الحقيقي على حبكة بهذا الامتداد الجغرافي والعرقي والثقافي والتاريخي هو أحد ثورات فريد على فريد. وهنا مكمن شرارة المبدع الذي ينفض عنه كل تجاربه ويخوض تجربة مختلفة جداً، تجربة تنقله إلى محطة جديدة، كان نتاجها رواية لا تقل في حفرها وجودتها عن اشتغالات أمين معلوف ولا عن جيلبرت سينويه، وأتحمل مسؤولية هذا القول.

بمقابل هذا التمرد يغرس رمضان أصابعه عميقاً في سؤال الهوية. وهو سؤال ليس بالجديد عليه، بل يشكل أحد هواجسه المقلقة، المرافقة له في الكثير من أعماله على مستوى السرد والسينما. لكنه هذه المرة يأخذنا إلى غور السؤال أكثر، عندما تلتصق علامة الاستفهام في ظهر السود. ولا يكتفي بذلك، بل طوال ٤٢٨ صفحة يحاول فريد رسم ملامح التحولات الاجتماعية والسياسية في منطقة الخليج. وبذلك تكون “المحيط الإنكليزي” أشبه بخزانة للحكايات تحفظ المزايا المجتمعية والأنثروبولوجية لكل جغرافية بشريّة.

تحضر الأسطورة في فضاء ميتافيزيقي لذيذ جداً، كان فريد فيه قابضاً على عنانه بشكل محترف جداً، مكّنه من خلق توليفة قادرة على كبح انفلاتات المتخيلة، وفي نفس الوقت جعلها مرتبطة مع الواقع وإشتراطاته.
#رفيو_لحسين_عبد_الخليل

More info →