الرواية ملاذ آمن يهرب إليه الكاتب لينقد ما يزعجه دون الخوف من ردّة فعل القارئ أو السلطة، فالرواية مجال للخيال ولا يمكن محاسبة الخيال. الرواية فضاء وضع فيه ماهر عبد الرحمان شخصياته وحرّكها كما يشاء، ألبسها لبوس السياسة وجرّدها من ملامحها الإنسانية لتصبح مجرّد تشوّهات وكائنات متوحّشة وظالمة، ونزع عنها الصفة الإنسانية لتصبح مجرّد أشباح تعيد حكي التاريخ كما شهدت عليه، فالرواية مجال للتأريخ وإن زُيّنت بالخيال. “الرواية ليست تأريخًا، بل لا تعدو أن تكون سردًا لحكايات وأحداث يعرفها بعضُ من عايشها أو تناقلتها الأجيال في شكل قصص وأساطير”، كما جاء في تقديم الرواية.
هكذا يمكن استنطاق شخصيات “أشباح السقيفة” لماهر عبد الرحمان، الرواية الصادرة عن دار مسكلياني في 284 صفحة، وقدّمها عيسى الجابلي؛ هي تجربة سردية سياسية واجتماعية نقد من خلالها الكاتب سيرة التونسيين كما رآها.
التلوّث والصراعات السياسية من الرواية إلى الواقع
الفنّ الشاهد الأكبر على كل الحقبات التاريخية، يؤرّخ ويعيد إلى الذاكرة جزءًا من التاريخ، بعضه تساقط من الكتب المدرسية وآخر أُسقط حتى من الذاكرة الشعبية، فلكلّ قرية أو مدينة تاريخها الخاص. وفي روايته “أشباح السقيفة” اعتمد الكاتب ماهر عبد الرحمان الجغرافيا ليحكي بأسلوبه السردي العميق جزءًا من تاريخ تونس المعاصر عبر شخصيات متخيّلة وأخرى حقيقية ساهمت في تاريخ تونس الحديثة.
“أشباح السقيفة” صدرت عن دار مسكلياني، ومنذ الغلاف يحمل الكاتب قرّاءه إلى بوابات التأويل والسؤال، فالغلاف سيطر عليه اللون الرمادي متدرّجًا حدّ البياض، وفوقه رُسمت شخصيات أو كائنات غير مسلوبة الملامح، لُوّنت بالأزرق والأحمر ومسحة من الأسود، أغلب هذه الكائنات ذكورية دون شعر على الرأس، شخصيات الرسام سمير بن قويعة الموغلة في الترميز هي أوّل فضاء للقاء مع شخصيات ماهر عبد الرحمان الروائية.
الرواية سياسية بامتياز، عرّت الممارسات السياسية الديكتاتورية وقدّمت للقارئ جزءًا من سردية هذا البلد، اختار الكاتب جغرافيا الساحل التونسي فضاءً للحكاية، واتّجه إلى القرى الصغيرة ليقدّم مساهمة أبنائها في الحركة الوطنية أولًا، وفي بناء الدولة الحديثة في مرحلة ثانية، فقرى الساحل لم تكن بمعزل عمّا يحدث في العاصمة مركز الحكم.
نقد كاتب الرواية منظومات الحكم بأسلوبه السردي الموغل في الترميز، ونبّه القارئ إلى الأخطاء التي ارتكبتها الشخصيات السياسية، وسلّط الضوء على الاغتيالات التي تعرّض لها بعض الموالين للمستعمر الفرنسي قُبيل الاستقلال، وأشار إلى الصراع الخفيّ بين أبناء الحزب الدستوري التونسي بشقّيه القديم (الغرانيط) والجديد، ونقل جزءًا من الخلافات بين البورقيبيين واليوسفيين والدم المسفوك تحت غطاء السلطة.
حضر الساحل التونسي بموروثه السياسي والثقافي والغنائي والديني، وفي الرواية يكشف الكاتب عن الصراعات الخفية بين الموالين لبورقيبة والرافضين له، وتحدّث عن طرده من القصيبة في إحدى الزيارات الميدانية، كما تحدّث عن الصراع الحداثي/الديني ومسألة الزوايا ورفض النظام البورقيبي لوجود بعضها، صراع كان الخاسر الأكبر فيه السلطة وممثّليها: “يمكن للناس أن يغفروا لك أخطاء كثيرة أو يغمضوا أعينهم عن التجاوزات، لكن لن يغفروا لمن يمسّ شعائرهم ومعتقداتهم… الجنرال بونابارت فهم ذلك وتمكّن من السيطرة على مصر باللعب على الدين”.
يحمّل ماهر عبد الرحمان روايته العديد من القضايا، ولعلّ من أبرزها التلوّث، تحديدًا تلوّث البحر في القصيبة وخنيس بسبب معصرة الزيت المبنية منذ أواخر القرن التاسع عشر أولًا، ثم المنطقة الصناعية بالمنستير التي تصبّ أغلب فضلاتها في بحر القصيبة وخنيس: “بدأ تلوّث البحر منذ إنشاء معصرة الزيت التي كانت تلقي بأطنان من سوائل المرجين في البحر حتى تغيّر لون المياه وأصبح بنّيًّا، وامتلأ القاع بموادّ لزجة سامة، بعدها أُقيم مصنع لموادّ التنظيف تصبّ مخلّفاته من الكلور وهيدروكسيد الصوديوم مباشرة”، هكذا يكون الحديث على لسان الشخصية الروائية.
أمّا الواقع فأكثر بؤسًا، لأنّ لون المياه في القصيبة ولمطة وخنيس يميل إلى الأحمر مع رائحة كريهة ونفوق العديد من الحيوانات البحرية نتيجة تلوّث مياه البحر بسبب مصانع النسيج ومنطقة التطهير، والأهمّ سياسة بيئية فشلت في التعاطي مع تلوّث مياه البحر منذ الستينات إلى اليوم، فالرواية ليست خيالًا، بل تقدّم للقارئ العديد من أوجه الوجع اليومي والقضايا الحارقة التي يحاول التغافل عنها في الواقع فيجدها بين صفحات الكتاب.
“أشباح السقيفة” متن روائي متقن الكتابة، عمل يمزج الكتابة الصحفية بالأسلوب الروائي، تجربة حكي مختلفة ينقد من خلالها ماهر عبد الرحمان العديد من القضايا والظواهر التي عاشها ويعيشها التونسي، محاولة نقدية لإيقاظ الضمائر المستكينة إلى الخنوع، ودعوة لإعادة قراءة التاريخ وفهم ما تخفيه سِيَر السابقين، فالرواية متن للمعرفة والنقد وبوابة أخرى لإيصال رسائل تدافع عن إنسانية الإنسان وتبرز قبح السياسة وسطوة الجاه انطلاقًا من عوالم الخيال: “أليس الخيال هو من يصنع الحقائق؟”، كما تتساءل الشخصية في الرواية.
موت الأب السياسي؟ بين الرمزية والتاريخ
تدور أغلب أحداث الرواية في الساحل التونسي، تحديدًا منطقة قصيبة المديوني التي تطوّرت من قرية زمن حكم البايات إلى معتمدية أواخر الثمانينات، كما تحضر بعض القرى والمدن الأخرى مثل خنيس وجمّال والساحلين من ولاية المنستير، وشربان من ولاية المهدية، و”حومة قابادجي” من ولاية سوسة، هذه الفضاءات المكانية ستتحرّك فيها الشخصيات صانعة الحكاية، سواء كانت حاضرة بالفعل أو من خلال فعل الحكي، فالحكي هنا سيكون وسيلة الشخصية الرئيسية لاسترجاع الماضي، ومنه تتبُّع سيرة “الأب” البيولوجي والفكري والسياسي.
“أشباح السقيفة” رواية تبدو للوهلة الأولى رحلة ابنٍ يبحث عن تاريخ عائلته، اختار له الكاتب اسم “مختار المديوني” ليلتصق الاسم أكثر بمنطقة القصيبة أين ستحدث أغلب صراعات الرواية، وفي رحلة البحث عن الذات سيكتشف سردية أخرى للبلاد والسياسة، فالرواية سياسية بامتياز، كأنها مرآة نشاهد فيها مختلف التحوّلات السياسية التي عاشتها تونس.
من خلال رحلة “مختار المديوني” عن أصوله سيعود معه القارئ إلى جدّه “عبد الرحيم المديوني” الذي اشتغل لفترة في جيش الباي محمد الصادق باي برتبة “مزارقي” أثناء حملة الجنرال زرّوق على الساحل لتحصيل المجبى، يخبرنا الكاتب أنّ “عبد الرحيم” كان فقيرًا، ولكن بالحيلة أصبح من الأغنياء بعد حصوله على هنشير زيتون في منطقة رأس المرج في الساحل، هدية من الباي ووزيره مصطفى خزندار، ثم كانت الهدايا إلى قايد المنستير وخزندار والزواج من شقيقة “الأمير الألاي بن عمر”، جميعها سُبُل الجدّ ليحافظ على مركزه، ومع الوقت نسي الناس أنه كان من الفقراء وتذكّروا فقط السلطة والجاه، وكانت السلطة لعنة سترافق العائلة وتنتقل عبر الجينات.
يمرّر عبد الرحيم سلطته وأمواله إلى ابنه عثمان زمن الاستقلال، ثم يتحصّل الحفيد مختار المديوني على السلطة والجاه ومعهما مشيخة القصيبة، ويواصل على نسق جدّه التزلّف للسلطة وتطبيق كل قرارات الحزب الحاكم دون تفكير، مختار المعجب جدًّا بشخصية الحبيب بورقيبة يكون اليد التي تقتل واللسان الذي ينقل للسلطة كل أحداث وحكايات أهل المنطقة وما جاورها، يشبه العجينة اللينة بيد السلطة، يحبّر التقارير في الأصدقاء قبل الأعداء، ومن خلال تتبّع سيرة مختار الأب يكتشف القارئ مدى قدرة الأنظمة على استمالة النفوس الجشعة إلى السلطة.
“الأب” في الرواية له العديد من الرمزيات، وأوضحها الأب السياسي، يحاول كاتب الرواية التخلّص من المنظومة الأبوية، فيضع شخصيته الساردة للقصة مختار المديوني الابن أمام امتحان الذاكرة ومحاولة البحث عن ذاته، يحاول قتل الأب البيولوجي والسلطوي والسياسي، ولكن يبدو أنّ التاريخ يشبه العجلة: “أحسستُ أنّ التاريخ عجلة كبيرة تدور مثلما هي على طريق الزمن، فتترك الآثار نفسها أينما حلّت، ولا يتغيّر إلا مشهد المكان وراكبو العربة… وها أنا اليوم في بداية دورة جديدة من تاريخ عائلة المديوني”، فيسقط الابن بدوره في عجلة السياسة ويواصل العمل مع منظومة بورقيبة ثم بن علي إلى حين الثورة التونسية.
هل يمكن قتل الأب؟ هل من السهل تجاوز المنظومة السياسية الحاكمة؟ هل السياسة لعنة والجاه غواية؟ وأسئلة أخرى يطرحها الابن مختار في محاولته لتبرئة نفسه من ظلم التاريخ ومدى تكراره للممارسات نفسها، فهل حاول الانسلاخ من سياسة الرشوة وكتابة التقارير التي مارسها الأجداد، لكنّ المنظومة الديكتاتورية جعلته فردًا دون قرار، فهو جزء من منظومة سياسية لا تعترف بقرارات الأفراد أمام ما تسطّره العائلة الحاكمة: “أتوقّع أن تقول: أنّى لزلَم نظام ديكتاتوري منهار مثلي أن يقدّم دروسًا في نقد الديكتاتوريات؟ نعم، لقد كنتُ في صلب المنظومة الديكتاتورية، لكنّ ممارساتنا لم تكن مبنية على أيديولوجيا قهرية، بل ديكتاتورية فيها الكثير من المحسوبية وتجاوز القوانين”.
الرواية بمثابة المرآة نشاهد فيها ظلال تونس من القرن التاسع عشر إلى اليوم، المنظومات السياسية الحاكمة، رغبة بورقيبة في حكم أبديّ، ثم انقلاب بن علي ورغبته في السيطرة أكثر على كل التونسيين، ثم الثورة التونسية وكيف انقلبت معها العديد من المظاهر السياسية وتغيّرات المشهد السياسي، ومحاولة الشباب للسيطرة على تونس ما بعد 2011 وكتابتهم لدساتيرهم على الجدران. في الرواية يرفض الابن “مهدي بن مختار المديوني” كل أشكال السلطة، يقتل الأب فيه وينتزع من ذاته كل تاريخ العائلة السياسي المتملّق ليحاول إيجاد ذاته الإنسانية، وقد نجح مهدي المهتمّ بالفكر اليساري في الانتفاضة على منظومته الأبوية، فهل يستطيع الشباب اليوم الانتفاضة على فكرة الأبوّة السياسية؟ فالرواية قراءة أخرى للواقع يختفي معها الكاتب خلف شخصياته المتخيّلة لينقل جزءًا من تاريخ البلاد السياسي: “الناس ينسون ماضيك بسرعة إذا أصبحت صاحب سلطة وجاه… إلا المؤرّخين، فإنهم لا ينسون، بل يهوون تقليب الجروح القديمة والنبش فيها لتسجيلها في الكتب حتى لا تُنسى”.