المسرح مقاومة، فعل نضالي لا يعرف الكلل، جسد لا يموت وإن أنهكه المرض أحيانا، المسرح فعل حياة يتجدد كما الخلايا، وعلى الخشبة يصبح للمثلين القدرة على طرح السؤال ووضع الاصبع على الداء الجماعي دون الشعور بالخوف او الخجل، فالمسرح فعل تطهير وهو ما يمارسه ممثلي مسرحية “الهاربات” في كل عرض.
“الهاربات” افتتحت الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، عمل اثبت ان للمسرح جمهوره ومريديه، العمل نص وإخراج وفاء الطبوبي وأداء كل من فاطمة بن سعيدان ومنيرة زكراوي ولبنى نعمان واميمة البحري وصابرين عمر ومحمد بوزيد، موسيقى هاني بلحمادي واضاءة فيصل صالح وازياء غسان دويسة وإدارة انتاج فاطمة المرصاوي والعمل انتاج مشترك بين المسرح الوطني وشركة الأسطورة للإنتاج.
الطبيعة تشارك الممثل الصراخ ان انصتوا لأبناء الهامش فهم صوت تونس:
“الهاربات” مسرحية متجددة، لكل عرض روحه الخاصة، في الحمامات كان اللقاء الأصعب لانّ جسد الممثل وصوته وكل مشاعره ستحارب الطبيعة، صوت البحر والرياح وردة الفعل غير المنتظرة من الطبيعة هي الواجهة الأولى قبل الجمهور، ولكن الطبيعة خدمت جماليات العرض، شكل الهلال جزء لعبة الضوء وقدمت الرياح وصوت اضطراب الموج موسيقى أخرى لتصبح وكأنها صوت الثورة الداخلية للشخصيات، الطبيعة انصفت “هاربات” الطبوبي وكانت دعامة نفسية أخرى للشخصيات لان موسيقاها جزء من معاناة الشخصيات.
مسرح الحمامات من اصعب المسارح أجملها على حد السواء، للحمامات خصوصيته وامتداده، غيرت وفاء الطبوبي سينوغرافيا العرض لتتلاءم مع الفضاء المفتوح، اختارت القرب اكثر من الجمهور فجعلت شخصياتها تنبثق من بين الجمهور وكانّهم يدعون المتلقي الى عوالمهم، واختتمت المسرحية بإضاءة مباشرة الى المتفرج والشخصيات تقترب اكثر من المدارج ليمنحوا الحضور القليل من حكاياتهم، فالشخصيات الناطقة بالوجع التونسي والإنساني دعت الجمهور ليشاركهم الحكاية ويخبرونه انّ ما يقدم على الخشبة هو حكاية كل فرد جالس في مدرجات مسرح الحمامات.
أخرجت الطبوبي ممثليها من العلبة الإيطالية الى الفضاء المفتوح وغامرت بالتجديد في الصورة البصرية، لم تتخلى عن تفاصيل الديكور البسيطة مثل علامة “انتبه اشغال” المعلقة اعلى المسرح .اقتربت اكثر من السماء لتصبح مثل الإشارة الفوقية المتماهية مع امتداد السماء وتنذر المتلقي بخطورة الحكايات وتدعوه للانتباه جيدا لكل تفاصيل العمل، الاروقة المتقابلة تماما في القاعة أصبحت تميل اكثر الى حرف Z ما جعل حركة الممثل والصورة تبدو اصعب واجمل في الوقت ذاته، وإنجاز الديكور بتلك الجمالية يكشف وجود فريق تقني جدّ متماسك، فريق قادر على معاندة كل الصعوبات حتى وان كانت الطبيعة.
“الهاربات” صدى للحضور، قصة كل الحالمين، أولئك الذين لا يعرفون الا الظلمة يخرجون فجرا ويعودون الى منازلهم ليلا، الحالمين بحياة بسيطة والباحثين عن بعض الكرامة وسط تغوّل الرأسمالية، الى المتألمين، الى من تتذكرهم المنظومات وقت الانتخابات، الى من يحملون على عاتقهم مسؤولية البلد والعمل، الى من يشبهون سيزيف يصعدون يوميا بحجرة المسؤولية ومع كل اشراقة شمس يعيدون الكرة ويحافظون على بعض الامل اليهم تهدي وفاء الطبوبي المسرحية، فالعمل هو صوت الوجيعة على المسرح والممثلين كانوا أصوات المنسيين، نقلوا حكاياتهم وتقاطعوا معهم في الوجع والفرحة على حد السواء.
شخصيات وفاء الطبوبي منّا، يحملون نفس التقاسيم والوجع ذاته، اختارت المخرجة شخصيات من الواقع التونسي بمختلف مكوناته الاجتماعية والعلمية، والفضاء الدرامي هو محطة حافلات اين سيجتمع كل من عاملة نظافة افنت سنوات العمر في تنظيف البيوت والمنازل لتلاقي الجحود من أبنائها، وجامعة البلاستيك التي تعرف كل الازقة والشوارع تخرج فجرا تجر عربتها الصغيرة وتحاول تجميع اكبر عدد من القوارير علّها تمنح ابناءها الفرصة في التعليم فتتعرض الى وعكات صحية كثيرة ويصبح سيلان الدم من الانف هدية لها بسبب افة البلاستيك و عاملة بمعمل سرق حلم إتمام دراستها والتحقت بالمعمل صغيرة لتواصل سردية الألم، عاملة لا تعرف انسانيتها وتعيش بفكرة الالة المطالة فقط “الروندمون” واستاذة نائبة لازلت تتحسس طريقها المهني وتحلم بمهن تنقذ فيها تلاميذها من قبح العنف، وطالبة حقوق مازالت تحلم بغد افضل، غد يكون فيه الشعب كاتب القانون وصاحبه، وعامل بمعمل هو خريج جامعة ولم يجد مهنة افضل وهارب من “النفقة” بعد فشل صفقة الزواج.
جميعهم يمثلون الطبقة المتوسطة ويمثلون أفكارا وانتماءات اجتماعية وثقافية مختلفة ولكنهم يتشاركون في نفس الم الانتظار، انتظار الحافلة التي لم تأتي فيقررون الذهاب الى العمل سيرا “هيا ندبوا” كما تقول الشخصية، هؤلاء الستة يمثلون الهشاشة الاجتماعية، يرمزون الى جزء كبير من الطبقة الشغيلة الباحثة عن اقلّ حقوقها في منظومة شغلية متغوّلة لا تعترف بإنسانية العامل وتراه فقط الة، او قطعة لها مردودية واحدة.
على الخشبة تكتب منظومة للحرية والابداع:
فضاء الحكاية يشبه العلبة المغلقة مع بعض فجوات صغيرة ستتحرك منها الشخصيات، هذا المربع الخانق المنغلق على الممثلين هو انعكاس للعلبة النفسية للإنسان، فالشخصيات هي تردد للحضور والكل يغلق في داخله على مشاعر مثل الخوف والانهزامية أحيانا ومحاولة التقوقع على الذات وعدم الجراة على قول الحقيقة ونقد منظومات السلطة اقتصادية كانت او سياسية وكل تلك العتمة هي داخلية فنحن نعيش في زمن التواطئ مع الصمت ومحاولة الانحياز عن التصريح خوفا من المرسوم54 لذلك تكون الخشبة افضل بوابات الحقيقة ويكون للشخصيات الجرأة اكثر من الأشخاص في كثير من الأحيان، فالمسرح ترميز ومن الشيفرات العديدة بنى الممثلين هيكلهم النقدي واسكنوه كل الأرواح التواقة للحرية والراغبة في التعبير عن رفضها للمظلومية الشغلية واللانسانية، والشخصيات على الخشبة وفي تلك الدائرة الخانقة هم صدى لمجتمع تلاشت فيه القيم وانتشر العنف بدل التعاون وأصبحت الانانية مطية النجاة.
تتشارك الشخصيات في وجع الوحدة والتلاشي، تتصاعد الام الرحلة وفي الطريق ترمي كل شخصية ببركان الحكايات المخبّئة، كلمات موجعة ومشاعر اكثر وجعا تشير الى وجيعة البلاد والمشاكل الكثيرة التي عرفتها واثار التحولات السياسية على حياة المواطن البسيط، أصواتهم واجسادهم تكون كما شرارة اولى تشتعل لتضيء دروب البقية وتحثّ المتفرج بدوره للبحث في خبايا ذاته ويصر؛ بوجعه، واكثر المشاهد التي لاقت اهتماما جماهيريا وتعليقا تلك المتعلقة بالبوح عن مشاكل اجتماعية وقانونية وإنسانية مشتركة، فالكل تضامن مع جامعة البلاستيك وصفق الجمهور مطوّلا لجملة “نحنا القانون” و” الجنة لينا موش للاغنياء”، فالمتفرج يعبر بتلقائيته عن مشاعر يتشاركها مع الممثل.
لكل شخصية مميزاتها، ولكل ممثل طاقة في الأداء، نجحت الهاربات منذ اول عرض لها وكسبت احترام الجمهور ومتابعي المسرح، اللحمة بين الممثلين والفريق من نقاط قوة المسرحية، وبعد اشهر من النجاح يعوض محمد بوزيد الممثل المبدع أسامة الحنايني، ودخول ممثل الى فريق بعد نجاح طويل للعمل وتألق أسامة الحنايني ضمن الفريق يعتبر مسألة صعبة جدا ولكن نجح محمد بوزيد في كسب الرهان، بروحه الخاصة وبنيته الجسدية المختلفة وطاقته تقمص الشخصية واعطاها ابعادا أخرى ليؤكد محمد بوزيد انه ممثل متمكن من شخصياته وادواته الدرامية وله القدرة على التناص مع ايّ شخصية مهما كانت صعبة او مربكة والثنائيات التي جمعته بلبنى نعمان وفاطمة بن سعيدان كانت مميزة وبها طاقة احترافية ساهمت في تغيير المسار العام للحكاية ونجح بوزيد في لقاءه مع جمهور مهرجان الحمامات الدولي.
على ركح الحمامات اثبتت فاطمة بن سعيدان انها ايقونة للتمثيل، تشبه المنيرفا كلما احترقت بعثت من جديد، في مهرجان دوز أكملت العرض ويدها مكسورة لتعود الى الركح في الحمامات بجراحات اليد المضمدة وتلعب شخصيتها بيد واحدة، التزام فاطمة بن سعيدان مبهر وحكايات الشخصية المنبثقة من رحم الألم هي أيضا حكايات الممثلين فجميعهم أبناء هذا الشعب ويعايشون وجع كل التغيرات وليسوا أبناء البرج العاجي.
الى روح ريم الحمروني اهدي نجاح المسرحية، الى روحها اهدوا الاغنية الموجودة وسط العمل، مساححة الامل تلك كانت مهداة الى روح ممثلة صنعت نجاحاتها من قسوة المحيط، ممثلة ضحكتها سلاحها، وبسبب ضحكة ريم وروحها قاومت لبنى نعمان صوت الريح وارتفع الصوت اكثر في المونولوج وكلن الأداء اكثر وجعا من العادة، فريم الحمروني صانعة الفرحة كانت جزء من العمل بغيابها وهو ما يثبت قدرة المسرح على زراعة المساحات الامنة في الانسان.
الثورة تصنع من الخشبة وقد تصل الى الشارع:
المسرح فعل حرّ، هو صورة للحريات وصوت للقانون وصدى لكل الثورات، “الهاربات” نجحت في كل العروض لأن العمل مكتوب بصدق ويلامس الانسان في تونس والعالم دون كلمات منّمقة، خاطبت وفاء الطبوبي في المتفرج ضميره وروحه، من نقاط القوة اختيارها لممثلين ملتزمين في واقعهم، ممثلين يؤمنون بقدرة المسرح على التغيير وقدرة هذا الفعل على مشاكسة السلطة.
تضع المخرجة على الخشبة جيلين مختلفين، كل منهم يرى انّه الاصدق في حب الوطن، جيل الاستقلال وتمثله الممثلة فاطمة بن سعيدان وجيل ما بعد 2011 وتمثله اميمة البحري، الجيل الأول يرى انّه وضع البلاد على السكة وساهم في تحريرها من الاستعمار وبنى بطريقته ملامح الدولة الحديثة وترك السفينة للأجيال اللاحقة، اما جيل ما بعد 2011 فيرى انّ السابقين تركوا السفينة معطبة بالكامل والبحر شبه جاف، فالسابقين تربوا على فكرة الخنوع للسلطة والصمت امام الديكتاتورية بينما الجيل الاحدث يؤمن بالشارع وقدرة الثورة والاصوات الشبابية على التغيير، والصراع بين الأجيال من الأسئلة التي تطرح بعد كل انتخابات.
ترفض مسرحية الهاربات كل اشكال العنف، ترفض تجبر السلطة السياسية والمنظومة التشغيلية، تنتصر للأصوات الحالمة وتكون بمثابة المصدح للصراخ ضدّ كل تلوينات الظلم، تكتب المسرحية دستورا جديدا ميزته العدالة الاجتماعية والقانونية، اختيار شخصية تدرس القانون لم يكن من باب الصدفة بل لذكاء كاتبة النص لتكون شخصيتها الصوت المدافع عن الجميع، فالعارف بالقانون له القدرة على كتابة مواثيق أخرى وان اشتدّ ضيق المنظومة.
دارسة الحقوق ستعيش الم الرحلة ولكنها تقرر المواصلة، لا شيء يدعوا الى التراجع، تونس تحتاج لكل شبابها ليواصلوا الحلم فرغم السواد والضبابية يبقى امل التغيير موجودا وهو ما تقوله الشخصية ” “نحن القانون، سنكتب القانون الذي يدافع عن المظلومين والمقهورين، نكتبه نحن الأغلبية، وليس من يحكمون في الماكينة ويكتبون على قياسهم، نفسخوا ونعاودوا من جديد، نحن القانون” والمميز أيضا انّ مؤدية الشخصية الممثلة أميمة البحري ابنة الفن الملتزم، ممثلة تربّت على قيم الحرية والمناداة بالمساوات والدفاع عن الوطن، وتشبّعت بقيم المواطنة والثقافة الوطنية من والدها الفنان الملتزم خميس البحري الذي تعرفه كل ساحات تونس وقاوم المنظومة الديكتاتورية بقوة الكلمة.
مسرحية “الهاربات” مشروع يدافع عن الحرية، عرض يؤكد مقولة “غدوة خير” على الخشبة، في انتظار انجاز عمل مسرحي تخرج بعده الجماهير الى الشارع لتنادي “غدوة خير” وهو حلم الفنانة وفاء الطبوبي كما عبرت في الندوة الصحفية لانّ للمسرح أثره.