“إلى زمنٍ جميل حيث الحكايات أبسط والمشاعر أصدق”، الى زمن القصص واللقاءات الدافئة الممزوجة برائحة القهوة وحنين الجدات، الى لحظات ترسخ في الذاكرة كما الوشم، الى فضاء الحكاية والحلم وثنايا السحر حمل زياد لتيم جمهور الدراما من خلال سيتكوم “باب البنات: صبرية في التسعينات”.
السيتكوم عن فكرة اصلية لوجيهة الجندوبي وسيناريو سامية عمامي ، تمثيل منى نور الدين ووجيهة الجندوبي وبيكا وزهير الرايس وناجي القنواتي، تجربة مزجت الكوميديا بالدراما لتقدم للجمهور عملا متكاملا كلمة وصورة وأداء ممثل.
لقاء الأجيال مساحة للأبداع
ساحرة هي لحظات الصدق واللقاء، ممتع هو التناص الكلي بين الممثل وشخصيته وجميلة الرحلة التي ابدعت في كتابتها سامية عمامي، الى السبعينات رحل الجمهور زمنيا وعاشوا فترة تاريخية جد مميزة، بألوانها، حكاياتها وموسيقاها.
الكوميديا صعبة، الكتابة للإضحاك أكثر صعوبة من الكتابة للتراجيديا، الكتابة للضحك مسؤولية مضاعفة وتحدي حقيقي نجحت في غماره السيناريست والممثلين، خيط شفاف بين الدمعة والضحكة نسجت خيوطه ببراعة كاتبة تتقن فنّ اضحاك المتفرج.
في زمن السبعينات وضعت السيناريست الشخصيتين المحورتين، تركية (منى نور الدين) وابنتها صبرية (وجيهة الجندوبي)، لقاء بين مدرستين في التمثيل قدّم في شكل مختلف، كوميديا مشحونة بطاقة النقد والرموز، الى السبعينات حيث الهدوء تعيش الشخصيتين، أم فقدت جزء من الذاكرة وابنة تحاول إرضاء والدتها بتوفير مناخ السبعينات مستعملة كل التقنيات الحديثة لذلك، السيدة منى نور الدين والمبدعة وجيهة الجندوبي في “باب بنات” صنعتا عالما من الجمال، قدمتا لجمهور رمضان كوميديا هادفة وناقدة، مواقف مضحكة وتثير السؤال في الوقت ذاته.
في السيتكوم تطل منى نور الدين بشخصية مختلفة، ام فاقدة لجزء من ذاكرة الحاضر وتعيش في السبعينات، هادئة، تمارس أعمالها المنزلية اليدوية (تصنع الصوف، تخيط الملابس) وتحث ابنتها على التعلّم، تؤمن بحرية المرأة وضرورة الاعتماد على الذات، منخرطة في الاتحاد النسائي وتدافع عن قضايا النساء، صورة الام الهادئة، المستمتعة بموسيقاها وفضاءها المكاني، لم تغادر البيت لسبعة أعوام وحين خرجت الى الشارع انبهرت بالبناءات الحديثة واتجهت مباشرة الى “الكافيشانطا”.
منى نور الدين الساحرة امام الكاميرا، في شخصية “تركية” كانت قليلة الكلام، عوّلت كثيرا على ملامحها لصنع الحبكة، صورة أكثر هدوء من شخصياتها السابقة التي جسدت فيها دور الام المتسلطة والقوية، منى نور الدين في تجربة أخرى بشغف طفولي يلازم عاشقة التمثيل وسيدة الشاشة التونسية.
“باب البنات: صبرية في السبعينات” سيتكوم يمزج التراجيديا بالكوميديا، مواقف مبنية على الضحك ولكنها محملة برسائل تنقد المنظومة المجتمعية الحالية وتشير الى المفارقات بين فترة السبعينات والعصر الراهن، بين مجتمع منتج وثان استهلاكي، بين لقاءات اسرية متينة وأخرى متشظية، بين الحاضر والماضي تتجول الكاميرا حاملة معها الحنين مغلفا بالسؤال عن جمالية اللقاء بين أبرز نجمات الكوميديا في تونس، مشاهد عديدة جمعتهما ولعل اجملها صبرية وتركية تشاهدان “ليليا” و”عروسية” في مسلسل منامة عروسية، فبعد 26 عام من اللقاء الأول جاء اللقاء الثاني اكثر صدق وتلقائية.
السبعينات فضاء الحكي والحنين
الى عوالم الخيال اتقنت سامية عمامي الرحيل، الى فترة السبعينات اصطحبت متابعي السيتكوم، جولة في ألوان تونس وحكاياتها، رحلة عبر الزمن ابدعت في توصيفها، واتقنت التلاعب بمشاعر المتلقي، في السيتكوم الكثير من الحنين، ألوان هادئة، “ماكينة” الخياطة الحاضرة في البيت، الصور العائلية على الجدران، إيقاعات موسيقية تعيد المتفرج الى فترة تاريخية أخرى، البعض عايشها والآخرين سمعوا عنها، السبعينات برموزها منها انطلقت سامية عمامي بشخصياتها وإليها يهربون كلما أنهكوا من ثقل الحاضر.
“باب البنات” سيتكوم كتب بالكثير من الصدق والحرفية، أكثر من خمسة أشهر كتابة وقبلها فترة البحث، نص ولد من لقاء جمع منى نور الدين بوجيهة الجندوبي، صورة فوتوغرافية تحولت الى سيناريو لعمل كوميدي/ درامي امتع الجمهور وقدم ضحكة حقيقية خالية من التهريج واستسهال الفعل الكوميدي.
سامية عمامي سيناريست وصانعة الخيال، نجحت في نحت ملامح الشخصيات والحفر في دواخلها لتكون بتلك الجمالية، لكل شخصية مساحاتها ولكل منها عوالمها المكتوبة بحرفية مطلقة، حوارات ثنائية ومشاهد بصرية وسرعة في الانتقال من زمن الى اخر أبدعت سامية عمامي في ايصاله الى جمهور الاعمال الرمضانية.
سامية عمامي متمرسة في الكتابة للكوميديا، لها تجارب عديدة ومن بينها سيتكوم “دار الوزير” و”لافاج” و”جنون القايلة”، كاتبة تتفنن في تحويل الخيال الى حقيقة وتمنح للكلمة روحا.
بين الممثل والشخصية تناص حدّ الحقيقة
في رحاب أداء الممثل واتقانه للشخصية بنيت الثقة بين المتفرج وصناع العمل، في “باب بنات” لكل شخصية مسارها الدرامي وقدرتها على التلون حسب الحكاية، الركيزة الأساسية للعمل المشاهد الثنائية لمنى نور الدين ووجيهة الجندوبي، كل منهما مدرسة في أداء الممثل، من خلال الشخصيتين طرح مواضيع تهم الذاكرة الجماعية أساسا “فترة السبعينات مغرية للكتابة، هي مرحلة مهمة في تاريخ تونس ولذلك اردت ان تكون الاحداث في ذاك الوقت” حسب تصريح الممثلة وجيهة الجندوبي لبرنامج “رمضان شو”.
“صبرية” او “صابرين” الشخصية التي جسدتها وجيهة الجندوبي هي صانعة الحكايات ومحورها، ممثلة متمكنة جيدا من الأدوار الكوميدية ولها القدرة على مشاكسة المتلقي وجرجرته الى عوالمها، “صبرية” جسدت دور الانثى المضحية بحياتها، ومستقبلها لتعيش في خبايا الماضي صحبة والدتها، من خلال مواقف موجعة ومضحكة تنقل الشخصية للجمهور ما تعانيه المرأة من ضغوطات في الوقت الراهن عكس فترة السبعينات.
بني السيتكوم على ابداعات الممثلين، لكل عوالمه الخاصة ولحظات التجريب امام الكاميرا، لكل شخصية تأثيرها في الاحداث، “صبرية” شاركتها اغلب المشاهد صديقتها “دلال” المحامية، شخصية قدمتها الممثلة “بيكا” والاكتشاف في الكوميديا كان ناجي القنواتي في دور “شكيب” ناجي ابن المسرح والعالم بكل تفاصيل الخشبة وسحرها، قدم العديد من الشخصيات المربكة في المسرح ليثبت في سيتكوم “باب بنات” انّه ممثل قادر على انجاز اصعب الشخصيات، نجح في التراجيديا والكوميديا بحرفية المايسترو.
ممثل اخر لحضوره البهجة في ذاكرة متابعي الدراما الرمضانية، الممثل زهير الرايس قدم شخصية “رجاء”، في السيتكوم كانت الشخصية نقطة التحول في الاحداث ومشاعر الشخصيات، بحرفية عالية لعب شخصية مركبة، نجح في شد انتباه الجمهور ليكون “رجاء” من ابرز شخصيات الموسم الرمضاني 2026.
بين الصورة والنوتة مغازلة كلية للجمال
كتبت النوتات ملامح الحكاية وابعاد الشخصيات، بالموسيقى اخرجوا ما يخفيه الممثل في خبايا القلب، في السيتكوم كان للموسيقى التصويرية رونقها، ايقاعات ونوتات كتبت للمشاهد وللعمل أبدع في خلقها سيد الموسيقى رمضان 2026 كريم الثليبي، فالموسيقى التصويرية كانت الكتابة الثانية للنص والصورة، مزيج من ايقاعات تونسية وأخرى عالمية مزجها الثليبي ليصنع للمشاهد صورا تعادل جمالية ما نقلته كاميرا زياد لتيم.
في “باب البنات” كرمت الموسيقى التونسية وسحر اللحن ورونق الكلمة عبر شخصية “وردي” التي جسدها جهاد الشارني، ضابط الإيقاع وصاحب نادي الغناء، في شقته الهادئة تتوسط صورة علي الرياحي الفضاء وتنبعث اغانيه واغاني فترة السبعينات، في السيتكوم يستمعون الى شافية رشدي وعلي الرياحي وعليّة واغاني تلك الفترة التي قاومت النسيان وحافظت على ثباتها في المشهد الموسيقي التونسي الى اليوم.
في تكريم الموسيقى تكريم للذاكرة والارشيف، فحلقات “ام تراكي” و”حكايات عبد العزيز العروي” وخطابات الحبيب بورقيبة التي تشاهدها تركية جزء من تاريخ هذا الشعب، لحظة تناص بين المواطن وذاكرته واحتفاء بالارشيف وذاكرة البلاد والمكان، كما كرموا اللحظة الراهنة عبر مشهد للمبدعة الراحلة ريم الحمروني التي كانت جزءا أساسيا في سيتكوم “الحجامة” مع زياد لتيم ووجيهة الجندوبي، فالفن وسيلة للدفاع وحماية الفنان من النسيان.
“باب بنات: صبرية في السبعينات” تجربة اخراجية خاض غمارها مخرج منفلت، فنان له رؤيته الساحرة للأشياء، زياد لتيم المتفنن في جمالية القبح، فنان يحوّل الجدران المتهالكة وبقع الماء الآسنة الى لوحات مبهرة، زياد لتيم صاحب العين السحرية اعماله تشبه كثيرا عوالم الأطفال المغرية في الحكايات.
للجمهور قدم أجمل الصور وأكثرها عمقا، مشاهد ولقطات ترسخ للذاكرة، ذاكرة جيل وذاكرة بلد، من السفساري الى الستائر المعلقة في انسيابية لونية مبهرة، الى طريقة ترصيف المواد الاستهلاكية وألوان الفضاء الداخلي، جميعها مشاهد تختزل نظرة الفنان، لقاء الصورة وتوثيق لكل جميل، فزياد لتيم باعث السحر وصانعه سبق وأن جمعته مع وجيهة الجندوبي عملين “الحجامة” و”الخياطة” واثبت في كل تجاربه انه متفرّد ينثر الورد في طريقه الإبداعي ليزهر الوانا تدغدغ الذاكرة البصرية للمتفرج وتدفعه الى عوالم زياد لتيم السحرية.