فيلم “اركالا حلم جلجامش” لمحمد جبارة الدراجي: أطفال العراق .. ملاحم في الحرب
عن الفن و أهله

فيلم “اركالا حلم جلجامش” لمحمد جبارة الدراجي: أطفال العراق .. ملاحم في الحرب

تنفجر ينابيع الألم مرة واحدة، تتدفق الأسئلة وتحتشد جميعها: كيف [...]

12 April 2026
0 دقائق

تنفجر ينابيع الألم مرة واحدة، تتدفق الأسئلة وتحتشد جميعها: كيف يعيش الأطفال الناجين من الحروب؟ ايّ ثقل يحمله جسد الطفل وهو يصارع الخوف والفقر واليتم والتهميش؟ ما الذي يشعر به طفل وهو يشاهد والديه يُذبحان امامه؟ ما معنى كلمة إنسانية والأطفال تسرق احلامهم واجسادهم وتتلاشى بقايا أملهم في وقت الازمات؟ هل للكلمات القدرة على توصيف قهر الطفولة؟ ام وحدها الصورة لها القدرة لتجمّع كل ذاك الوجع في لقطة وتجبر المتفرج ليعايش حياة الضحايا ويتناص مع وجيعتهم، والصورة في فيلم “اركالا حلم جلجامش” للمخرج محمد جبارة الدراجي كانت الصورة الأخرى لوجع الطفولة في العراق.

“اركالا حلم جلجامش” سيناريو كل من شهد امين وكريم طريدية وشهد امين، الفيلم مزج الواقعي بالأسطورة ليقدم لمتابعي السينما صورة أخرى عن معاناة أطفال الحروب، عرض في اكثر من مهرجان واخر التتويجات كانت “الجوهرة الذهبية” في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة للمهرجان الدولي لفيلم الشباب والطفولة بسوسة.

الأسطورة ملجئ الهاربين من جحيم الواقع

تتداخل الميثيولوجيا السومرية مع الواقع العراقي الحديث، يعود جلجامش الى الحياة في صورة أخرى يعود الى الراهن في هيئة جديدة، جلجامش الملك السومري الذي حاول الدخول الى العوالم السفلية اركالا لإنقاذ صديقه على خطاه يحلم الطفل “شم شم”  (يوسف هشام) بالدخول الى دجلة لرؤية والديه، ويسيطر الحلم على الطفل حتّى يعايشه ويكاد يتحول الى حقيقة.

لقطات سينمائية مذهلة، ألوان غالب عليها البني الفاتح مع حضور كثيف للرمادي، حتى ماء النهر في الكثير من المشاهد يميل لونه الى الخضرة ألوان أغلبها تحيل عين المتلقي الى تيمة الحزن، فالفقد بكل تلويناته سيكون مادة فنية اشتغل عليها محمد الدراجي مخرج الفيلم لايصال بعض أحلام أطفال الحروب.

ابطال الفيلم أطفال الشوارع الذين قهرتهم الحرب، بطل الحكاية شم شم” طفل لم يتجاوز التاسعة من العمر، يعيش في القمامة ومن القمامة، يجمع القوارير البلاستيكية ويبيع المناديل، “شم شم” طفل سرقت الحرب ضحكته، مزروع في وجهه علامات الخوف والانهاك، طفل يحمل في قلبه ألم الفقد، يحاول الهروب الى الكتاب، فالقراءة تبث فيه بعض الطمأنينة، ومنذ مشاهدته صدفة لفيلم عن الملك جلجامش، أصبح الملك المجنح هاجسه، يرسمه كلما شعر بوهن الحياة وثقلها.

“شم شم” ليس وحده في سردية الوجع تلك، فهو يشارك الأطفال المعيشة، جميعهم ضحايا الحرب، أطفال دون مأوى ولا عائلات، ينامون في مراكب بحرية مهجورة، يحرسهم دجلة ليلا وفي النهار يجمعون بعض القوت عبر العمل، جميعهم يتشاركون في معنى الخوف والتيه، والأطفال في الفيلم هم عينة عن الاف الأطفال الذين سرقة منهم الحروب التي عاشتها العراق الفرحة والحياة.

“مودي”  (حسن رعد)الشخصية المتحكمة في الأطفال، مودي خبير المظاهرات، ومصورها، صاحب الثلاث عشرة ربيعا ولكن قسوة الحرب والحياة جعلتاه أكبر من عمره بكثير، يتحمل مسؤولية الجميع، ويشعر بمسؤولية تجاه “شم شم” واخته سارة، يجمع المال بكل السبل (السرقة، الشغب في المظاهرات، التعامل مع الميليشيا) ليجمع ثمن جوازات السفر الى هولاندا، حلمه الوحيد مغادرة العراق رفقة “شم شم” و”سارة”.

ينقل الفيلم التصدع في العلاقة بين الأطفال والبلد، “شم شم” الطفل الحالم يرى في وطنه اجمل الأمكنة ويغني له “وطني الغالي، انا اهواه طوال الزمن” اما صديقه مودي الموغل في الواقعية فينقل الحقيقة “عايشين زبالة احلى حياة، ناكل خبيزة بدون لحمات”، يواصل شم شم الايمان باحلامه “وطني الغالي فيه ازرع..انصر شعبي وقت المحن” ويحيب مودي “مظاهرات..دخانيات..ماكو شحن تلفونات”، هذا التناقض بين الطفلين هو صورة عن اختلاف وجهات النظر بين أبناء العراق نقلها المخرج في صورة صراع بين طفلين لكل عوالمه واماله وطريقته في الهروب من الحرب والخوف.

“جلجامش” اول ملحمة كتبت في التاريخ باللغة السومرية، اسطورة وظفها كتّاب السيناريو لتقديم واقع الطفولة في بلد انهكته الحروب، الطفل شم شم يتعرف على الملك المجنّح منذ طفولته المبكرة حين كان يحدثه والده حارس المتحف في البصرة عن جلجامش واركالا، وفي رحلة الشتات ببغداد يشاهد الطفل كهلا ينقذ

الأجساد المرمية في النهر فيصدق انه فعلا “جلجامش” ويحاول التقرّب اليه علّه يأخذه الى قاع النهر ليلتقي بأمه وابيه اللذان قتلتهما داعش ورمت بجثتيهما الى النهر.

يحلم “شم شم” بالدخول الى أعماق الماء للقاء والديه، يحلم “مودي” بالسفر، يحلم “عبد الله” بالاكل الوفير، جميعها أحلام بسيطة تداس تحت احذية عسكرية يلبسها مدنيين وميليشيات.

الفيلم يقدم صور موجعة عن مخلفات الحروب، اهدي الى كل أطفال الحروب، شاعرية مفرطة في التعامل مع الكاميرا، مشاهد مقربة تقدم للمتلقي تفاصيل الوجع الذي تعيشه الشخصية خاصة الأطفال، الوجوه الشاحبة، الأجساد النحيلة، والخطوات الثقيلة وسط الفوضى ودخان المظاهرات والالتزام بالقمامة، مشاهد سينمائية تلتقط التفاصيل وتقوم بعملة “الزووم” على الاعين المحبطة لتكون الصورة اكثر صدقا.

حين يتدفق نهر دجلة تتدفق معه اللقطات والمشاهد لمدينة لا تموت

للماء قدسيته في كل الديانات، وللنهر قدسيته في العراق من الحضارة السومرية الى اليوم، فالسومريين اعتبروا “أدكنا” عطاءا الاهيا مباشرا، هو رمز للحياة وللوجود هذا المعنى الأسطوري اشتغلت عليه كاميرا المخرج محمد الدراجي في تصويرها للنهر في فيلم “اركالا حلم جلجامش”.

 فأدكنا او “ديكلت” ثم دجلة هو شريان المدينة هو رمز للالهة “نمو” (المياه الأولى) التي تدفقت لتحيي المكان وتبعث فيه الخصوبة، حوله المنازل والزوارق، يعطي الحياة للناس ويمنحهم الموت أحيانا حين يأخذهم الى الأعماق، نهر دجلة صورة لمدينة بغداد، حضر النهر في الفيلم في لقطات متعددة، أحيانا يبدو وكانه شخصية إضافية، صامتة حينا، ثائرة مرات، فللنهر حكايته وموقفه مما تعيشه البلد من خذلان ومشاكل.

نهر دجلة النابض دوما بالحياة، المتمسك بحقه في السيلان ومساره الذي نحته منذ الاف السنين، في الفيلم اغلب اللقطات فوقية لتبرز بهاء النهر وامتداده، صور علوية من جسور بغداد ترافقها موسيقى هادئة تشبه سحر المدينة في صمتها ليلا، مخرج الفيلم اضفى قيمة معنوية ورمزية لنهر دجلة وأبرز مدى فاعلية النهر وتأثيره في سكان مدينة بغداد، دجلة ليس فقط مجرى ماء، بل تاريخ شعب وحضارة بلد، فمياه النهر في جريانها تبوح بحكايات هذا الفضاء وتتوارث عبر الأجيال جمالية السرد لمدينة تصنع الحياة وتعاندها حوالي النهر.

 حضر النهر بموسيقاه وحكاياته فهو ينصت لهموم الناس وأحيانا يصبح الحضن الدافئ لجثامينهم، ومصدر رزقهم وملجئهم بعد الموت، النهر الياذة للحياة تعيش على وقعها بغداد، فبين المدينة ونهرها مرّ “انكي” وصنع للمكان مجده الضارب في التاريخ، فكل شيء قابل للتغيير، الا مسار دجلة ثابت كأحلام الأطفال.

على خطى كوبايا تصنع الانثى سردية للحياة

حارسة الحلم رغم الوجع، شعر ابيض أشعث وحافلة بطابقين متآكلة تحاول انقاذ الأطفال، تعلّمهم الانقليزية والرياضيات والادب وفي الوقت نفسه توفر لهم وجبة الغذاء “الأستاذة مريم” الشخصية الإيجابية والراغبة في تزيين بعض القبح، باعثة بعض الامل في الأطفال والمكان هي الصورة الحديثة للملكة “كوبايا” اقدم ملكات العراق، فللأسطورة في الفيلم حضورها المكثف وللرموز المقدمة الكثير من الدلالات.

مريم قدمتها الممثلة سمر يحيى، الشخصية ضحية الحرب أيضا، قتلت المليشيات زوجها وابنتيها، لكنها لم تستسلم للوجع بل واصلت طريقها لتعليم أطفال الشوارع ومحاولة زرع بعض نور العلم في عقولهم الصغيرة، تقضي اليوم بحافلتها التي حولتها الى مدرسة ومطعم متنقلين، تعلم الأطفال، تمنحهم بعض الامل والألوان وسط سوداوية الحرب والمظاهرات ورائحة الدخان والغاز المسيل للدموع.

الأستاذة مريم تحمل المها في داخلها، وجيعة الفقد مرسومة على ملامحها الحادة ونظراتها الصارمة لكنها تحاول انقاذ الطفولة، تواصل دغدغة بعض الفرحة في ملامحهم شبه المطموسة، مريم في الفيلم تشبه البلسم فهي قبلة الأطفال ومساحتهم الصغيرة لبعض الفرحة.

 مريم تشبه بغداد، لا تنهزم رغم كل الجراح، بعد الألم تنهض من جراحها وتنفض عنها دخان المظاهرات وبقايا الرصاص وتستعيد بريقها، فالمخرج اعتمد كثيرا على اللقطات البعيدة والاضاءة الساطعة المنعكسة أساسا على الجدران الصفراء لشارع الرشيد، هذا المزج اعطى صورة مشعّة وكانها نور الشمس في إحالة الى جمال المدينة وعودتها للحياة بعد كل ظلمة، فبغداد مدينة لا تعرف الهزيمة ولا تعترف بالسقوط، لانها عنوان أبدى للجمال والحياة.

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.