كبر الحلم وأصبح واقعًا، وتحقّقت أحلام الشباب في ممارسة شغفهم في المسرح والصعود على الخشبة ومواجهة الجمهور وتقديم رؤيتهم الفنية الناقدة للواقع السياسي والثقافي التونسي. الدفعة الثانية لمدرسة 77 قدّموا للجمهور ملحمتهم المسرحية الخاصة بهم، وعبثوا بكل الأسئلة، وقدّموا للمتفرّج طرحًا بديلًا عن ثنائية المسرح والسياسة، في عمل حمل عنوان “0”.
المسرحية من إخراج معز القديري وإنتاج “بروديكسيون 77”، وشارك في أدائها كلٌّ من: أحمد بالحسن، وأميرة العريبي، وأسماء حمزاوي، وعبير عبدلي، وأميرة منصور، وأرجان بن صالح، وعزّة التواتي، وآمنة بوعلاقي، وفاطمة كردوس، وفدوى الدهماني، وإلهام بريني، وإيمان بن حميدة، وكثير ثامر، ومروى كافي، ومكرم العابد، ومهدي بن الشيخ، ومحمد حمادة، ونادية يحيى، ونسيم بلطيفة، ورفيق بوخريس، وريم عرقوبي، وصابرين بن مسعود، وسوار بن حمزة، ويوسف ساسي.
الممثلون بين جنة اللعب وجحيم السؤال
يكتب الممثلون تفاصيل الحكاية ونجاحها، فحركاتهم وطريقة اللعب تقنع المتفرّج وتحمله إلى عوالم القصة المطروحة، وإلى الانصهار مع الأسئلة الكثيرة المبطّنة بين جمل الحوار المسرحي. مجموعتان من الناس يجلسون على كراسٍ متقابلة، جلستهم تشبه جلسة فريقين متنافسين متناظرين، ملابسهم ملوّنة حدّ تشتيت الانتباه، فالملابس ستكون بوابة أخرى للنقد استُعملت في المسرحية، لا وجود لديكور، وحدها الكراسي ثم جسد الممثل يستعملهما صانع العرض لإيصال شيفرات مسرحيته.
أجسادهم سبيلهم الأول للدفاع عن شخصياتهم وإيصال رسائل العمل، ملابسهم ملوّنة، وحركاتهم مشوّهة مرتبكة، هم عيّنة من مجتمع أكبر، يهربون إلى الفوضى حتى لا يواجهوا حقيقتهم وواقعهم، على الخشبة وضع معز القديري نماذج من المجتمع التونسي لينقد العديد من الظواهر السلبية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالمسرح كان وسيبقى الدعامة الأولى للحرية، والخشبة بإمكانها أن تتشرّب كل الرغبات الصارخة باسم الحرية والإنسانية في أبهى تجلياتها.
شخصية “مفيد” في بداية العمل كانت انهزامية ضعيفة، وبعد شربها من الماء المحلّى تحوّلت إلى بطل خارق، لا يكذب ولا يسرق، يقول الحقيقة، يعمل بصدق، يحترم القانون، يحترم وطنه ونواميسه، لا محسوبية ولا فساد، هذه الصفات الخارقة للعادة تجعل من مفيد سيّد الحكاية، قبلة الباحثين عن النجاة من واقعهم، يحوّلونه إلى أسطورة، يضعون فيه بعض الصفات الإلهية وكأنه من الأولياء الصالحين، يحاول مفيد المواجهة مع القوى الخفية المتمثّلة في صوت غيبي يستهزئ من قدراته ويحاول ثنيه عن صفاته الجديدة، صراعٌ مضحك ومواصفات خارقة أكثر إضحاكًا، فنحن في بلد “النص نص” كما تقول المسرحية، لدرجة أصبحت الجدية في العمل واحترام القانون أمرًا خارقًا تخرّ أمامه الجباه.
قامت المسرحية على ثنائية الكوميديا والتراجيديا، لعب الممثلون ببراعة شخصياتهم وانصهروا في أفكارها وحكاياتها، أضحكوا المتفرّج وفي الوقت ذاته دفعوا به إلى جحيم السؤال، فالممثلون كانوا حمّالي النجاح في المسرحية، تحمّلوا ثقل الحكاية وقدرة القديري على تطويع النص لنقد الواقع، نجحوا في المواجهة مع الجمهور وخرجوا من منطقة المشاهدة إلى فضاء لعب الممثل وإقناع الجمهور.
المسرح فعل سياسي بامتياز
المسرح ممارسة نقدية وفعل إبداعي يتجرّأ على كل الممنوعات، يخلع أبواب السياسة ويقتحم معالم الدين ويكشف للمتفرّج خبايا هفوات الإنسان ومدى تقصير المسؤولين والمواطن في خدمة البلد والمجموعة، المسرح فعل سياسي، منه انطلق أبناء معز القديري لينقدوا ملامح الواقع التونسي ويفتحوا للمتفرّج أبواب التأويل من خلال الكوميديا السوداء، فللضحكة تأثيرها السريع على الإنسان، وكاتب النص يعرف جيدًا كيف يلائم بين الضحكة والفعل النقدي ليوصل كل رسائل المسرحية.
تدور الأحداث في الصحراء التونسية، والمناسبة افتتاح محطة لتحلية مياه البحر، وستنقل للجمهور أوجه الصراع، أولًا بين الحكومة والبحر، وثانيًا بين الحكومة والشعب.
أبطال القصة مجموعة من العملة يشتغلون لأشهر طويلة دون راتب وينتظرون يوم الافتتاح علّهم يحصلون على حقوقهم، ومسؤول العملة الانتهازي الباحث عن ترقيته الخاصة، ومسؤول “وزير” يتقن فقط فن الخطابة، ومجموعة من إعلاميي المؤسسة العمومية الهاربين من مسؤولية العمل والباحثين عن الأخبار البسيطة.
جميعهم سيشكّلون فسيفساء من حيث اللون وطريقة الحكي والتفكير، لكل شخصية ملامحها الخاصة وطريقتها المختلفة لإيصال وجعها أو حقيقتها، هؤلاء جميعهم باختلافهم يضعهم مخرج العمل في فضاء مربّع الشكل حدّده منذ اللحظة الأولى بالكراسي، وكلّما حاولوا تجاوزه يرجعون وكأنّ بقوة خفية تشدّهم إلى المكان.
عنوان المسرحية بالفرنسية “O Titre sans raison”، ويُختصر على الملصق إلى الرقم “0”، وفي دائرة اللامعنى ستتحرّك شخصيات المسرحية وتصنع الفوضى على الخشبة، فوضى الحركة، وفوضى اللباس والألوان، وفوضى الأفكار المبعثرة، جميعها يجمّعها المخرج تدريجيًّا لتشكّل بوابة يدخل منها المتفرّج إلى فضاءات النقد، فمن الفوضى يكتب القديري دستورًا جديدًا للحرية والنقد الذي يمارسه دائمًا على خشبة المسرح.
ساعتان من الضحك، ساعتان من التناصّ الكلّي بين الابتسامة وآهة مكتومة يطلقها المتفرّج في تماهيه مع القصة، فالكوميديا السوداء مطيّة استعملها كاتب النص وأبدع الممثلون في تقمّصها، على الخشبة أجساد بعضها دون أسماء أو هوية واضحة، يتحرّكون في دائرة اللامعنى، يحاولون التأرجح بين المتناقضات، بين جدية العامل وعدم التزام الوزير، بين خصاصة العمال وثراء أصحاب السلطة، بين قلوب متعبة من شدة العمل وملابس موشاة بأجمل الألوان وكأنهم في حفلة، المتناقضات بين المنطوق والفعل تخلخل الصورة وتشتّت الترتيب الكلّي للأفكار، وتدفع بالمتفرّج إلى عوالم الضحكة المحفوفة بألغام النقد وتعرية القبح الاجتماعي والسياسي، وكشف جزء من هنّات البلد ومعاناة مواطنيه على خشبة المسرح.
مسرحية “O” تجربة التزام أخرى يعيش غمارها معز القديري مع أبناء مدرسة 77، ملحمة للنقد وتعرية القبح المتفشّي في الإنسان التونسي، نصٌّ مكتوب بوجيعة فنان على ضياع الحقوق والحريات في بلد، وشاعرية فنان يحاول الالتزام بقضايا المهمّشين في أغلب أعماله، مسرحية تلتزم بالدفاع عن إنسانية الإنسان ورجّ المتفرّج علّه يستفيق من غيبوبة اللامبالاة.