أوم…حين تغنّي الهويّة بلغة العالم

هناك أصوات لا تكتفي بأن تُسمَع، بل تحمل معها ذاكرة الأرض التي انبثقت منها، وتنفتح على عوالم موسيقية تتجاوز الحدود.
صوت «أوم»، الفنانة المغربية أم الغيث بن الصحراوي، واحد من هذه الأصوات التي تلتقي فيها روح الصحراء بإيقاعات إفريقيا، وتتقاطع فيها الذاكرة الموسيقية المغربية مع أصداء الجاز والسول، في تجربة فنية تبحث عن الاختلاف من دون أن تتخلّى عن الجذور.
بين الدارجة المغربية والتراث الحسّاني والإيقاعات القناوية، تنسج أوم عالمًا موسيقيًا لا يرى في الهوية حدودًا فاصلة، بل فضاءً للتفاعل والابتكار. عالمٌ يستمدّ قوّته من الذاكرة والتراث، لكنه لا يكتفي باستعادتهما، بل يمنحهما حياة جديدة من خلال اختيارات فنية تنفتح على تجارب وثقافات أخرى.
فمن هي أوم؟ وكيف استطاعت أن تجعل من جذورها نقطة انطلاق نحو العالم، ومن اختلاف الخلفيات الموسيقية لغةً تعبّر بها عن نفسها؟
هذا البورتريه محاولة للاقتراب من تجربة فنانة اختارت أن تنتمي إلى أرضها، من دون أن تحصر موسيقاها في حدودها.

الجذور الأولى لأوم
وُلدت أوم، أو أم الغيث بن الصحراوي، في الدار البيضاء سنة 1978، لكنّ ملامحها الفنية الأولى تشكّلت في مراكش، المدينة التي احتضنت طفولتها وشبابها، وفتحت أمامها أبواب عالم ثقافي متعدّد الخلفيات.
فمنذ بداياتها، لم تكن علاقتها بالفن مقتصرة على الغناء وحده؛ فقد أبدت اهتمامًا بالفنون التشكيلية والرسم، إلى جانب انجذابها إلى الموسيقى، في مسار يكشف عن حسّ فني يبحث عن التعبير بأشكال مختلفة. غير أنّ الصوت أصبح فيما بعد وسيلتها الأبرز لصياغة عالمها الخاص، وللتعبير عن انتماء تتداخل فيه الذاكرة المحلية مع أفق إنساني أوسع.
ولعلّ خصوصية تجربة أوم تبدأ من هذا التعدّد الذي طبع محيطها الثقافي منذ الطفولة. فهي فنانة مغربية ذات أصول صحراوية، نشأت في مدينة تُشكّل ملتقى لثقافات وتأثيرات متنوّعة، وهو ما يضيء جانبًا من انجذابها اللاحق إلى الإيقاعات الإفريقية والتراث الحسّاني والموسيقى القناوية.
ولم تتعامل أوم مع هذه التأثيرات الفنية باعتبارها عناصر فولكلورية تُستحضر للزينة أو لاستعادة الماضي، بل باعتبارها ذاكرة حيّة يمكن أن تجد مكانها في موسيقى معاصرة، قادرة على مخاطبة مستمعين من خلفيات ثقافية مختلفة. وتُبرز تصريحاتها الصحفية عن انتمائها الصحراوي والمغربي والإفريقي أهمية هذا الوعي بالهوية في فهم مشروعها الفني.
وفي سنّ الرابعة عشرة تقريبًا، بدأت ملامح هذا المسار تتضح أكثر، حين انضمّت إلى جوقة للغوسبل، الموسيقى الكورالية ذات الجذور الإفريقية الأمريكية، التي أتاحت لها فرصة اكتشاف إمكانات صوتها والتدرّب على الأداء الغنائي.
وقد تأثّرت في تلك المرحلة بأصوات بارزة، من بينها ويتني هيوستن، وبموسيقى السول والجاز، وهو ما يكشف أنّ أذنها الموسيقية لم تكن منغلقة على محيطها المغربي، حتى وهي في طور اكتشاف قدراتها الأولى. وبعد سنوات، أصبحت هذه المؤثرات جزءًا من لغتها الفنية، ومكوّنًا إضافيًا في تجربة تتّجه نحو المزج بين الأنماط الموسيقية من دون التخلّي عن خصوصيتها.
لكنّ الطريق إلى الموسيقى لم يكن خطًّا مستقيمًا؛ فقد التحقت أوم بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية في الرباط، ودرست بها نحو ست سنوات، قبل أن تحسم خيارها وتتفرّغ للغناء. ويكشف هذا المسار عن شخصية احتاجت إلى وقت حتى تتبلور اختياراتها وتتحوّل موهبتها إلى قرار مهني واضح، من دون أن تتخلّى عن مشروعها الفني لصالح مسار دراسي يبدو أكثر استقرارًا.
ومع انطلاقتها الفنية، وجدت أوم نفسها أمام تحدٍّ يتجاوز اختيار الأسلوب الموسيقي إلى كيفية الانفتاح على العالم واستيعاب تأثيراته المختلفة، من دون أن تفقد صلتها بلغتها وذاكرتها الثقافية.
ومن هنا، تبدو العودة إلى الجذور ضرورية لدى أوم؛ فهويتها ليست مجرّد خلفية جغرافية تُذكر في بداية سيرتها، بل هي أحد منابع تجربتها الفنية. فمن الدار البيضاء إلى مراكش، ومن الذاكرة الصحراوية إلى الانفتاح على الموسيقات العالمية، تشكّلت تدريجيًا شخصية فنية لا ترى تناقضًا بين الوفاء للأصل وتجديد التعبير عنه.
أوم تبحث عن صوتها الخاص
لم يكن اختيار أوم التفرّغ للموسيقى مجرّد انتقال من الدراسة إلى الغناء، بل كان بداية رحلة بحث عن صوت فني خاص، يتجاوز القوالب الموسيقية المألوفة.
وقد بدأت ملامح هذا التوجّه تتضح مع إصدار ألبومها الأوّل «Lik’Oum» سنة 2009، الذي قدّمها إلى الجمهور المغربي باعتبارها فنانة تمتلك رؤية موسيقية مختلفة، تتقاطع فيها تأثيرات السول والجاز والفانك مع ملامح من الثقافة الموسيقية المغربية.
وقد لفت الألبوم الانتباه إلى صوتها وأسلوبها، لتبرز ضمن جيل جديد من الموسيقيين المغاربة الذين كانوا يبحثون عن مساحات تعبير تتجاوز التصنيفات التقليدية للأغنية المغربية. ولم يقتصر نجاح هذا العمل على تقديم صوت نسائي جديد، بل مثّل خطوة أولى في بناء هوية فنية خاصة، تستند إلى الانفتاح على تجارب موسيقية متعدّدة، من دون التخلّي عن الانتماء المحلي.
وبعد ثلاث سنوات، جاءت المحطة الثانية مع ألبوم «Sweerty» سنة 2012، الذي مثّل مرحلة أكثر نضجًا في مسارها.
يتألّف الألبوم من أربعة عشر عنوانًا، وتنوّعت موضوعاته بين الحبّ والحرية والحلم والعلاقة بالعالم المتغيّر، جامعًا بين تأثيرات البوب والجاز والسول. لكنّ أهمّ ما يلفت الانتباه في هذه التجربة هو حضور اللغة بوصفها عنصرًا أساسيًا في تشكيل هويتها الفنية؛ إذ بدأت أوم تعتمد بصورة أوضح على الدارجة المغربية في الكتابة الغنائية، إلى جانب الإنجليزية، مستثمرةً خصوصيات اللهجة وإيقاع كلماتها وإمكاناتها الشعرية.
وهكذا، لم يعد الانفتاح على الموسيقى العالمية يعني الابتعاد عن البيئة المغربية، بل أصبح بالإمكان توظيف أصوات هذه البيئة وتراكيبها اللغوية في عمل موسيقي معاصر.
ومن بين محطات هذا الألبوم أغنية «Whowa»، التي سبقت صدوره وظهرت في فيديو كليب سنة 2010، إلى جانب «Harguin»، العمل الذي جمعها بالموسيقي الغاني الأمريكي «Blitz the Ambassador»، وتناول قضية الهجرة غير النظامية انطلاقًا من إفريقيا جنوب الصحراء.
ويكشف هذا الاختيار عن اتّساع أفق أوم، التي لم تحصر تجربتها في الموضوعات العاطفية، بل فتحت موسيقاها على قضايا إنسانية واجتماعية تتجاوز الحدود الجغرافية. وقد تزامنت هذه المرحلة أيضًا مع حضورها على منصات ثقافية دولية، من بينها حفل بمقرّ اليونسكو في باريس بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في مارس 2012، بما يعكس اتّساع دائرة الاهتمام بتجربتها خارج محيطها المحلي.
وقد أسهم الألبومان، «Lik’Oum» و«Sweerty»، في ترسيخ مكانة أوم داخل المغرب، إلى درجة أنّ سيرتها الفنية الرسمية تصفهما بأنهما العملان اللذان جعلا منها نجمة في بلدها.
غير أنّ الأهمّ من هذا الاعتراف الجماهيري هو التحوّل الذي رافقه؛ فقد بدأت أوم تنتقل من مرحلة إثبات موهبتها إلى مرحلة بناء مشروع موسيقي أكثر وضوحًا، تتداخل فيه اختياراتها الصوتية مع هويتها الثقافية ورؤيتها للعالم.
ومن هنا، يمكن النظر إلى هذين العملين باعتبارهما تمهيدًا لعمل فني متكامل قدّمته سنة 2013 مع ألبوم «Soul of Morocco»، الذي منح تجربتها بُعدًا دوليًا أوسع، وجعل من المزج بين السول والجاز والإيقاعات القناوية والحسّانية أحد أبرز ملامح عالمها الموسيقي.
وفي سنة 2015، أصدرت ألبوم «Zarabi». وتعني كلمة «زرابي» السجّاد باللهجة المغربية، والألبوم مستوحى من حرفيات نسج الزرابي في قرية محاميد الغزلان، جنوب المغرب، اللواتي يصنعن الزرابي من الملابس القديمة، فيحوّلنها إلى ذاكرة تحمل قصص العائلات وذكرياتها.
وقد رأت أوم تشابهًا بين عمل هؤلاء النسوة وعملها الموسيقي؛ فكما تنسج الحرفيات قطع القماش لتصنع زرابي، تنسج هي التأثيرات الموسيقية المختلفة لتصنع عالمًا فنيًا خاصًا بها.
موسيقيًا، يمزج الألبوم بين التراث الصحراوي المغربي، والإيقاعات القناوية والحسّانية، والجاز والسول. وقد سُجّل في الهواء الطلق بصحراء محاميد الغزلان، في تجربة تمنح الطبيعة حضورًا واضحًا في صوته. فهو ألبوم عن الذاكرة والهوية والتراث، وعن قدرة الفن على وصل الماضي بالحاضر.
ثمّ أصدرت ألبوم «Daba» سنة 2019، الذي يدعو إلى عيش اللحظة الراهنة، ويربط الماضي بالحاضر من خلال موسيقى تمزج التراث العربي والصحراوي بالسول والجاز والموسيقى الإلكترونية. أمّا موضوعاته، فتشمل البيئة وحقوق المرأة ومعاناة المهاجرين والإنسانية والتضامن بين البشر.
وفي سنة 2022، أصدرت ألبوم «HALS»، الذي يحيل عنوانه إلى كلمة «حال» بالعربية، وتعني الحالة أو الوضع، وجمعها «أحوال».
ويستحضر عنوان الألبوم الحالات النفسية والعاطفية التي يعيشها الإنسان. فقد عاشت أوم تجربة الحجر الصحي خلال جائحة كورونا سنة 2020، حين توقّفت جولاتها الفنية كلّها، واستكشفت خلالها سبع حالات إنسانية وعاطفية، هي: الخوف، والرغبة، والارتباك، والتقبّل، والحقيقة، والحلم، والتعاطف.
وتعاونت فيه مع الموسيقي الكوبي «M-Carlos»، الذي جمع الساكسوفون بالمؤثرات والإيقاعات الإلكترونية، في حوار موسيقي يلتقي فيه صوت أوم الحميمي مع أجواء إلكترونية معاصرة.
ويكشف الألبوم كيف حوّلت أوم تجربة إنسانية استثنائية إلى مادة فنية، وكيف يمكن للموسيقى أن تعبّر عن حالات داخلية مشتركة بين البشر، مهما اختلفت ثقافاتهم وهوياتهم.
وفي فيفري 2026، أصدرت ألبومها الجديد «ديال الدار» (Dialddar)، الذي اختارت فيه العودة إلى جذورها الموسيقية، في تجربة فنية حميمية تستلهم الذاكرة الثقافية لمدينة مراكش وتفاصيل الحياة داخل البيت المغربي.
ويعني عنوان الألبوم «صُنع في الدار»، في إحالة إلى فضاء الطفولة وموروث الغناء الذي تناقلته الأجيال. وتجعل الفنانة من الصوت والإيقاع جوهر تجربتها، مستغنيةً عن الآلات الوترية وآلات النفخ، لتنسج عالمًا صوتيًا من الغناء الجماعي والإيقاعات التقليدية، مستعينةً بالبندير والتعريجة والتصفيق، إلى جانب أصوات مستمدّة من عناصر الحياة اليومية والطبيعة.
وبالدارجة المغربية، تستحضر أوم ألوانًا من التراث الموسيقي المحلي، من إيقاعات الدقّة والتقيتيقات المراكشية إلى نفحات الملحون والحسّاني، وتمنحها روحًا معاصرة تتقاطع فيها الذاكرة مع الابتكار، والحميمية مع الانفتاح.
كما تحمل أغاني الألبوم أبعادًا إنسانية وشخصية، تتراوح بين الاحتفاء بالمرأة والتضامن بين النساء واستعادة الذكريات ومواجهة الفقد، في تجربة تؤكّد من خلالها الفنانة أنّ العودة إلى الجذور لا تعني الانغلاق داخلها، بل يمكن أن تكون منطلقًا لمغامرة إبداعية تنصت إلى الهوية وتعيد اكتشافها بلغة موسيقية متفرّدة.

أوم… صوت مغربي بنكهة كونية
هناك أصوات تحمل ملامح البيئة التي نشأت فيها، وأخرى تنجح في تحويل تلك الملامح إلى لغة موسيقية تتجاوز حدودها الجغرافية، من دون أن تفقد روحها الأولى.
وهنا تتفرّد الفنانة المغربية أوم في اختياراتها الفنية؛ فهي لا تقدّم الموسيقى المغربية في قالب تقليدي مغلق، ولا تتعامل مع الموسيقات العالمية باعتبارها بديلًا عن جذورها، بل تنسج من الاثنين عالمًا صوتيًا خاصًا، تتجاور فيه الذاكرة الصحراوية مع إيقاعات القناوة، وتتقاطع فيه القصيدة الحسّانية مع الجاز والسول، في تجربة تبحث عن المشترك الإنساني من داخل خصوصية ثقافية واضحة.
وقد تبلورت هذه المقاربة بصورة لافتة مع ألبومها «Soul of Morocco»، الصادر سنة 2013، الذي مثّل أول أعمالها الموجّهة إلى الجمهور الدولي، وحمل منذ عنوانه رغبتها في تقديم المغرب بوصفه فضاءً غنيًا بالتقاليد والإيقاعات، وقادرًا في الوقت نفسه على إنتاج موسيقى معاصرة.
في عالم أوم الموسيقي، لا تحضر الإيقاعات المغربية بوصفها مجرّد خلفية تزيّن الأغنية، بل تؤدّي دورًا أساسيًا في بناء هويتها. فالإيقاعات القناوية، بما تحمله من امتدادات إفريقية وعمق روحي، والأنغام الحسّانية المرتبطة بالثقافة الصحراوية، تمنح أعمالها نكهة محلية واضحة، حتى عندما تنفتح على توزيعات موسيقية حديثة.
وتلتقي هذه المكوّنات الفنية مع السول، بما يحمله من دفء وعمق عاطفي، ومع الجاز، بما يتيحه من مساحة للارتجال والحوار بين الآلات، لتتشكّل موسيقى لا يسهل حصرها في تصنيف واحد. فهي تجربة تقوم على التفاعل بين عناصر مختلفة، لا على مجرّد جمعها جنبًا إلى جنب؛ فلكلّ مكوّن فني مكانه في النسيج الموسيقي، ولكلّ إيقاع دوره في بناء الحالة الشعورية التي تقترحها الأغنية.
وفي السياق نفسه، احتلّت اللغة مكانة بارزة في هذا المشروع بوصفها مكوّنًا ثقافيًا أساسيًا في أعمالها. فقد شكّل اعتماد أوم على الدارجة المغربية في كتابة أغانيها منعطفًا مهمًا في مسارها، إذ وجدت في خصوصيات اللهجة وإيقاع كلماتها وإمكانات التجانس الصوتي بينها مادةً للتعبير الشعري والموسيقي.
فالدارجة هنا ليست مجرّد وسيلة للتواصل مع الجمهور المغربي، بل جزء من التكوين اللحني للأغنية، بما تتيحه من مرونة في النطق وتجاور الكلمات وتوليد المعاني.
ومن خلال هذا الاختيار، استطاعت أوم أن تجعل من اللغة اليومية عنصرًا من عناصر التجديد، وأن تبرهن على أنّ المحلية لا تتعارض بالضرورة مع العالمية؛ فقد تحمل الكلمات المنبثقة من بيئة محدّدة مشاعر وتجارب يستطيع المستمع التفاعل معها، حتى وإن لم يفهم تفاصيلها اللغوية كلّها.
ومع تطوّر تجربتها، اتّسعت هذه الرؤية لتشمل أبعادًا أخرى من التعبير. ففي ألبوم «Daba»، الصادر سنة 2019، تعمّق بحثها في العلاقة بين العناصر العربية والصحراوية والتأثيرات المعاصرة، ومنها السول والجاز والموسيقى الإلكترونية.
ويتجلّى هذا الانفتاح الكوني أيضًا في تعاونها مع عدد من العازفين العالميين الذين رافقوها خلال مسيرتها الفنية وأسهموا في تشكيل ملامح تجربتها، من بينهم عازف العود المغربي ياسر رامي، وعازفا الإيقاع المغربيان روني كريجة وعمار الشاوي. ومن كوبا، تعاونت مع عازف الكونترباص داميان نويفا (Damian Nueva)، وعازف الساكسفون كارلوس ميخياس (Carlos Mejias)، وعازف البوق يالفريز فالديز (Yelfris Valdés). كما شهد ألبوم «Daba» وجولاته مشاركة كاميل باسيري (Camille Passeri)، من فرنسا، على آلة البوق.
وقد اجتمع بقية الموسيقيين أيضًا ضمن الفريق الذي رافقها في هذا المشروع، وواصلوا الحضور في جلّ عروضها المرتبطة بأعمالها الفنية الأخرى. ويكشف هذا التعاون عن جانب مهم من تجربتها؛ فالموسيقيون لا يكتفون بمرافقة صوتها، بل يسهمون في صياغة جزء كبير من مسارها الفني.
وتكشف هذه المحطات عن فنانة لا تتعامل مع أسلوبها باعتباره صيغة نهائية، بل تواصل اختباره وتوسيعه، مع المحافظة على خيط يصل تجاربها الجديدة بجذورها الثقافية. ولعلّ أهمّ ما يميّز أوم أنّها لا تسعى إلى تقديم صورة فولكلورية عن المغرب، ولا إلى إخفاء خصوصيته حتى تصبح موسيقاها أقرب إلى الأذواق العالمية.
فهي تنطلق من ثقافتها، وتستكشف مكوّناتها، ثم تضعها في حوار مع أنماط موسيقية أخرى، مؤمنةً بأنّ الاختلاف لا يمنع التواصل، وأنّ الهوية ليست بناءً جامدًا يخشى التأثّر، بل مساحة تتّسع كلّما دخلت في حوار مع الآخر.
ومن هنا، يمكن فهم وصف صوتها بأنّه مغربي بنكهة كونية؛ فهو مغربي في جذوره وإيقاعاته ولغته وذاكرته، وكوني في قدرته على عبور الحدود وإقامة صلات مع تجارب إنسانية متنوّعة.

هوية لا تنغلق على نفسها
لا يبدو الانفتاح على موسيقات العالم في تجربة أوم مجرّد اختيار فني، بل امتدادًا لتصوّر أوسع للهوية، باعتبارها فضاءً تتعايش داخله مكوّنات ثقافية متعدّدة، من دون أن يلغي أحدها الآخر.
فالفنانة المغربية التي انطلقت من جذورها الصحراوية، وتشبّعت بالثقافة الموسيقية لبلادها، لم تنظر يومًا إلى الانتماء باعتباره قيدًا أو حدودًا ينبغي عدم تجاوزها. بل إنّ تجربتها تكشف عن رغبة مستمرّة في استكشاف ما يجمع بين الثقافات، وفي التعبير عن تعدّد مكوّنات هويتها من خلال الموسيقى والغناء والصورة التي تختار الظهور بها أمام جمهورها.
وفي حوار أجرته معها مجلة «Le Petit Bulletin» الفرنسية سنة 2016، تحدّثت أوم عن الصورة التي تمثّلها باعتبارها امرأة عربية مسلمة حرّة، فخورة بثقافتها ومنفتحة على العالم.
ولم تتردّد في تأكيد أنّها تتبنّى هذه الصورة، موضّحةً أنّها ببساطة تعكس ما هي عليه، بتعدّد مكوّنات هويتها، من جذورها الصحراوية وانتمائها الإفريقي وثقافتها العربية الإسلامية، إلى ارتباطها بالثقافة الفرنسية وتأثّرها بالموسيقى الغربية.
ويكشف هذا التصريح عن تجربة موسيقية تحضر فيها الجذور الصحراوية والحسّانية، وتتقاطع مع العمق الإفريقي والامتداد المغاربي، في انفتاح على موسيقات العالم، مثل السول والجاز، من دون التخلّي عن الملامح المغربية.
ويظهر هذا التوجّه أيضًا في حضورها على المسرح، من خلال اختياراتها للألوان والأقمشة والإكسسوارات المستوحاة من الحرف التقليدية المغربية ومن مراجع إفريقية. فالصورة التي تقدّمها أوم عن نفسها لا تنفصل عن موسيقاها؛ إذ يعكس كلاهما علاقة بالتراث تقوم على الاعتزاز به، مع ترك المجال مفتوحًا للتجديد.

أوم في المسارح العالمية
لم تبقَ تجربة أوم حبيسة الاستوديوهات أو حدود الساحة الموسيقية المغربية. فمنذ صدور ألبوم «Soul of Morocco» سنة 2013، الذي مثّل محطة مهمّة في انطلاقتها الدولية، توالت حفلاتها خارج المغرب، وأصبح حضورها على المسارح الأوروبية فرصة لتقديم عالم موسيقي يستلهم جذوره المغربية والصحراوية، وينفتح في الوقت نفسه على تجارب موسيقية معاصرة.
وقد أسهمت الحفلات المتتالية، وفق سيرتها الرسمية، في تعزيز الانسجام بينها وبين الموسيقيين المرافقين لها.
وكانت المسارح والمهرجانات فضاءً لاختبار هذا المزيج الموسيقي أمام جماهير مختلفة. فقد قدّمت أوم حفلًا بمقرّ منظمة اليونسكو في باريس سنة 2012، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وشاركت في مهرجان قناوة وموسيقى العالم بالصويرة سنة 2013. وفي سنة 2017، وصلت تجربتها إلى القاهرة، حيث أحيت حفلًا بمسرح الجنينة.
وتكشف هذه المحطات عن مسار فني أخذ يتجاوز تدريجيًا جمهوره المحلي، ليقدّم الموسيقى المغربية في فضاءات ثقافية مختلفة.
وفي أوروبا، حضرت أوم على مسارح ومهرجانات بارزة، من بينها قاعة إلبفيلهارموني في هامبورغ، وقصر الفنون الجميلة في بروكسل، ومهرجان «Rio Loco» في تولوز.
ولا تكمن أهمية هذه المشاركات في عددها فقط، بل في إتاحة الفرصة لموسيقاها كي تلتقي بجمهور لا يشترك معها بالضرورة في اللغة أو الخلفية الثقافية، لكنه يستطيع التفاعل مع الإيقاع والصوت والإحساس الذي تحمله الأغاني.
ولأوم أيضًا حضور في الذاكرة الموسيقية التونسية، وهو ما عشته شخصيًا خلال مشاركتها في أيام قرطاج الموسيقية منذ أيام؛ إذ كان لقائي بموسيقى الفنانة المغربية تجربةً تجاوزت حدود الإصغاء إلى الغناء، لتتحوّل إلى رحلة في عوالم صوتية وروحية آسرة.
ففي قاعة الأوبرا بمدينة الثقافة، لم تكن أوم مجرّد فنانة تقف على الركح لتؤدّي أغانيها، بل بدت وكأنّها تستحضر عالمها الخاص، وتحمل جمهورها إلى فضاءات تتداخل فيها الأحاسيس مع الإيقاعات، وتمتزج فيها الأصالة بالتجريب.
بصوت يجمع بين الرهافة الملائكية والقوّة، تنسج أوم علاقتها بالآلات والإيقاعات في تناغم لافت، حتى يُخيّل إليك أنّ صوتها، في حدّ ذاته، موسيقى مكتملة لا تحتاج إلى ما يكمّلها.
إنّها فنانة ملهمة ومتفرّدة في أدائها، لا تشبه أحدًا بقدر ما تشبه نفسها، بحضور طاغٍ وساحر، وقدرة على تحويل الركح إلى مساحة للتحرّر والانعتاق.
وكان لافتًا أن تطلّ بلباس تقليدي ضارب في الأصالة، في انسجام مع روح موسيقاها التي تستلهم الموروث المغربي وتعيد تشكيله في لغة معاصرة، منفتحة على تجارب موسيقية متعدّدة.
ففي تجربتها، لا تبدو الهوية نقيضًا للانفتاح، ولا التراث قيدًا على الإبداع، بل يتحوّلان إلى منطلق لمغامرة فنية تتجاوز الحدود من دون أن تقطع صلتها بالجذور.
ومع انطلاق إيقاعات القناوة وقرقعة القراقب، وجدتني أنجرف مع الموسيقى، أحلم وأسرح وأتمايل، كأنّ روحي غادرت مقعدها في قاعة الأوبرا لتحلّق بعيدًا، في فضاء لا تحدّه الجغرافيا ولا تقيّده الكلمات.
كانت أوم ساحرة، بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى…

وربّما يكمن تفرّدها في قدرتها على أن تكون متجذّرة ومنفتحة في آن واحد؛ أن تحمل ذاكرتها وهويتها معها، ثم تنطلق بهما نحو عوالم موسيقية رحبة، من دون أن تفقد صوتها الخاص أو ملامحها الأولى.
في النهاية، لا تقدّم أوم هويتها باعتبارها إجابة نهائية عن سؤال الانتماء، بل باعتبارها مسارًا مستمرًا من الاكتشاف والتفاعل. هي فنانة تنصت إلى ما ورثته عن أرضها، وتبحث في الوقت نفسه عمّا يمكن أن تضيفه لقاءاتها بالعالم إلى تجربتها.