دار العود التونسي…حين تلتقي الذاكرة الموسيقية بروح الحاضر

 

في قلب المدينة العتيقة بتونس، وتحديدًا داخل دار العود التونسي، تتعانق أنغام الماضي مع تطلّعات الحاضر، في فضاء تفوح منه رائحة العراقة، وتستحضر تفاصيله المعمارية والزخرفية ذاكرة المكان.

هنا، لا يبدو العود مجرّد آلة موسيقية، بل حاملاً لذاكرة موسيقية تتوارثها الأجيال، وتسعى إلى الحفاظ عليها من خلال مقاربة تجمع بين أصالة الموروث وروح التجديد.

فإنّ العود حكاية لا ترويها الأوتار وحدها، بل تختزنها الأخشاب التي احتضنت صناعته، والأيدي التي روّضت مادته، والأنامل التي أطلقت من جوفه ألحاناً تسكن الذاكرة.

 

وفي هذا السياق، التقى موقع لارتيستو مدير”دار العود التونسي” “أُنس غبار”، الباحث في تاريخ الموسيقى، للحديث عن خصوصية العود التونسي، وجذوره التاريخية، ومكانة المالوف في الذاكرة الفنية الوطنية، إلى جانب سبل المحافظة على هذا الموروث وتجديد حضوره لدى الشباب.

 

 

دار العود…بين المحافظة على أصالة الصنعة وروح التجديد…

 

دار العود هو مركز ثقافي خاصّ، تأسس سنة 2024 في قلب مدينة تونس العتيقة في دار “للاّ السيّدة” التي تتميّز بطابعها المعماري الأصيل وأجوائها التي تستحضر عبق الماضي، حيث يجمع هذا الفضاء بين الذاكرة وروح الثقافة، وذلك على يد المؤسّس الفنّان والعازف والملحن “زياد المهدي”.

 

إنّ تجربة دار العود التونسي لا تقتصر على تعليم العزف، بل تمتدّ إلى التعريف بالآلة وتطوّرها، مع الحرص على تقديمها في قالب عصري يستوعب التحوّلات الموسيقية الحديثة، بما في ذلك توظيف الآلات الإلكترونية.

وتظلّ صناعة العود جزءاً من هذه العلاقة بين الحرفة والموسيقى، إذ تؤثر نوعية الخشب المستعمل في خصائص الآلة وصوتها.

غير أنّ صناعة العود في تونس تواجه تحدّي قلّة الحرفيين المختصين، ولم يبقى سوى البعض من صنّاع العود التونسي من بينهم الهادي بالأصفر ولطفي بالأصفر ورياض غدير، وفق ما أفاد به مدير الدار

 

من الذاكرة الموسيقية إلى الحاضر

 

يمثّل العود جزءاً من الذاكرة الموسيقية التونسية، التي تشكّلت عبر قرون من التفاعل بين الثقافات والتقاليد الفنية.

وقد ارتبطت هذه الذاكرة بألوان موسيقية متعدّدة، من بينها المالوف التونسي، الذي حافظ على مكانته ضمن الموروث الموسيقي الوطني، بفضل أجيال من الفنانين الذين ساهموا في نقله وتطويره، ومن أبرزهم خميس ترنان وأحمد الوافي.

وبين الألحان التقليدية والتجارب الموسيقية المعاصرة، يظلّ العود حاضراً بوصفه أداة للتعبير عن الهوية الموسيقية التونسية، ووسيلة لإعادة اكتشاف الموروث وتقديمه إلى الأجيال الجديدة في صيغ تحافظ على أصالته وتفتح أمامه آفاقاً للتجديد، حسب السيّد “أنس غبار”.

 

تعليم الموسيقى…من الحفظ إلى الممارسة

 

تتميّز المقاربة البيداغوجية في دار العود باعتماد الحفظ والاستماع مدخلاً أساسياً لتعلّم الموسيقى، قبل الانتقال إلى التطبيق والعزف، وفق ما أوضحه مدير الدار.

وهي طريقة تستحضر تقاليد التعلّم الموسيقي القائم على التلقين والممارسة، حيث يكتسب المتعلّم الألحان تدريجياً من خلال الإصغاء والتكرار، ثم يجسّدها بالعزف.

ولا يقتصر التعلّم داخل هذا الفضاء على اكتساب مهارات العزف، بل يتّصل أيضاً بالتعرّف إلى الموروث الموسيقي التونسي وفهم خصوصياته، بما يتيح للمتعلّمين الاقتراب من المالوف وآلاته في أجواء تجمع بين التكوين الموسيقي والمحافظة على الذاكرة الفنية.

 

الشباب والمالوف…تراث يتجدّد

 

يمثّل حضور الشباب في دار العود فرصة متجدّدة لإستمرار الموروث الموسيقي التونسي وإنتقاله بين الأجيال.

ويعبّر مدير الدار عن سعادته برؤية الشباب منسجمين مع النوبة، في أجواء تستحضر أصالة المالوف وتعيد وصل هذا الجيل بأحد أبرز مكوّنات الذاكرة الموسيقية التونسية.

وفي هذا الفضاء، لا تقتصر التجربة على تعلّم العزف أو الاستماع إلى الموسيقى، إذ يجتمع روّاد الدار حول شغف مشترك، ليكونوا عازفين ومستمعين في آن واحد.

وهي علاقة تجعل الموسيقى ممارسة جماعية حيّة، يتقاسم فيها الحاضرون الألحان والإحساس، بعيداً عن الفصل التقليدي بين الفنان وجمهوره.

وهكذا، لا تبدو المحافظة على التراث مجرّد استعادة للماضي، بل ممارسة متواصلة تمنحه فرصة الاستمرار والتجدّد، وتفتح أمام الأجيال الجديدة باباً للتعرّف إلى هويتها الموسيقية والتفاعل معها بطريقتها الخاص.

 

إحياء الموروث الموسيقي وإستقطاب الشباب…

  • وفي حديثه عن واقع الموسيقى التونسية، يشير “أنس غبار” إلى ضعف حضور آلة العود والمالوف والموروث الموسيقي التونسي عموماً في الساحة الثقافية، وهو ما يطرح تحدّياً يتعلق بقدرة هذا التراث على مواصلة حضوره لدى الأجيال الجديدة.

ومن هذا المنطلق، تسعى دار العود التونسي إلى الإسهام في إحياء هذه الذاكرة الموسيقية، وإعادة الاعتبار لآلة العود والمالوف باعتبارهما جزءاً من الهوية الفنية التونسية، لا مجرّد تعبيرين ينتميان إلى الماضي.

ولا تقتصر هذه الرؤية على المحافظة على الموروث، بل تتجاوزها إلى البحث عن سبل تجديد حضوره وتقريبه من الشباب، من خلال فتحه على تجارب موسيقية معاصرة تتيح له مواكبة التحوّلات الفنية دون التفريط في خصوصيته.

وفي هذا السياق، كشف “غبار” عن مشروع لإقامة شراكات مع أكاديميات مختصة في الموسيقى وجامعات، بهدف توسيع مجالات التعاون وتبادل الخبرات، والإنفتاح على تجارب موسيقية مختلفة.

ويطمح هذا التوجّه إلى استقطاب مزيد من الشباب وتشجيعهم على اكتشاف تراثهم الموسيقي والتفاعل معه، سواء من خلال تعلّم العزف على العود أو التعرّف إلى المالوف وبقية التعبيرات الموسيقية التونسية.

وهي خطوة تراهن على جعل الموروث جزءاً من التجربة الفنية للأجيال الجديدة، بما يضمن استمراريته وقدرته على التجدد داخل المشهد الثقافي المعاصر.

وتتجلّى إستراتيجية دار العود في وضع خطّة مستقبلية لخلق شراكات مع أكاديميات وجامعات خاصّة لتقريب الشّباب من موروثه الفنّي ومن آلة العود.

كما تسعى إدارة الدّار إلى تقديم مشروع جديد تحت عنوان “المالوف العاطش” والذي ينتظر بدوره بوادر الدّعم من وزارة الثقافة حتّى ينسج خيوط الضّوء الأولى لكلّ روّاد الدار وللساحة الثقافية عمومًا.

 

هكذا، تفتح دار العود التونسي نافذة على ذاكرة موسيقية تسعى إلى استعادة مكانتها في المشهد الثقافي، واضعةً آلة العود والمالوف في صلب مشروع يراهن على التقاء الأصالة بالتجديد.

وبين تعليم الموسيقى، وصون الموروث، والإنفتاح على التجارب المعاصرة، تظلّ الرهانات معلّقة بقدرة هذا التراث على الوصول إلى الأجيال الجديدة وإستقطابها.

فالمحافظة على الذاكرة الموسيقية لا تعني الاكتفاء باستحضار الماضي، بل منحَه فرصة جديدة للحياة، حتى تظلّ الأنغام التي شكّلت جزءاً من الهوية التونسية حاضرةً في موسيقى الحاضر وملهمةً لأصوات المستقبل.

 

تمّت

حُرّرت في تونس · نُشرت الخميس 29 أكتوبر 2026

المقطوعة التاليةأيام قرطاج الموسيقية: الذكاء الاصطناعي والموسيقى، تهديد أم فرصة؟ في ظلّ التطورات المتسارعة ايّ تحديات لصناع الموسيقى؟moufidaاقرأوا ←

Leave A Comment

Go to Top