“تريو وجدي الرياحي” في أيام قرطاج الموسيقية:  ماض و موسيقاك باقية  ..
في الموسيقى

“تريو وجدي الرياحي” في أيام قرطاج الموسيقية: ماض و موسيقاك باقية ..

الموسيقى شفاء للروح، سر ازلي لا نعرف كنهه، طاقة من المشاعر المتداخلة تنحتها الموسيقى في وجدان الانسان، انفعالات الفرح والحزن تتكاتف معا لكتابة سردية للحياة، للموسيقى…

بقلم admin5 دقائق قراءة

شارك المقالفيسبوكإكستلغرام

الموسيقى شفاء للروح، سر ازلي لا نعرف كنهه، طاقة من المشاعر المتداخلة تنحتها الموسيقى في وجدان الانسان، انفعالات الفرح والحزن تتكاتف معا لكتابة سردية للحياة، للموسيقى سحرها ولعوالمها المغرية ألف باب.

وجدي الرياحي اسم كتب بالحب وعجن بماء الموسيقى، تونسي اختار الة البيانو رفيقته للإبداع، كبر معها وتميز فيها، الى جمهور أيام قرطاج الموسيقية قدم وجدي الرياحي منجزه الفني الجديد ليلة من الحلم والهدوء، لقاء واسئلة تسكن المتلقي عما تفعله الموسيقى بالإنسان.

 

موسيقاهم بين التجديد والتجريب اللحني:

ثلاث الات على الخشبة، البيانو سيد القصة والكونترباص والدرامز، ثلاث الات اختلفت مدارسها الموسيقية، اجتمعوا في فضاء ابداعي ليكتبوا للجمهور سهرة من الخيال، موسيقى الجاز التي برع فيها وجدي الرياحي صحبة رفاق المشروع والفكرة تنساب تدريجيا في المكان وفي انعكاس الموسيقى مع الإضاءة الخضراء تحضر صورة القصور القديمة واللقاءات الرومنسية بين العشاق في فضاءات اضاءتها خافتة بينما نور الحب اكثر اشعاعا، موسيقاه تشبه في الكثير من النوتات الصلاة، تلك العلاقة المقدسة بين المخلوق وخالقه، لحظات الصدق والالفة تتفتح تدريجيا حتى يشع نور الموسيقى على كامل الحكاية وينير القلوب المثقلة قليلا.

“تريو الرياحي” مشروع موسيقي لوجدي الرياحي قائم على الجاز، يضم ثلاثة عازفين هم عازف البيانو وجدي الرياحي وعازف الكونتروباص “بازيل راهولا” وعازف الباتري “بيار هورتي”، تكون إثر تجارب مشتركة كثيرة جمعت الثلاثي على أكثر من ركح، تشاركوا حب الجاز ولعبوا موسيقاهم في مسارح عديدة، يلونون انماطهم الموسيقية من التراث الكلاسيكي للجاز الى النغمات العربية وموسيقى العالم، فسيفساء في الايقاعات والنوتات يكتبونها بشغف وجدية في “تريو الرياحي”.

ويضم المشروع مدوّنة موسيقية متنوعة الإيقاعات والنغمات، وتعبر كل معزوفة عن قصة حقيقية عايشها وجدي الرياحي وترجمها إلى ألحان، لكل لحن حكايته الخاصة، قصص الحب والخوف والنجاح، العلاقة مع الموسيقى والتجارب المختلفة جميعها تتحوّل الى لحن يسكن الذاكرة وحكاية تنساب هادئة بين انامل العازف ، فالموسيقى لموسيقى لا تكذب، وهي أعظم طريقة للتغيير في العالم.

امام جمهور أيام قرطاج الموسيقية  عزف الثلاثي مشروعه الجديد “تريو الرياحي” ولعبوا خمس مقطوعات وهي “المحمدية” من البومه الأول، ثم مقطوعة “للة فاطمة” الاغنية التي يحبها جده وكلما عزف على الكلافيي في بداياته يساله “هل تعرف اغنية للة فاطمة” وتكريما لروحه قدم كتابة لحنية جديدة للاغنية، كما عزف مقطوعة من البومه الجديد الذي سينزل في جانفي عنوانها sinionو عزف لجده “ذكريات عمر” وجميعها تجارب لحنية مختلفة يخوض غمارها وجدي وبازيل وبيار.

عزف وجدي الرياحي موسيقاه بكل الخشوع، صلاته متواصلة طيلة ساعة، رحلته مع نوتات الناي والاصوات الهادئة من الآلات الايقاعية تشبه في ابعادها رحلة شمس الدين التبريزي في بحثه عن نصف الروح، رحلة شمس باحثا عن جلال الدين الرومي او رحلة العشق كانت مسارا موسيقيا نحته ببراعة وجدي الرياحي واجمل لحظات التجلي تشبه رقصة الدروايش اثناء ارتفاع الروح عن الأرض، كذلك فعلت الموسيقى بالجمهور فاغلب الحضور مغمض العينين وكلّ يسافر الى مداراته التي يريد، مشهد يحيل الى مقولة التبريزي ” لا يوجد فرق كبير بين الشرق والغرب، الشمال والجنوب؛ فمهما كانت وجهتك، يجب أن تجعل الرحلة التي تقوم بها رحلة في داخلك. فإذا سافرت في داخلك، فسيكون بوسعك اجتياز العالم الشاسع وما وراءه”.

 

الموسيقى ذاكرة تقارع النسيان:

مهلك أيتها النوتات فلازال في القلب متسع من الامل، انفضي عن ذاكرتنا كل غبار الخوف وانتشري تدريجيا في شرايين القلب علنا نصحو من ألم المّ بنا، ها انت ايتها النوتات سيدة الحكاية فامحي من سجلاتك كل لحظات الوجع والخوف وعوضيها بمشاعر اللين والفرح، اسمحي لنا ايتها الموسيقى ان نستكين قليلا بين نوتاتك، نهدئ من عواصفنا الداخلية ثم نترك لك الفضاء لترتبيه كما تشائين، فنحن في حضرتك عشاق ومريدون.

موسيقاه تدغدغ الذاكرة وتحاول احيائها، بعض الايقاعات تخترق ذاكرة القلب وتتربع فيها، الى “بابا عمر” كتب مقطوعة “ذكريات عمر”، مساحة لحنية تتشابك فيها ذكريات الطفولة مع صرخة دفينة ووجع ينساب بين كل الالحان، موسيقى تحاول نحت الذاكرة في لحظة ما واستخراج جماليات المكان واللقاءات والفرح والتلقائية التي يحاول وحش اسمه “الزهايمر” محوها تدريجيا حدّ التلاشي.

ينهمك وجدي في العزف ويرتفع صوت جده في القاعة، ستشعر انه هنا فيك ومنك، صوت الجد الرخيم والقوي رغم تقدمه في السن ولحظات الود مع حفيده جمّعها وجدي في الحانه، صوت البيانو حزين كانه يصارع لغة لا تفهم وألما لا يعرف منتهاه، ولعلّ اقسى كلمة قيلت وسط الالحان “اه يا صحتي” ثلاث كلمات قصيرة ولكنها محمّلة بالحسرة والوجع، كلمات بسيطة اختصرت عمرا من المشي والحركة واللعب والحكايات والذكريات المتشظية، وكلما حاول “بابا عمر” تجميعها او ترتيبها تضيع من جديد، وبالموسيقى كتب وجدي الرياحي لجده ذاكرة أخرى وحاول الحفاظ على اهمّ ذكرياته القديمة علّ الموسيقى تكون السبيل الأوحد للشفاء والسكينة.

عزف وجدي الرياحي لجده ولكل مرضى الزهايمر، عزف نوتاته الهادئة لكل المتمسكين بالذاكرة والباحثين عن موطن للهدوء، عزف لأجدادنا، لحكايات الطفولة والذكريات الهاربة من القلب قبل العقل، عزف لجده موسيقاه المحمّلة بالمعنى، ليصبح “بابا عمر” من جد بسيط عرف وخبر سهول وجبال سليانة الى لحن هادئ يعرفه جمهور وجدي الرياحي في كل العالم.

وجدي الرياحي تجربة فنية مميزة، أحب العزف منذ الطفولة واختار البيانو ليرافقه، متحصّل على ديبلوم الموسيقى العربية سنة 2007 وقد بدأ شغفه بموسيقى “الجاز” سنة 2014 ليكون عضوًا في جمعيّة نادي الجاز بتونس كما تلقّى مشاركات ودراسات عديدة في الجاز ببلجيكا وإيطاليا.

انطلقت تجربته الاحترافية في 2016 بعد حصوله على التانيت البرنزي عن مشروعه “شمال افريقيا” في أيام قرطاج الموسيقية وتوج بجائزة احسن عازف بيانو وقدم المشروع أيضا على ركح مهرجان الحمامات الدولي دورة 2017، ثم عزف في نفس المهرجان مع نفس الفريق عام 2021 وبعد غياب خمسة أعوام يعود الرياحي بمشروع جديد الى أيام قرطاج الموسيقية، ليثبت قدرته على معانقة الحلم وكتابة موسيقى تحفر في الذاكرة وتدافع عن الانسان.

Go to Top