مسرحية “سرّ الأنحوتة” لمعاذ الرفاعي : ثوروا على الظلام واسرقوا شعاع الشمس لتحيوا
أيام قرطاج المسرحية

مسرحية “سرّ الأنحوتة” لمعاذ الرفاعي : ثوروا على الظلام واسرقوا شعاع الشمس لتحيوا

ماذا لو بعثت الروح في المنحوتات الموجودة في الشارع ماذا [...]

25 November 2025
1 دقائق

ماذا لو بعثت الروح في المنحوتات الموجودة في الشارع ماذا لو تكلمت، صرخت وعبرت عن سخطها او رضاها بما تعيشه من البشر؟ ماذا لو بعثت الحياة في تلك الحجارة؟ ما الذي ستقوله؟ هل لها أحلام وأفكار وانتظارات؟ وما الذي ستطلبه من الانسان؟ أسئلة تخامر المتفرج اثناء مشاهدة عرض “سر الأنحوتة” اخراج معاذ الرفاعي.

 المسرحية تمثل المملكة العربية السعودية في الدورة السادسة والعشرين لأيام قرطاج المسرحية، أداء معتز العبد الله وأسامة الحسن وزكي النونو ورزان وبندر الغانمي، ويوسف رضوان، تصميم أزياء وكوريغرافيا معاذ الرفاعي ومؤلف موسيقى أمجد العبد الله، وديكور لنهى مصطفى ونزار البصري وماكياج ومؤثرات ابرار الذبياني وإدارة خشبة كل من نسرين فرناندز ومحمد الافندي وعلي المباح ووسام الحسن، العمل من انتاج فرقة دار شارميسيو للفنون الادائية.

 

المسرحية لوحة تشكيلية موشاة بالوان الفرح والنقد

 

من نحن؟ ما هي حكايتنا؟ لم ترمي بكتاب النحات كلما أنهى الكتابة وتصميم عمل جديد؟ لماذا وحدنا؟ هكذا تطرح المنحوتات الثلاثة الأسئلة اثناء بحثها عن حقيقتها، هم ثلاث شخصيات تتحرك في فضاء واحد، يبدو ضيّقا، وحميميا، مليئا بدفء الحب بين المنحوتات الحجرية، هم يعرفون انهم من حجارة ولكنهم يسمعون النحات وبرغبة منهم لا يريدون التواصل معه، يبقون جامدين الى حين خروجه من المعمل ثم ينطلقون في احتفالية الحياة، حركاتهم بطيئة تشبه الحجارة تماما، في بعض المشاهد تصبح الحركة أكثر سرعة وتترك الحرية للجسد ليكتب عوالمه الخاصة، فلجسد الممثل القدرة على التعبير وايصال اصعب الشيفرات.

للكوريغرافيا حضورها في اغلب مشاهد المسرحية، فالعمل من تقديم فرقة “دار شارميسيو للفنون الادائية” وتعتمد الفرقة على لغة الجسد للتجديد في المشهد المسرحي السعودي، الكوريغرافيا او لغة الجسد الصاخبة تكشف الانسجام بين الممثلين وتماهيهم مع المتمّمات الركحية من اضاءة وموسيقى، فحين تصمت الافواه وتعجز عن التعبير، ينطلق الجسد ثائرا محطما كل اصنام الخنوع وصانعا لنفسه لغة خاصة تشببه في دفئه وامتداده حيث ضوء الشمس لا ينطفئ.

تماهى الممثلين مع الإضاءة التي قسمت الركح نصفين، الجزء الخلفي اقل اضاءة به شخصية رابعة واقفة تشبه الشجرة، جامدة، ساكنة فقط اغصان اليد تبدو للمتفرج، اما الجزء الامامي اين تجلس المنحوتات الثلاثة فأضاءته جيدة ومسلطة أساسا على وجوه الشخصيات لتبرز تفاصيلها المذهلة، عبر الإضاءة برزت جمالية اللون الرمادي لأزياء الشخصيات، لون الحجارة بعد نحتها، مع بعض من اللون البني، تسليط الإضاءة على كل شخصية كان وسيلة لقراءتها والتمعّن في تفاصيل كل حركة فالإضاءة تزخر” بدلالات تسهم جميع عناصر العرض في انتاجها بتوهجات تصل بالمتلقي الى حافة الدهشة والارتقاء بذائقته الجمالية الى مستوى متقدم من الادراك الحسي من خلال التفاعل التواصل مع المتلقي من خلال المسافة الضوئية على الخشبة” وفي العرض كان للإضاءة تأثيرها المباشر في الذاكرة الحسية للمتلقي.

في المسرحية هناك تجانس في الحركة، تناص بين المنطوق والأداء الجسدي، على الخشبة تحررت أجساد الممثلين ولاعبت سحر الحياة المنبعث في المكان، أداء الممثلين وتلقائيتهم اضفى جمالية على المسرحية، النص المنطوق باللغة العربية الفصحى مع إضافات أحيانا باللهجة التونسية والمصرية والخليجية، لإضفاء مساحة من الود مع المتلقي، الممثلين متمكنين جدا من شخصياتهم، لهم قدرة على الانتقال من حالة الى أخرى، كما انّ تجسيد دور “منحوتة” أي صفر حركة وصفر كلمة امر متعب جدا للممثلين ولكنهم كسبوا الرهان.

 

الفنان كما مارد القمقم يبعث الحياة في الحجارة

 

“سر الانحوتة” مسرحية تطرح العلاقة بين الفنان واثره، تبرز مدى حساسية الفنان تجاه منجزه الإبداعي، فالنحات في المسرحية يزور منحوتاته يوميا، يحدثها عن تفاصيل اليومي، يبوح لها بالشوق الى المحبوبة ويتعرّى امامها من زيف الخارج، يصنع لها عالم من الحب رغم سيطرة اللون الرمادي، هذه العلاقة تشبه علاقة الام بوليدها، والنحات في المسرحية يكون كما الاله له القدرة على بعث الحياة في الحجارة، فيبدع في تمرير الازميل، تسيل دمائه فيواصل العمل والحلم الى حين الحصول على نتيجة نهائية مذهلة، هذا الخالق، يبحث فقط عن مقومات الجمال ولا يدخر جهدا ليكون منجزه ابداعيا، ينفخ من روحه في منحوتاته “فعلا تتحرك، نحتها بالروح” كما يحدث احد الصحفيين المتطفلين.

“سر الانحوتة” العنوان عتبة العمل المسرحي وطيلة الساعة ستتساءل المنحوتات عن حقيقتها وقصتها، في المشهد الأخير يطرحون السؤال على النحّات فيخبرهم انه كتب قصصهم من اللحظة الأولى لخلقهم ولكن كل مرة يضيع منه الدفتر الأسود، للمنحوتات سرّ، فهي لم تنحت من الفراغ او لرغبة الفنان في خلق شيء جميل، بل هي توثيق للحظات العمر من الفرحة والحبّ، محاولة من النحات لإيقاف الزمن في لحظات محددة، فالمنحوتات الثلاثة جزء من روحه لا عمله فقط، المنحوتة الانثى هي “حياة” حبيبته، مانحة الازهار والحبّ، نحتها بأزهارها وجمالها، المنحوتة الثانية هي “صديّق” صديق العمر والرحلة لذلك كان مشاغبا ومفكرا في الوقت ذاته، اما المنحوتة الثالثة فهي “اناه”، ذاته المجيدة كما يراها حاول نحتها بتلك الصورة القادرة على اتخاذ القرار والتحكم في مصائر بقية المنحوتات.

“سر الانحوتة” عمل مسرحي فلسفي يبرز الصلة بين الخالق ومخلوقه، بين الفنان وابداعاته، تجربة تؤكد ان جميع البشر يشبهون الالة هناك من يتحكم في أفكارهم ومصائرهم، بعضهم تحركه العادة واخر يحركه الانتماء الديني وثالث الانتماء السياسي ورابع الانتماء لثقافة ما، الجميع في حالة استيلاب ولكن اذا تخلوا عن هذه الأفكار واكتفوا بمشاعرهم في اللحظة الراهنة تكون النتيجة مساحة للحب والفرح واللقاء رغم كل الاختلافات، فثوروا على التفرقة واصنعوا عالما ملوّنا بالحب.

مفيدة خليل 

 

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.