قاوم، انفض عنك ريش الخوف وعباءة الخنوع واصنع عوالمك الصاخبة والصادقة، إذا سرقت افكارك فقاوم، إذا سرقت ابتسامتك فاصنع لنفسك أخرى، اذا سرقوا احلامك فانتفض واكتب ثورة أخرى وادعوا كل المعجزات اليك لتكون انت نار مقدسة يصعب اطفائها، قاوم بالحب او الفن او الجنون وحتى الموت مقاومة، فهو البداية الجديدة التي ستختارها الشخصية المحورية في مسرحية “كرنفال روماني” اخراج موني بوعلام.
“كرنفال روماني” سينوغرافيا شاهيناز نغواش وموسيقى عبد القادر صوفي وكوريغرافيا ندى رويني وتصميم اضاءة عبد الحق بولمدايس ومساعد مخرج شاكر بولمدايس ومعالجة درامية موني بوعلام، تمثيل رجاء هواري وشاكر بولمدايس وزكي وافق وعبد الرؤوف بوفناز ورشا سعد الله وفريد زواوي وإسلام حدرباش وريان حمايدي والعمل يمثل الجزائر في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية.
جسد الممثل ولغة الإضاءة فرصة للسؤال
المسرح مسارح، على الخشبة تولد حكايات أمل وتُجهض وأفكار، “الدنيا مسرح كبير وكل الرجال والنساء ما هم الا ممثلون على هذا المسرح” كما قال شكسبير هذه المقولة يجدها المتفرج في مسرحية “كرنفال روماني”، على الخشبة تبنى الصراعات والخيبات، و”مارجيت” فكرة مقدسة، ممثلة حلمت ان تكون نجمة، عشقت المسرح واختارته هاجسا للأبداع وكلما كبرت احلامها اصطدمت بالحقيقة، واقع اقطاعي يشجع على السذاجة ويدافع فقط عن السطحية.
إضاءة خافتة وديكور متحرك يضفي حيوية على الفضاء ويتغير حسب المشاهد، سرير وطاولة للكتابة ودرج صغير، يعتمدونهم طيلة العمل ويوظفونهم خدمة لصورة تشكيلية ترسخ في ذاكرة المتلقي، الإضاءة في العمل تقسم الركح أرقة صغيرة الحجم وتسلط عادة على وجه الشخصية ليرى المتلقي تفاصيل الوجه وانفعالاته مع الحكاية، الإضاءة تمنح الممثلين الفرصة ليتحركوا كامل فيصنعون بظلالهم فرجة بصرية ممتعة.
“كرنفال روماني” عنوان المسرحية، منذ العنوان تحمل المخرجة جمهورها الى عوالم الصراعات، فالرومان قديما كانوا يجمعون الفقراء والمهمشين في ساحات عامة ويتركونهم يتصارعون لأجل لقمة تسد الرمق او قطعة قماش، يلبسونهم اقنعة ليتشبهوا بالحيوانات، وكلما احتدم الصراع وسال الدم اكثر يستمتع النبلاء من شرفات قصورهم.
من هذه اللعبة انطلق العمل المسرحي، فالممثلين في الحكاية لا يختلفون عن كرنفال الرومان، بدورهم مهمشين يعيشون على فتات المسرح وكلما زاد انينهم استمتع الجمهور وكسب صاحب المكان أموالا ومكانة اجتماعية إضافية، فالحياة مسرح مفتوح وكل البشر منذ بداية الخلق الى اليوم يقدمون ادوارهم على ركح الحياة.

#image_title
“كرنفال روماني” مسرحية ساخرة وناقدة، عمل ينقد الصراع الطبقي وانتشار سلطة السطحية والتفاهة عوض الفنون الحقيقية المنصتة لقضايا الانسان، تنقد بيروقراطية الإدارة وتحكّم أصحاب النفوذ في أفكار واحلام الناس عبر شخصية “مدير المسرح” الانتهازي والاناني ابدع الممثل شاكر بولمدايس في تقديمها، شخصية مركبة يغلب عليها الطابع الكوميدي بينما قراراتها مزعجة، مدير المسرح بيده جميع السلطات الإبداعية فهو الكاتب والسينوغراف والممثل والمشرف على خلاص الممثلين واختيار النصوص، بيده مصائر الناس ويدعي انّه فنّان وهو لا يعرف غير مكتبه “الحقي بي الى المكتب لأقدم لك دروس في سيميائية مسرح العبث”، شخصية مضحكة تحفظ كلمات وشعارات ترددها دون وعي، هدفها متعة الجسد والصعود في السلم الاجتماعي.
المسرحية تجربة نقدية واعية للعديد من الظواهر المنتشرة في المجتمعات، نص كتبه المجري “ميكلوس هوباي” نقد فيه انتشار السطحية في زمنه، كاتب عايش الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة وما عاشه العالم من ألم الخراب، هذا الالم والغضب يجدهما متابع “كرنفال روماني”، واذا اسقطنا النص على واقعنا اليوم، فالكرنفال لازال متواصلا بنفس الفوضى، مازال المهمشون والفقراء يعانون من ظلم مجتمعي مقيت، مازالت أحلام الممثل تسرق امام تغوّل مدعّي الثقافة وممارسيها من أصحاب رأس المال، لا يزال البرد ينخر الروح وكم من حلم بالنجاح اجهضه مسؤول بابتسامته المقيتة تلك.
الفن انتصار على الموت
بطلة المسرحية ممثلة، شغفت بالتمثيل مارست المسرح لأعوام طويلة، ثم وضعت على دكة النسيان ذنبها انها ممثلة حالمة بتقديم شخصيات مركبة وادوار فاعلة وقادرة على تغيير المجموعة، لكن السلطة الاقطاعية ترفض الجدية وتهوى تمرير السذاجة الى الجمهور.
تختار الممثلة عزلتها في غرفتها سنوات طويلة، تحاول مقاومة اغراء الخشبة، تصمّ الاذان عن كونها مبدعة حقيقية، وفجأة يطلب مقابلتها كاتب مشهور، فيخرجها صاحب المسرح من عزلتها ويقدم لها شخصية “جان دارك” التي ألهمت الشعب الفرنسي وكانت بطلته القومية، شخصية لامرأة ثائرة تقود الجيش وادعت انها تأتمر بأوامر ربانية واشتهرت في حرب المائة عام بين إنجلترا وفرنسا، تعشق الممثلة الشخصية الجديدة لان نهايتها الموت، هذا المتمنّع عنها منذ عشر سنوات، تعود بروح طفلة الى التدريبات وتحاول تقديم طاقتها لإنجاح الشخصية، بين الامل والالم تتراوح الشخصية، بين لحظات العدم الموجعة وشرارة الحياة المتقدة تتأرجح الممثلة رجاء هواري التي صنعت بصدقها ملحمة على الخشبة.
تلعب بشغف، تنصهر مع الشخصية، تنصت لوجعها وتحاول ان تستمد منها القوة، تبدع في ملامسة خفاياها حد التناص معها، ولكن كل الحكاية والفعل كان فقط في مخيلتها، الهلوسات جعلتها ترى النص المسرحي وامل العودة الى الخشبة، حقيقة وحيدة ثابتة كانت نهاية حياة الشخصية والممثلة بالموت، فالممثلة المهمشة والمعدمة اختارت نهايتها وعاشت موت الشخصية بصدقها، فهل تأكل الخشبة أبنائها؟ وهل للمسرح قدرة على إعادة الحياة في الانسان؟ ام هو الاخر فضاء للجنون والتلاشي؟.
“كرنفال روماني” مسرحية مسكونة بالسؤال، عمل تجريبي وجريء مزج فيه الممثلين بين الفصحى واللهجة الجزائرية، اتقنوا الشخصيات وانتقلوا ببراعة بين الحكايات الواقعية والخيالية، هم انموذج عن ممثلين يعيشون اليوم ويحاولون إيجاد الفرصة لينجحوا، يجتهدون ليكونوا على الخشبة كالمردة ولكن رغبة السلطة تريدهم “قردة” يجسدون فقط ما ترغب به، وبين الحكمة وجع السؤال انتشت الشخصيات في المسرحية ودفعوا بالمتلقي الى حافة الألم عملا بمقولة روبرت دي نيرو “فن التمثيل هو العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الاخرين من دون أن تكون مضطرا لان تدفع الثمن”، ثم السؤال: والسؤال: كيف اتصرف اذا سرقوا احلامي؟ كيف قاوم؟.
مفيدة خليل