عن الفن و أهله

مسرحية “نومة” اخراج دليلة مفتاحي  إذا قرعت نواقيس الخطر النفسي حاولوا النجاة قبل التلاشي       مفيدة خليل   أصرخ، حرر جسدك من كل آلامه المخبئة منذ سنين، أترك له الفرصة للتشافي، دعه ينتفض على الوجع النفسي ويقايض الامل، حرّر الدماغ مما يكبّله، ابحث لنفسك عن بوابات السعادة واغطس بكلّك في شلالات الحياة، لا تقاوم الألم وإذا خرس اللسان فاكتب ما تريده روحك قبل ان ينهشك غول الاكتئاب هكذا تصرخ الأجساد في لحظات النومة الأخيرة. “نومة” وجع انساني يكتبه الممثلين على خشبة المسرح، فالمسرح مساحة دائمة للتجريد والخشبة تتسع لكل الالام، “نومة” تجربة مسرحية تطرح موضوع الصحة النفسية وتنبّه الى خطورة الامراض النفسية وابرزها الاكتئاب، العمل اخراج دليلة المفتاحي ونص دنيا مناصرية، تمثيل كل من فوزية بدر ولطفي التركي ومحمد امين الزواوي وكمال الكعبي ودليلة مفتاحي وضحى والي وسفيان لبن ظافر وجلال مصدق، موسيقى الطاهر رضواني واضاءة رشاد باللحم واضاءة رقمية طارق بوزيد، انتاج مسرح الناس تونس بدعم من وزارة الشؤون الثقافية.   حدة الصوت وعتمة الضوء دلالات الاكتئاب على الخشبة   [...]

10 July 2026
1 دقائق

مسرحية “نومة” اخراج دليلة مفتاحي 

إذا قرعت نواقيس الخطر النفسي حاولوا النجاة قبل التلاشي  

 

 

مفيدة خليل

 

أصرخ، حرر جسدك من كل آلامه المخبئة منذ سنين، أترك له الفرصة للتشافي، دعه ينتفض على الوجع النفسي ويقايض الامل، حرّر الدماغ مما يكبّله، ابحث لنفسك عن بوابات السعادة واغطس بكلّك في شلالات الحياة، لا تقاوم الألم وإذا خرس اللسان فاكتب ما تريده روحك قبل ان ينهشك غول الاكتئاب هكذا تصرخ الأجساد في لحظات النومة الأخيرة.

“نومة” وجع انساني يكتبه الممثلين على خشبة المسرح، فالمسرح مساحة دائمة للتجريد والخشبة تتسع لكل الالام، “نومة” تجربة مسرحية تطرح موضوع الصحة النفسية وتنبّه الى خطورة الامراض النفسية وابرزها الاكتئاب، العمل اخراج دليلة المفتاحي ونص دنيا مناصرية، تمثيل كل من فوزية بدر ولطفي التركي ومحمد امين الزواوي وكمال الكعبي ودليلة مفتاحي وضحى والي وسفيان لبن ظافر وجلال مصدق، موسيقى الطاهر رضواني واضاءة رشاد باللحم واضاءة رقمية طارق بوزيد، انتاج مسرح الناس تونس بدعم من وزارة الشؤون الثقافية.

 

حدة الصوت وعتمة الضوء دلالات الاكتئاب على الخشبة  

 

انتشرت حالات الانتحار لدى الأطفال والشباب في السنوات الأخيرة، هذه الظاهرة التي هزت الشارع التونسي لأكثر من مرة خاطبت وجدان الكاتبة المسرحية دنيا مناصرية وحولت الوجع الى نص مسرحي قدمته المخرجة دليلة المفتاحي في عمل “اسمه “نومة”.

“نومة” هو اسم المسرحية، مفردة واحدة ومعناها مباشر النوم، لكن هذه النومة ستحولها المخرجة المسرحية الى أفعال متعددة، فالنوم قد يكون موتا، قد يصبح انغلاق كلي على الذات ومحاولة لتنويم كل الأعضاء تحت وطأة الاكتئاب، فالنومة هنا لن تكون هادئة بل ستكون ثقيلة مزعجة، نومة لا أحلام فيها بل كوابيس متكررة لا نهاية لها، كوابيس سيتشاركها الجمهور مع الممثلين من خلال الأصوات المرتفعة والموسيقى الحادة المصاحبة للعمل.

للمكان تأثيره على الشخصيات، بصريا قسم الركح الى جزئين يفصل بينهما قماش شفاف انعكست عليه بعض الكتابات وصور تتحرك لخيالات تسكن ذهن الشخصية الرئيسية للحكاية، في مستشفى للأمراض النفسية والعصبية تدور القصة وبطلتها كاتبة مشهورة تحاول الانتحار، مصابة باكتئاب حاد وتتفنن في محاولات قتل نفسها.

السينوغرافيا تحيل الى معنى الضوضاء والفوضى مع تكثيف للون الأبيض للإشارة الى فكرة السلام النفسي الغائبة عن المكان، ستار شفاف يقسم الفضاء نصفين، وحركات الشخصية ظاهرة في كلا الحالتين، حاجز لا يخفي شيئا في إشارة الى المراقبة اللصيقة للمرضى وكل زوار المشفى، الإضاءة الصفراء تشير الى الاختناق، تسلط على الشخصية المتكلمة، الإضاءة خافتة وموزعة في فضاءات محدودة للإحالة الى الضيق النفسي او الزنازين التي تحبس فيهلا كل شخصية افكارها ورغبتها في الحياة، فكل تلوينات الضوء وطريقة التوزيع تعبّر عن الحبس والعتمة الروحية.

الصوت مزعج، اعتمدت موسيقات مختلفة في المسرحية بعضها من الايقاعات التونسية خاصة صوت النواح وأخرى موسيقى ايقاعية كلما تألمت الشخصيات زاد ارتفاعها، الموسيقى تشعر المتلقي بالإرباك والتوتر، تزعجه حدّ محاولة صمّ اذنيه أحيانا، فالموسيقى هي انعكاس للداخل، هي صوت الأرواح المضطربة، الألم الدفين لكل شخصية تم تحويله الى نوتات موسيقية، عويل داخلي يخرج الى القاعة فيصبح الوجع مشتركا بين الشخصية والمتلقي، الصوت القوي والمزعج مقصود وجزء من اللعبة المسرحية ليتورط المتفرج في عملية التطهير والبوح ولا يخاف من صوته الداخلي العميق مهما كانت شدة قوته وألمه.

شكلت السينوغرافيا بوابة لاكتشاف الم المرضى النفسيين، حملت مخرجة العمل الجمهور الى دوامة القلق ورمت بهم في جحيم الخوف والسؤال، ورغم الجدية في الطرح المسرحي يبقى صوت الموسيقى القوي مزعجا للمتلقي، وان قصدوا تشريك المتفرج في مناخات الحكاية ولكن قوة الصوت المبالغ فيه أحيانا تشتت الانتباه وتدفع بالمتفرج ليصمّ اذنيه حتى ينقص من حدة التوتّر.

“نومة” تجربة مسرحية نقدية تقرع الناقوس حول الصحة النفسية، التزام فني اخر تخوض غماره دليلة المفتاحي المؤمنة بقدرة المسرح على التأثير والتغيير، عمل اخر ينطق باسم المجموعة وقضاياها، لانّ المسرح بوابتها الأولى للحكاية ومساحتها الخاصة للتجريب ولتبيه الجمهور بالخطر المحدق، ولدليلة المفتاحي تجربة مسرحية طويلة وسبق وان طرحت في كل اعمالها قضايا حارقة تهمّ الانسان التونسي.

 

جسد الممثل بوابة الابداع والدفاع عن صرح المسرح 

 

يحمل الممثل على عاتقه نجاح العرض المسرحي من عدمه، يمكن الاستغناء عن التقنيات ولكن لا مسرح دون ممثل، في “نومة” كانت أجساد الممثلين الواجهة الأولى للوجع الإبداعي، مدارس مسرحية مختلفة واعمار متباينة شكلوا على الخشبة كيانا واحدا لتقديم عمل طرح موضوعا حارقا يؤرق المجتمع التونسي في السنوات الأخيرة، “الموضوع شغلني لأول مرة سمعت خبر انتحار فتاة صغيرة لم انم حينها، وسكنني الموضوع ولانّ المسرح مساحتي للتفكير ولإعادة استقراء الواقع ونقده جاءت مسرحية نومة” حسب تعبير المخرجة دليلة مفتاحي.

تطرح المسرحية موضوعا حارقا هو الصحة النفسية ومدى تأثير الألم النفسي على الانسان مهما كانت قوته او معرفته وثقافته، اختارت كاتبة النص شخصيات تبدو للمواطن العادي من النخبة ولها القدرة على الفهم والتفكيك، ابطال القصة جميعهم مرضى نفسيين بدرجات.

بطلة الحكاية ومصدر الألم فيها، كاتبة، مثقفة، تتلاعب بالكلمات وتصنع من الخيال بوابات للنجاة، تكتب، تنشر روايات وأفكار بعضها عن الحب وأخرى عن الحياة والحرية، كاتبة تتحدى الجهل وكلما شعرت بالوهن هرعت الى خيالها وافكارها ولكن يغلبها وحش الاكتئاب، تنهزم امامه وتنصاع الى رغبته وتفقد رغبتها في الحياة، الممثلة فوزية بدر جسدت الشخصية بكل ما حملته من الم ظاهر على المحيا، حركة بطيئة، صوت مجروح وصراعات يومية بين فكرة الحياة والموت، تدخل الى الركح على كرسي متحرك، يقابلها طبيبها بحثا عن معلومة تنقذها، تشاكسه تستعمل ثقافتها لمراوغته، هدفها واحد الانتحار وانهاء حياة الجسد.

تلوّنت فوزية بدر وتشكلت كما قالب الصلصال، تماهت مع وجيعة الشخصية وانصهرت في مدارات اكتئابها لتبرز للجمهور وكأنها صاحبة الوجع الأصلي، تناست في أدائها مع مقولة ستانيسلافسكي ” أعظم فناني المسرح هم أولئك الذين يستطيعون أن يكونوا هم أنفسهم تماماً، بينما يؤدون دوراً لشخص آخر”.

الشخصية صلعاء تخلت عن الشعر في أولى محاولات طمس هوية جسدها، ثم انتقلت الى مرحلة الادوية والتلاشي التدريجي للفكرة قبل الجسد، الممثلة فوزية بدر تماهت مع الألم النفسي للشخصية كانت صادقة حد الشغف، وتمكنت من تفاصيل ونقلتها بحرفية لتكشف ان الممثلة طاقة من الوعي ينجح كلما كان أدائه تلقائيا وصادقا.

الشخصية الثانية لطبيب نفسي، يبدو انه يعاني من إعاقة جسدية، مشية نصف مائلة ومحاولات متكررة للحوار مع احدى مريضاته، الطبيب بدوره مريض هو الاخر متورط في وجع الاكتئاب، يحاول علاج المرضى وهو عاجز عن مداواة نفسه، اختار لطفي التركي لهجة “البلدية” للشخصية، تركيبة نفسية وجسدية تثير السؤال، خرج التركي من الصورة الراسخة لدى الجمهور وشاكس ملامح جسدية وفكرية أخرى، التركي ممثل يلعب دائما بعقلية الهواية وشغفها، شخصية الطبيب وتركيبته النفسية الهشة نجح فيها امام الجمهور الذي تساؤل منذ المشهد الأول “لما الطبيب احدب ومشوّه هكذا؟” لتؤكد سردية العمل انّ الطبيب بدوره جزء من سلسلة مرضية كاملة، فالكلّ مشوّه وتشوهات الروح تنعكس على الجسد، ما جعل الشخصية تسقط في هوّة الجنون اخر العمل.

الشخصية الأخرى بدت اكثر توازنا، شخصية تحكم العقل في الحوارات، أستاذ جامعي يؤمن بالنقاش والفكرة، يدرس “هيديغير” في الجامعة، يبحث عن توازن عائلي بسيط، يعيش على هامش الحياة، يرى في الحياة البيت والعائلة وبعض الدفء ليصدم بانتحار الابنة ثم محاولات متكررة لانتحار الزوجة، ارتباك الشخصية وصراعاتها بين العقل والقلب جعلها متأرجحة غير واثقة من خطوتها ولا حركتها في الفضاء، الممثل محمد امين الزواوي لعب الشخصية الأكبر من عمره الحقيقي، تماهى مع اضطراباتها وقدم في العمل وجها اخر لممثل سبق وان اشتغل على الامراض النفسية في اعماله المسرحية.

اخر صناع الحكاية كانت للابكم، الممرض او مساعد الطبيب، شخصية صامتة عن الكلام لكنها ثائرة بالجسد لها القدرة على استنطاق المعنى ولعبها كمال الكعبي والتجربة مختلفة عن ادواره السابقة.

لان الفضاء النفسي يتسع لأكثر من حالة اختارت المخرجة مجموعة من الشخصيات الأخرى، لا تشارك مباشرة في صناعة الفعل الدرامي ولكنها موجودة تشبه جوقة المجانين أحيانا، عينات عن بعض المرضى في  فضاء العلاج المشترك، هؤلاء الحالات دون أسماء يتشاركون الكثير من لقاء الألم مع بقية الشخصيات، فالكلّ متورّط في الوجع النفسي حسب نومة دليلة مفتاحي.

الشخصيات مركبة، مزعجة، تركيبتها النفسية والجسدية تثير السؤال جميعها مشوهة، لا وجود لشخصية سليمة وكأننا بمخرجة العمل تكشف قبح الاكتئاب ومدى تأثيره السلبي على الروح وبتشوّه الروح سيتشوه الجسد حتما ” بالمسرح نسكن اجساد آخرين نتبناها نحبها ونخرج منها عندما يأمرنا المسرح بالذهاب الي اجساد أخرى متعه لا يعرفها الا المسرحيين” كما تقول دليلة المفتاحي.

“نومة” سؤال حارق عن الاكتئاب، محاولة للبحث في أسبابه وتمظهراته على جسد المريض وكيفية العلاج، عمل يوجه رسالة واضحة: انصتوا لأطفالكم، انتبهوا لتغيرات عاداتهم، حاولوا معرفة ما يفكروه فيه النهاية المزعجة، اما الكبار فتدعوهم لمحاولة الانتباه للذات والوقوف امام المرآة الداخلية وطلاح السؤال: هل ما امرّ به سببه نفسي؟ ولماذا انطفئت؟ فالسؤال اول بوادر النجاة ومراقبة الانسان لنفسه والوعي بذاته اول خطوات النجاة من جحيم غول الاكتئاب.

 

 

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.