جائزة الجوهرة الذهبية لمسابقة الأفلام الوثائقية في الفيفاج : “بيلياتشو غزة” .. من قبح الحرب الى مساحات الحب
عن الفن و أهله

جائزة الجوهرة الذهبية لمسابقة الأفلام الوثائقية في الفيفاج : “بيلياتشو غزة” .. من قبح الحرب الى مساحات الحب

كيف يعايش الفنان الحرب؟ وكيف يحوّل المسرحي الخراب الى بوابة [...]

16 April 2026
0 دقائق

كيف يعايش الفنان الحرب؟ وكيف يحوّل المسرحي الخراب الى بوابة للحياة والأمل؟ ايّ دور للفنانين في غزة وما هي مسؤوليتهم تجاه انفسهم أولا وتجاه الأطفال الناجين من رعب الحرب وألمها؟ هكذا يطرح المخرج عبد الرحمان صباح اسئلته وهو يرافق “عم علوش” صديق الأطفال ومانح الفرحة وسط الحرب والنزوح.

“بيلياتشو غزة” هو عنوان الفيلم الوثائقي الذي رافق الفنان علاء مقداد، الفيلم يندرج ضمن المشروع السينمائي الجماعي “من المسافة صفر وأقرب” من انتاج مؤسسة “مشهراوي لتطوير السينما والسينمائيين في غزة”، الفيلم دعوة للامل وصدى لثقافة الحياة لدى أبناء غزة، وحصد جائزة الجوهرة الذهبية في مسابقة الفيلم الوثائقي الطويل ضمن فعاليات الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي لسينما الطفل والشباب.

من وسط الدمار تشعّ ألوان الفنان بالأمل والحياة

الفن وُجد لمواساة أولئك الذين كسرتهم الحياة مقولة لفان غوغ تنطبق على احداث فيلم “بيلياتشو غزة”، فالفيلم سردية للأمل والحياة المنبثقة من وسط الخراب، الفيلم يسائل الفنّ ويحاول إيجاد أجوبة عن كيفية الحياة وسط الخراب وقيمة الفن زمن الحرب.

“بيلياتشو غزة” فيلم يعتمد على المتناقضات والصراع الخفي بين الفرح والترح، الموت والحياة، قدم مساحتين لونيتين، الأولى يسيطر عليها الرمادي بسبب كثرة الدمار، اما الثانية الوانها ناصعة وجميلة، الوان زيّ المهرج (اخضر فاقع، احمر، اصفر) بكل ما تحمله من دلالات الفرحة والحياة، فهذه الألوان هي رمز للمقاومة في مدينة تتعرض للتدمير العسكري الممنهج، صرخة للحياة ضدّ كل الوان الخراب.

الفيلم صرخة للحياة، واقتراب درامي من ملامح الامل وسط زخم الموت، بطله مواطن وفنان غزاوي يعاني من إعاقة (قصير القامة)، ينزح مع عائلته ويعيش لسنة ونصف تحت الخيام وتعبها ولكنه يحاول سرقة حقه في الحياة وزرع الضحكة على ملامح أطفال ارعبتهم الحرب واجبرتهم على ممارسة الخوف اليومي.

 “المهرج”  بازيائه البراقة وشعره الملون واغانيه المفرحة ليس ترفا والضحكة المرسومة على ملامح الأطفال ليست بترف أيضا بل ضرورة، فعلوش المهرّج يرى من واجبه اسعاد الأطفال ببعض الحركات البهلوانية والألعاب البسيطة، فالفنان باعث للحياة ومدافع عنها، للفنان مسؤولية تجاه أبناء شعبه لنصرة الفرحة رغم قبح الحرب وبشاعتها على غزة واطفالها.

ترافق كاميرا المخرج عبد الرحمان صباح “علوش” في رحلة الشتات، تقترب كثيرا من تفاصيل الحياة اليومية، معاناة أب مسؤول عن إعالة العائلة ومسؤولية إضفاء بعض البهجة على ملامح أطفال غزة النازحين من الحرب، الشخصية رغم معاناتها تميل الى الامل وتحاول زرعه في المحيطين، يعيش المهرج “علوش” على امل انتهاء الحرب والعودة الى بيت العائلة، يستحضر ذكريات الحرب وما قبلها مع عائلته الصغيرة، يزرع الامنيات في قلب طفلته (سوف نعود الى البيت وتعودين الى المدرسة، ستصبحين طبيبة)  ويبعث الفرحة في قلوب جمهوره من الأطفال  (فلنغني جميعا) ويمثل الطمأنينة للعائلة الموسعة (ستنتهي الحرب يا امي ونعود الى البيت لا تخافي)، فيلم مليء بالمشاعر المتناقضة، يختصر وجع الحرب وإرادة الحياة التي تسكن أبناء غزة.

يمشي المهرج في رحلة العمل والحياة لمسافات طويلة، زاده بعض الحكايات والألعاب المصنوعة من مخلفات الحرب، بعض البالونات الملونة ينفخ فيها السعادة ويحاول تقديمها للأطفال، الذين يتجمهرون حوله في كل عرض ويحملونه عاليا مرديين “عمو علوش”، مشهد التحام الفنان بالأطفال، ألوانه الفاقعة وسط صمت الخيام يشبه لحظات النور الأولى بعد طل ليلة مظلمة، رسالة امل يتحدى بها أطفال غزة العزّل المنظومة الحربية الصهيونية، ليخبروا العالم انطلاقا من السينما ان على هذه الأرض ما يستحق الحياة وشعبها لا ولن يهزم.

الفيلم وثيقة أخرى عن النزيف الغزاوي

السينما مساحة لنقل الحقيقة وايصال أصوات الشعوب، أحيانا تكون الصورة لوحدها حمالة معاني تختصر الوجع دون الحاجة الى كلمات وهو فعله الفنان بعد عودته الى غزة، يتجوّل صامتا وكأنه في لحظة خشوع يبحث في ذاكرته عن سكان المنازل المهدّمة ويتذكر كيف كانت الحياة أجمل قبل الخراب.

 وسط أكوام الرّكام يجد صورة لطفلة صغيرة والى جانبها دمية، حلم آخر قصفته صواريخ الاحتلال الصهيوني، كلما مرّ بمكان له فيه ذكريات او وجد إشارة الى طفولة كانت هناك يكتفي بنظرات الى الأفق وزفرة موجعة ويواصل مشواره، اختار علوش الصمت في الكثير من المشاهد تاركا لجسده فرصة التعبير من خلال عبرة او زفرة وأحيانا دمعة خجولة تعانده في الصلابة والقوة.

الفيلم وثيقة حية عن معاناة أبناء غزة وسكانها منذ اندلاع الحرب، مشاهد الخيام ووجع الشتات تنقله كاميرا المخرج بحرفية وشاعرية، تتبع الحكايات والسؤال المؤرق: هل تنتهي الحرب؟ هل سنعود الى بيوتنا؟ واجابات شبه يائسة منها في 1948 اجدادنا قالوا انهم سيعودون والى اليوم لم يرجعوا؟ هذا الصراع بين أمل خافت في انتهاء الحرب وحقائق عمرها سنوات توجع علاء الفنان المتمسك بالأمل (اجدادنا بقوا فقط خمسة أيام وانتهت الحرب، لكن نحن صامدون منذ 700يوم، لذلك سنعود) حسب قوله.

 فالفيلم يقدم للجمهور وجع الحرب وتأثيرها على سكان غزة دون السقوط في المباشراتية او الافراط في صور الخراب، فالمخرج اعتمد أكثر على تكثيف المعنى وترك للنظرات المكسورة أحيانا والاجساد المثقلة بالرحيل مساحة للبوح وما جحافل الناس محملين بأدباشهم يجرّونها بمجرد انتهاء الحرب الا دليل على شدة تمسك الناس بارضهم وبقايا المنازل (اذا لم نجد بيتنا، نضع خيمتنا فوق الركام، المهم ان نكون على ارضنا ونعرف جيراننا) كما قالت الجدة حين سألت عن فرضية عدم إيجاد البيت بسبب الحرب.

“بيلياتشو غزة” فيلم وثائقي رافق فنان في مراحل النزوح بسبب الحرب، التقطت الكاميرا تفاصيل الصراع اليومي للبقاء على قيد الحياة من البحث عن الحطب الى محاولة تدفئة الخيمة في الشتاء القارص ورائحة القهوة تعطر الفضاء فذكريات العائلة السند الأول لنجاح ابنهم الفنان، رحلة الشتات والهروب من جحيم الحرب الى معاناة الجوع والتعب نقلتها كاميرا المخرج دون السقوط في هوة الاستعطاف للمتفرج بل قدم فيلما يخاطب العقل قبل الوجدان، وصور جد مميزة، عمل على جمالية القبح ونجح في ايصالها الى الجمهور.

 الفيلم صوت للأمل وتجسيد لثقافة الحياة وسط الحرب والخراب، لقاء انساني بين مهرج وجمهوره من الأطفال لوّن المكان والمساحة رغم وجيعة الخوف وترددات صدى الصواريخ في المكان والذاكرة.

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.