الابداع هو ان ترى ما يراه الجميع، ولكن تفكّر بطريقة مختلفة مقولة للبرت انشتاين منها انطلقت خولة حسني في كتابة سردية للذاكرة والحرية سمّتها “حياة” وهو اسم المسلسل انتاج التلفزة التونسية وإخراج قيس الماجري، المسلسل في حلقاته الأولى كتابة للجمال والتقاط مميز لتفاصيل تحرك شجن القلب والعقل معا.
“حياة” نوتة منفلة، أبدع في صياغتها كريم الثليبي ومزيج بين الحركة والصوت واسترجاع لقيمة الحب من خلال الموسيقى التي رافقت كل المشاهد، عمل يغوص في الذاكرة الجماعية للمكان ويستنطق الهوية في جميع ابعادها.

الموسيقى التصويرية لغة أخرى تخاطب القلب
كتبوا سردية جديدة للوجع، أبدعوا في نحت معالم الألم وصورت كما منحوتات الالهة والقديسين، صوت الة الناي المنفلت يشبه نداء النفير من اعلى الجبال ان عودوا الى الذاكرة، تمعنوا في تاريخكم واقرؤوا ما تخفيه الصحراء وجبالها من حكايات، هكذا هي صوت الموسيقى في مسلسل “حياة”، كتابة أخرى للسيناريو، نص يرافق الشخصيات وأبدع كريم الثليبي في استنطاق الذاكرة الجماعية.
موسيقاه تشبه لحظة الولادة، تلك الصرخة التي يطلقها الوليد بمجرد خروجه من مأمنه رحم الأم نفسها صرخة صوت رضا المحمدي وهو ينادي “سطوط” المقابل لجبل توجان يطلب عونه وبه يستجير.
موسيقاه صوت الذاكرة تتسرب كما المورفين بين الشرايين تنعش الذكريات، تشبه صفعة ضد النسيان ، كريم الثليبي ينفض الغبار عن ذاكرة شبه منسية ويعيد الى جمهور الدراما بعض حكايات الجنوب التونسي، لتحقق الموسيقى التصويرية لمسلسل “حياة” ردود فعل كبرى تجاه ايقاعات تشبه تونس في ثرائها وتنوع لهجاتها والوانها الموسيقية والحياتية.
الموسيقى سحر، من اعلى جبل بني خداش سيكتب الرحلة للتجول بالمستمع والمتفرج في ربوع ولاية مدنين وولايات الجنوب عامة، الجولة ستبدأ من “سطوط” الولي الصالح الموجود في راس جبل منطقة البحيرة ببني خداش وتصل التوازين والجليدات، تقول الاغنية “يا سطُـوط
يا مڤابل جـبـل تـوجـان
غير سخّر الوديان
حدّر معانا مـدنين..
علي بن عبيد يا ركزة الوادين جليدات و توازين..
طوّڤ على الحوش.. كان موش مكادة.. ومازال كيف العادة
حدّر بالمشطة على الصوّان “
“سطوط” ولي صالح في بني خداش و”علي بن عبيد” ولي صالح مقامه وسط مدينة، اما التوازين فاشهر قبائل ورغمة والجليدات احد فروع ورغمة ويوجدون أساسا في ولاية تطاوين والاغنية “وثيقة شعبية شفوية تروي حكاية راعي غنم أضاع ماشيته فأستنجد بولي صالح يدعى سطوط يقع ضريحه في منطقة البحيرة قبالة جبل توجان ودعاه لاستحضار بقية أولياء المنطقة الصالحين وتسخيرهم للعثور عليها.”
الموسيقى التصويرية للمسلسل كتبها كريم الثليبي بنظرة الفيلسوف، بعث الروح في كلمات منسية وأعاد للواجهة مناطق عديدة من الجنوب التونسي، في المسلسل لكل مشهد موسيقاه، لكل تيمة ايقاعها، وبأسلوبه الساحر تلاعب الثليبي بقلب المتلقي وبثّ موسيقاه كما الترياق في قلوب الباحثين عن رائحة الماضي.
من بني خداش الى جرجيس، بين حجارة صماء ثابتة في مكانيها وغابات زيتون تدافع هي هوية المكان وزرقة البحر تأسر العاشق تجول كريم الثليبي رفقة صناع الموسيقى حسين بن ميلود وصابر رضواني وسيرين الهرابي ورضا المحمدي ونجوى عمر وتسجيل وميكساج بشير غربال، لتكون الموسيقى التصويرية قراءة أخرى للعمل، تجربة حية وثورة موسيقية ابدع في صياغتها الباحث والفنان كريم الثليبي.
الشخصيات والذاكرة
تصنع الشخصيات ملامح المجموعة، يكتب الممثلين سردية أخرى للتقمص وامام الكاميرا تمحى صفة الممثل لشدة الصدق والتناص بين الشخص والشخصية، في “حياة” بعض الشخصيات هم نحن، وجوهنا في مرآة الذات اعادت خولة حسني كتابتهم باسلوبها المشوق.
حياة” اسم المسلسل، وأسم شخصية غائبة حاضرة، “حياة” هي نحن هي ارواحنا الضائعة وآلامنا المنسية، حياة صراع بين الحب والكره، بين الأسود والابيض، عمل يطرح العديد من المواضيع الاجتماعية والنفسية والانسانية، صراع لأجل الحب وسؤال عمن ينتصر الحب ام البشاعة والفناء..

اعتمد مدير المخرج على مشاهد فوقية لتونس اضافت للمكان سحره، أبدع مدير التصوير كتابة مشاهد تتماهى مع قصص الشخصيات وتبرز جمال المكان وإن كان خرابة.
في المسلسل “الزاوية” ليست فضاء درامي بل وجع جماعي وذاكرة مكان، غابات الزيتون وامتدادها صورة أخرى لجرجيس وورشة الطين ليست من الفراغ بل انصهار في ذاكرة المكان ونقل لقصص أجيال توارثت مهنة بعث الحياة في الطين من جربة لقلالة اين يصبح الطين عجينة لينة تشكلها أحلام النساء وايديهنّ كما تشاء.
في المسلسل التقى الشمال بالجنوب، هاجرت الروح الى الهناك، مشاهد جمعت المبدعين صالح الجدي في دور “الشيخ الطيب” وفوزية بدر في “اليامنة”، لكل منهما زاده الإبداعي وقدرته على تطويع الشخصية، صالح الجدي المتمكن من شخصياته يقدم دور شيخ الزاوية، ببرنسه الابض الناصع والشاشية الحمراء كالدم وجبة وبلغة تحمل قيم التسامح التونسي، حارس المكان من طمع الراسمالية، الثابت والمؤمن حد التماهي مع الألم، لكل مشهد اسراره واشدها تأثيرا لحظة السقوط على الأرض في الحلقة الرابعة.
ذاك التماهي الغريب والهدوء في الشخص منه اخذت فوزية بدر ملامح شخصيتها، نجدها بحرام عكاري، ووشام يذكر بسنواتها الكثيرة، حكيمة القرية وحارسة الذاكرة فيها، شخصية ابدعت في معانقتها فوزية بدر وعملت بمقولة الطيب صالح، شمال يحن الى الجنوب، فكانت اللقاءات بينهما انفلات لذاكرة جماعية، صورة عن لقاء صادق بين قامتين كل منهما يحافظ على لهجته وهويته ويحمّلها للشخصية ويفجّر المعنى قبل الفكرة.

الرقص….حرية دائمة
يصنع الجسد ما تعجز عن كتابته الاف الكلمات، مشهد اختزل مئات الجمل، رقصة شخصية “مريم” فاتحة ذراعيها تحت الزيتونة مشهد يلخص ذاكرة المكان، مريم الشخصية ابنة جرجيس تطل الى الجمهور في “فوتة مذهبة” و”تخليلة” و”عجار” و”كبوس” و”خلخال” وتضرب الأرض دائرة حول نفسها وكانها صوفي يحلق عاليا في سماء الحب والتحرر الكلي من اغلال الأرض، ترقص وكان صوتا ينفلت من الرض يقول على لسان محمود درويش:
وحدي أدافع عن هواء ٍ ليس لي
وحدي أدافع عن هواء ٍ ليس لي
وحدي على سطح المدينة واقف ٌ
أيوب مات ، وماتت ِ العنقاء ُ ‘ وانصرف َ الصحابة
وحـــدي . أراود نفسي َ الثكلى فتأبى أن تســاعدني على نفسي
ووحـــدي …. كنت وحدي
عندما قاومت وحــدي … وحدة الروح الأخيــرة
كذلك فعلت الشخصية، تشبه تانيت الهة الخصوبة فتحت ذراعيها راقصة وكلما دارت ارتفت قليلا حتى غابت ومعها ارتفعت روحها، مشهد الموت كتب بشاعرية مطلقة، لكل حركة ايقاعتها ورسالتها، مشهد لخّص ذاكرة كاملة لاناس لازالوا متمسكين بالأرض واللباس هوية وذاكرة وحضورا، وابدعت الممثلة زينب هنانة في تجسيد وجع مريم واحلامها المسروقة، وبإيقاعات الجسد صنعت الياذة للحرية.