تخيل ان يصبح للحيوانات القدرة على الثأر من الانسان؟ اسمح لخيالك بالرحيل وعش للحظات كما نبي الله سليمان تسمع الحيوانات وتعرف وجعها وحكاياتها؟ تخيل ان تعيش افتراضية أن تُقيد يديك وترى ذئبا او نمرا او حتى دجاجة يسلخ جلد ابنك ويقطعه شرائح وانت لا تستطيع تغيير الامر؟ أي وجع هذا؟ وهل ستتحمّل الألم؟ من هذه الفرضيات بنت الروائية البولندية أولغا توكارتشوك نصها “جر محراثك على عظام الموتى” التي اقتبسها المخرج الاماراتي مهند كريم وحوّلها الى عمل مسرحي بنفس الاسم يشارك به في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية.
“جر محراثك فوق عظام الموتى” تمثيل التونسية حليمة عيساوي والفلسطيني محمد مشارقة والسوري عبد الله فاتل والإماراتي عبد الله الخديم ، وهي مسرحية تم إنتاجها بدعم من مؤسسة الشارقة للفنون..
توظيف التقنيات للسؤال عن قبح الانسان؟ وانتشار الشر.
صمت رهيب يطبق على المكان، صوت إيقاع انفاس الحضور وحدها تصنع الموسيقى، الصمت يتواصل الى دقائق، هدوء كلي جعل المتلقي يحاول التحكم في أنفاسه قبل ظهور جملة ” الصمت لم يكن عطلا تقنيا بل مقصودا، كم من الوقت تستطيع النظر الى الفراغ قبل ان تغادر للتدخين في الخارج”.
الصمت اشد اللغات صعوبة، امامها تفنى الكلمات تماما كما ستفنى البشرية بيد الحيوانات في المسرحية، منذ البداية ينبه المخرج ان “المسرحية تحتوي مشاهد حادة” يرسل اشاراته الى المتفرج وبعد ساعة من الزمن سيطرح السؤال: هل هناك اشد حدّة من القبح الذي نعيشه اليوم؟ هل هناك أكثر قبحا من دماء تسيل واجساد تنتهك واوطان تسرق امام صمت العالم؟
قسم المخرج الركح الى جزئين، يفصل بينهما ستارة شفافة، في الجزء الامامي للركح اللقاءات المباشرة بين الشخصيات لتمارس حياتها وتتحدث عن واقعها، ام الجزء الخلقي فمخصص للعمليات العسكرية واجتماع القادة، وبين الهنا والهناك تصنع الشخصيات صراعاتها وتتناحر، حول “ايهما اجدى قتل الحيوان ام قتل البشر؟”، هاذين الفضاءين المتنافرين والشفافين كناية عن عالمين لكل خصوصيته ولكنهما يشتركان في البشاعة، فالجزء الامامي من الخشبة تعرض فيه اكباد الموتى وتسيل دمائعهم، املا الجزء الاخر فخصص للقتل الأسرع دون دم، وفي كلتا المجالين الموت قائم.
اعتمد المخرج على تقنيات السينما والفيديو مع أداء الممثلين، تناص بين مكونات السينوغرافيا وجسد الممثل وحركته لتسليط الضوء على بشاعة البشر تجاه نفسه وتجاه بقية المخلوقات، هذا الصراع يعايشه المتلقي عبر حوارات تجمع “اسماعيل” وهو صياد قديم وقرر ان يصبح حامي الطبيعة والحيوانات و”ليلى” المغرمة بالفلك وبحركات الكواكب، لكل منهما نظرة مخالفة لفكرة القتل، هذا الحوار الضيق يتسع مداه ليصل القائد العسكري ومجموعته، فالمدن لا تخفي اسرارا مرتبطة بالدم والموت.
نبّه مخرج العمل لحدة المشاهد الموجودة خلال العرض، وبرزت أساسا في “الفيديوهات” التي أظهرت عمليات تقتيل الحيوانات في العديد من الأماكن، دموية مقيتة وتعطش بشري للموت جمّعه مهند كريم في فيديوهات عرضت على الشاشة اثناء صراعات الشخصيات ليصنعوا بالجسد ملحمة امتزج فيها الجسد الحيّ مع الفيديو والسينوغرافيا المتحركة، على الشاشة مررت صور دموية وأخرى شهدت على مذابح ضد الحيوانات ومقتطفات من كتب تناولت موضوع الحرب على غرار مقتطف كتاب “النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة” للمؤرخ المصري ابن تغري بردي عن أحداث سنة 1064، ويروي كيف أكل بعض الناس لحوم البشر من الجوع.
انقذوا الانسان قبل ان يصبح مصاصا للدماء
“جر محراثك على عظام الموتى” لغة آمرة وكأنهّا رسالة اجبارية من قوة ما، قد تكون غيبية وربما عسكرية، فكيف تكون الحياة اذا حرثت الأرض بدماء الموتى وعظامهم؟ ما الذي ستنبته؟ هل ستقدم فاكهة تخرج دما عوض الماء؟ هل تكون الأشجار والنباتات بصيغتها الحالية ام تزهر جماجم وتبرز في شكل هياكل عظمية؟ كيف نجر المحراث على عظام الموتى دون محاسبة؟ هل تنسى الدماء المهدورة ظلما وهل تنسى الأمكنة حكايات من سكنوها حتى وان قتلوا جميعا؟ ربما ينسى الانسان لكن الطبيعة لا تنسى، فالحرب الدائرة بين القائد والحيوانات تواصلت ولن تنتهي “سيستمر القتل حتى تفنى اخر نفس تتذكر المذبحة” كما يقول إسماعيل، على الخشبة كان للموسيقى تأثيرها في وجع الشخصيات والمتلقي، فضاء تشاركي للألم انساب من ايقاعات موسيقية تستحضر كل دموع الأمهات الثكالى ودمائهنّ وصرخاتهنّ التي ترددها السماء تماما كتلك التراتيل المنبعثة وسط المسرحية.
المسرح اسقاط وفعل للمقاومة غير بعيد عن مشاغل الناس، اثناء اللعب تقول الممثلة لزميلها “لا تخف انت في تونس هنا توجد خرية سمي الانسان باسمه” فالغابة التي تحدث فيها حكاية المسرحية توجد معالمها في عصرنا الراهن، كل ذاك الموت والدم والدمار يمارسه الكيان الصهيوني على الفلسطينيين رائحة الدم المنبثقة في المكان، الاوصال المقطعة، الاحلام المسروقة والاشلاء البشرية جميعها عاشها الشعب الفلسطيني ويعيشها الشعب اليمني والسوداني بسبب تغوّل رأسمالية الحرب.
عامان من الحرب عاشتهما غزة دمرت فيها المدن والاحياء، شرّد الناس محيت عائلات بأكملها من سجل الحياة والعالم صامت امام ماكينة حرب لا تشبع، ما عاشه الفلسطينيين اثر في الصادقين وعلى الخشبة استعملوا الممثلين أجسادهم واصواتهم وافكارهم لتكون صدى لهذا الخراب المسكوت عنهم، بين الحياة والموت شعرة صغيرة، فالمنظمات في العالم تتحرك لوفاة قط وتصدر البيانات ولكنّهم يغمضون اعينهم عمّا يحدث من جرائم حرب في فلسطين والسودان وكأن دماء أبناء العالم الثالث لا تسيل دموع من ينتمون للعالم المتقدم.
في المسرحية الكثير من الترميز واسقاطات عما تعيشه الإنسانية اليوم من قبح وتفشي للدموية والحرب والوجع، محاولة للصراخ ضدّ الموت المجازي ودعوة لإنقاذ ما تبقى من إنسانية لدى البشر، فهل سترجّ الأصوات الصادحة باسم الحياة ارض ارتوت من الدم وانبتت شجرا على شكل جماجم؟
مفيدة خليل