الشّاشيّة التونسيّة: حرفة تختزل الذاكرة… ويقاوم صنّاعها اندثار المهنة…

في أزقّة المدينة العتيقة بتونس العاصمة، حيث تختلط رائحة التاريخ بصخب الأسواق، ما زالت أنامل الحرفيين تنسج حكاية الشّاشيّة التونسيّة، تلك القطعة من اللّباس التقليدي التي تجاوزت وظيفتها لتصبح رمزًا من رموز الهوية والذاكرة الجماعيّة.
وبين مراحل صناعتها الدّقيقة وأسرارها المتوارثة جيلاً بعد جيل، يواصل الحرفيّون، رغم تحوّلات الزمن وتحديات الحاضر، التمسّك بحرفة تختزن في تفاصيلها جزءًا من تاريخ تونس وخصوصيتها الثقافية.
لكن وراء الشاشية التي نعرفها، ثمّة حكايات أخرى لا تُروى إلاّ على ألسنة صنّاعها، حكايات تعب وصبر وشغف وأيدٍ تخشى أن تأخذها عجلة الزمن نحو النّسيان.
ومن بين حرفيي هذا السّوق العريق يبرز “عزّوز كاهية” الذي بدأت علاقته بالشاشية منذ نعومة أظافره، حين كانت ورشة والده فضاءً يكتشف فيه أسرار الصّنعة بدافع الفضول والهواية، حتّى تحوّلت تلك العلاقة الطفولية إلى اختيار مهني رافقه على امتداد أربعة عقود من العمل.
في هذا السّياق أجرى موقع لارتيستو حوارًا مع السيّد “عزّوز كاهية” أحد أقدم صنّاع الشاشيّة في سوق الشواشين، رجل تقاطعت سنوات عمره مع تحوّلات الحرفة ومتغيّرات الزّمن، ليصبح الحديث عن تجربته المهنية والإنسانية وقصّته مع صناعة الشاشية مدخلاً لاكتشاف جانب من تاريخ الشواشين وواقعهم اليوم.
فأيّ حكايات تختزنها ذاكرته؟
وكيف يرى مستقبل حرفة ظلّت على امتداد أجيال، جزءًا من الموروث الثقافي التّونسي؟

“عزّوز كاهية”… من الهواية إلى المهنة… أربعون سنة بين خيوط الشاشية…
في سوق الشواشين، حيث تتعانق الذاكرة مع تفاصيل الحرف التقليدية وتختزن الجدران حكايات أجيال من “الصنايعيّة”، يواصل “عزّوز كاهية” رحلته مع الشاشية التونسية، وهي حرفة لم تكن مجرّد مهنة اختارها، بل مسار حياة تشكّل منذ الطفولة.
فمنذ السادسة من عمره، بدأ يكتشف أسرار هذه الصّنعة داخل ورشة والده، حيث كانت أنامله الصغيرة تتلمّس طريقها بين أدواتها وموادّها قبل أن تتحوّل الهواية تدريجيًّا إلى اختيار حاسم غيّر مسار حياته.
وفي مطلع الثمانينيّات، وبينما كانت الإضرابات تعصف بالمؤسسات التعليمية، كان عزّوز يتوجّه يوميًّا إلى المعهد التقني بأريانة ليجده مغلقًا، إلى أن حسم أمره ذات يوم، معلنًا لوالده قراره بمغادرة مقاعد الدّراسة والالتحاق بالورشة.
هناك لم يكتفِ بمراقبة والده وهو ينسج تفاصيل الشاشية، بل انطلق في رحلة تعلّم طويلة، تلقّى خلالها أسرار المهنة على أيدي معلّمين آخرين من قدماء السّوق، وتدرّج في مراحلها، بدءًا من “التقرديش” حتّى غدا واحدًا من العارفين بخفاياها. وقد تمكّن من مراحلها الثمانية، انطلاقًا من عملية الزرد والتكبيس، ثمّ عملية نيشان الماء والعقدة، ثمّ عمليّة التلبيد، ثمّ التقرديش الأبيض، ثمّ عمليّة الصّباغة، ثمّ عمليّة القولبة والتجفيف، ثمّ عمليّة التقرديش الأحمر، وختامًا يصبح المنتوج جاهزًا للتّرويج.
واليوم، بعد نحو أربعين عامًا من الممارسة، لم يعد “عزّوز كاهية” مجرّد صانع للشاشيّة، بل أصبح شاهدًا على تحوّلات حرفة عريقة، يحمل بين يديه مهارة اكتسبها بالتجربة، وفي ذاكرته حكاية صناعة يخشى أن تنقطع خيوطها يومًا، فلا تجد من يواصل نسجها.
الشّاشيّة التونسيّة… حرفة تختزل الذاكرة والهوية…
لم تكن الشاشية التونسية على امتداد عقود، مجرّد قطعة من اللّباس التقليدي بل كانت جزءًا من المظهر اليومي للتّونسيين، على اختلاف فئاتهم الاجتماعية وإمكاناتهم الماديّة.
وقد ارتبطت صورتها بالهوية التونسية ارتباطًا وثيقًا جعلها تتجاوز وظيفتها في اللّباس لتصبح علامةً على الانتماء وامتدادًا لذاكرة جماعية تختزن تفاصيل الحياة التونسية وتحوّلاتها.
أمّا “عزّوز كاهية”، الذي كرّس أربعة عقود من عمره لهذه الحرفة، فإنّ الشاشية بالنّسبة إليه ليست مجرّد منتوج يُصنع ويُسوّق، بل رمز لهويّة يخشى أن تفقد أحد ملامحها الأصيلة.
ويستحضر “كاهية” في هذا السّياق، المكانة التي كانت تحتلّها الشاشية في المجتمع التونسي والدّور الاجتماعي والاقتصادي الذي كانت تؤدّيه في فترة الستّينيّات، حين كان ارتداؤها مألوفًا لدى مختلف الفئات، قبل أن يتراجع حضورها في الحياة اليوميّة، مقتصرًا في أحيان كثيرة على المناسبات والأعياد.
ورغم هذا التحوّل، لا يخفي اعتزازه بما حقّقته الشّاشيّة التونسيّة من حضور خارج حدود الوطن، ولا سيّما حين يراها في المحافل الدّوليّة، معتبرًا أنّ الحفاظ عليها لا يتعلّق بصون حرفة تقليديّة فحسب، بل بحماية جزء من الذاكرة الوطنيّة.
وقد تجسّد هذا الاعتزاز، وفق تجربته المهنيّة، في إعداد وصناعة الشاشية التونسية التي رافقت المنتخب الوطني لكرة القدم في مونديال روسيا 2018، إلى جانب تصاميم أنجزها لفائدة عدد من الوزراء ورؤساء الدول على مدار مسيرته.
هكذا يظلّ “عزّوز كاهية” متمسّكًا بالشّاشيّة ومعتزًّا بالهويّة التونسية، لا باعتبارها أثرًا من الماضي، بل بوصفها رمزًا قادرًا على مواصلة الحياة، متى وجدت من يحميها ويعيد إليها مكانتها في الحاضر.

من مئات المعلّمين إلى قلّة قليلة… صناعة تواجه خطر الاندثار…
لم تعد ورشات الشاشية التونسية اليوم تعجّ بالحرفيين كما كانت في السّابق، حين كانت هذه الصّناعة مورد رزق لمئات العائلات وكان المعلّمون يشغّلون الآلاف ويتوارثون أسرارها وينقلونها إلى أجيال من المتدرّبين.
هنا يستحضر “عزّوز كاهية” تلك المرحلة بحسرة مستعيدًا صورة زمن كان فيه عدد المعلّمين، وفق ما رواه لنا، يُقدَّر بنحو 500 معلّم يتولّون تدريب مئات الشباب على أصول الصنعة، قبل أن يتقلّص العدد اليوم إلى قرابة 10 معلّمين فقط.
وبين الأمس واليوم، تبدو المسافة شاسعة، لا على مستوى عدد الحرفيين فحسب، بل أيضًا على مستوى حضور الشاشية في المجتمع ومكانتها في السوق.
فالعزوف عن تعلّم الحرفة، وما يرافقه من صعوبات اقتصادية وتراجع في الإقبال، يهدّدان استمرارية صناعة تحتاج إلى وقت طويل لاكتساب مهاراتها وإتقان مراحلها.
ويؤكّد كاهية أنّ نقص اليد العاملة أصبح من أبرز المشكلات التي تواجه القطاع، في وقت لم تعد فيه الشاشية تحتلّ المكانة نفسها التي كانت لها في الحياة اليومية للتونسيين.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع تحوّل وجهة الإنتاج؛ إذ يشير الحرفي إلى أنّ نحو 10% من الإنتاج موجّه للاستهلاك المحلّي، ومثلها للسّياحة، في حين تتّجه النّسبة الأكبر، والمقدّرة بـ80%، إلى التصدير نحو ليبيا وبلدان إفريقية أخرى، وهي أرقام تكشف عن مفارقة لافتة تعكس وجود حرفة تحمل اسم تونس وهويتها، لكنّ حضورها داخل سوقها المحلية ضعيف مقارنة بامتدادها خارج حدود الوطن.
وأضاف “عزّوز كاهية”: “لا يكمن الخطر في تقلّص عدد الممارسين وحده، بل في احتمال انقطاع سلسلة نقل المعرفة، حين يرحل المعلّمون من دون أن يجدوا من يحمل عنهم أسرار الصّنعة ويواصل مسيرتها”.
بين الشّاشية الأصيلة والتقليد: معركة الحفاظ على خصوصية الصّنعة…
لا تقتصر المخاوف التي يحملها “عزّوز كاهية” بشأن مستقبل صناعة الشّاشية التونسية على تقلّص عدد الحرفيين وتراجع الإقبال عليها، بل تمتدّ أيضًا إلى ما يعتبره تهديدًا لأصالة هذه الحرفة وخصوصيتها.
فبالنسبة إليه، لا تُقاس قيمة الشاشية بمظهرها الخارجي وحده، وإنّما بجودة المواد المستعملة ودقّة مراحل تصنيعها، وهي تفاصيل لا يدرك أسرارها إلا من خبر الصنعة وتدرّج في تعلّمها.
ومن خلال تجربته الممتدّة على نحو أربعين عامًا، يؤكّد “كاهية” أنّ الحرفي المتمرّس قادر على التمييز بين الشاشية الأصيلة وغيرها من المنتجات التي تُسوّق على أنّها مماثلة لها، محذّرًا من أنّ استعمال مواد لا تنتمي إلى تقاليد الصناعة الأصلية قد يؤثّر في جودة المنتوج ويُربك السوق.
ولا يفصل الرجل بين هذه الممارسات وما يعتبره مساسًا بهوية الشاشية التونسية، التي يرى أنّ خصوصيتها لا ينبغي أن تضيع وسط المنتجات المقلّدة.
وقد دفعه انشغاله بمصير القطاع إلى الانخراط في الدفاع عن مصالح الحرفيين، إذ تولّى رئاسة الغرفة الوطنية لصناعة الشاشية التابعة للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية لمدّة عشرين عامًا، وفق ما أفاد به.
وخلال هذه الفترة، يقول إنّه سعى إلى لفت انتباه الجهات المعنية إلى المخاطر التي تهدّد الحرفة، وإلى ضرورة اتّخاذ إجراءات تحميها من التقليد وتضمن استمراريتها، غير أنّ مساعيه، بحسب روايته، لم تلقَ الاستجابة التي كان ينتظرها.
كما يرى أنّ للديوان الوطني للصناعات التقليدية دورًا أساسيًا في حماية هذا الموروث، عبر وضع آليات أكثر فاعلية لدعم الحرفيين وصون خصوصية إنتاجهم.
وبين خبرة المعلّم الذي يعرف تفاصيل الصنعة، وقلق المواطن الذي يخشى ضياع أحد رموز هويته، يواصل “عزّوز كاهية” التمسّك بالدفاع عن الشاشية التونسية، معتبرًا أنّ حمايتها لا تنفصل عن حماية الحرفة نفسها، ولا تتحقّق بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى إرادة سياسيّة تترجم الاعتراف بقيمتها إلى إجراءات ملموسة.

حين لا تكفي وصايا المعلّم: الأبناء يختارون طريقًا آخر…
لم يكن انشغال “عزّوز كاهية” بمستقبل صناعة الشاشية حبيس حدود ورشته، بل امتدّ إلى بيته، حيث حاول أن يجعل من أبنائه امتدادًا لمسيرته، وأن ينقل إليهم ما راكمه على امتداد عقود من الخبرة والمعرفة.
فمن يعرف قيمة الحرفة، ويدرك حجم المخاطر التي تهدّد استمرارها، لا يسعه إلا أن يبحث عن سبل تضمن بقاءها بعده.
لذلك، حرص “كاهية” على تعليم أبنائه أصول صناعة الشاشية، على أمل أن يجد فيهم من يواصل الطريق ويحمل مشعل الصنعة التي تعلّمها بدوره من والده، لكنّ حسابات الأبناء لم تتطابق مع أمنيات الأب؛ ففي ظلّ الصّعوبات التي يعيشها القطاع، اختاروا مواصلة مساراتهم المهنية في مجالات أخرى، بعيدًا عن الورشة التي شكّلت جزءًا أساسيًا من حياة والدهم.
وهكذا، وجد “عزّوز” نفسه أمام مفارقة تختصر جانبًا من أزمة الحرف التقليدية، فالمعرفة موجودة والرغبة في توريثها حاضرة، لكنّ ضمان المستقبل لا يتوقّف على إرادة المعلّم وحده، بل يرتبط أيضًا بقدرة الحرفة على توفير ظروف تجعلها خيارًا مهنيًا قابلًا للاستمرار.
وبين رغبته في أن تبقى الشاشية حيّة في أيدي الأجيال القادمة، وواقع يدفع أبناءه إلى اختيارات أخرى، تتجلّى مخاوفه من أن تنقطع سلسلة التوارث التي حافظت على هذه الصّناعة عبر الزمن.
«هاجسي الوحيد أن تذهب هذه الصناعة نحو الاندثار»…
رغم ما راكمه “عزّوز كاهية” من خبرة، وما بذله من جهود للدّفاع عن صناعة الشاشية التونسية، لا يبدو أنّ مرور السنوات قد خفّف من انشغاله بمصير الحرفة التي رافقته منذ طفولته، فخلف إتقانه لتفاصيل الصّنعة واعتزازه بما حقّقه خلالها، يقيم هاجس يختصر حجم المخاوف التي يحملها تجاه مستقبلها.
«هاجسي الوحيد أن تذهب هذه الصّناعة نحو الاندثار»… عبارة تختزل، في بساطتها، قلق رجل لم تعد المسألة بالنسبة إليه مجرّد مهنة يقتات منها، بل حرفة يخشى أن يفقدها المجتمع التونسي إذا ما تواصل تراجع عدد الممارسين لها وضعفت سبل نقل أسرارها إلى الأجيال الجديدة.
ولم يكن تمسّكه بالشّاشيّة، وفق ما يرويه، طريقًا خاليًا من الصّعوبات، فقد واصل ممارسة المهنة باعتبارها مصدر رزقه الوحيد، متمسّكًا بها رغم التحوّلات التي عرفها القطاع والتحدّيات التي باتت تعترض الحرفيين.
وبينما اختار أبناؤه مسارات مهنية أخرى، ظلّ هو وفيًّا للورشة وللخبرة التي اكتسبها عبر سنوات طويلة من العمل، غير أنّ “عزّوز كاهية” لا يرى أنّ المحافظة على هذه الصناعة مسؤولية الحرفيين وحدهم، بل يعتبر أنّ إنقاذها يستوجب تحرّكًا مؤسساتيًا ضمن استراتيجية متكاملة تعيد الاعتبار إلى الشّاشية، وتحمي خصوصية صناعتها، وتوفّر أسباب استمراريتها.
وفي الإطار نفسه يدعو “كاهية” إلى تشجيع المسؤولين والشّخصيّات العامّة، وكذلك الأئمة، على ارتداء الشاشية واللّباس التقليدي التونسي في المناسبات الرّسمية والدينية، بما يعزّز حضورهما في الحياة العامة ويشجّع الأجيال الجديدة على التمسّك بهما.
كما يعتبر أنّ الحفاظ على الشّاشية لا يعني مجرّد الإبقاء على منتوج تقليدي في الأسواق، بل حماية جزء من الهوية التونسية ومن الذاكرة الحرفية التي تناقلتها الأجيال. لذلك، لا يزال “عزّوز كاهية” متمسّكًا بمهنته، مؤمنًا بأنّ ما تعلّمه من والده وما راكمه من خبرة يستحقّ أن يستمرّ بعده، لكنّ استمرار هذه الحرفة، في نظره، لن يكون مضمونًا بمجرّد وفاء أبنائها لها، بل يحتاج إلى إرادة سياسيّة ومجتمعيّة تحميها، وتمنحها مكانتها، وتضمن ألّا تتحوّل أسرارها يومًا إلى مجرّد حكاية من الماضي.
بعد أربعين عامًا من الوفاء للشّاشيّة، لا يزال “عزّوز كاهية” يجد نفسه في مواجهة السؤال الأصعب: من سيحمل مشعل هذه الصّنعة حين يغادر معلّموها ورشاتهم؟ سؤال لا يملك له جوابًا مطمئنًا، لكنّه يواصل من أجله التشبّث بالمهنة والدعوة إلى حمايتها، قبل أن تصبح أسرارها ذكرى تُروى عن زمن كانت فيه الشاشية جزءًا من تفاصيل الحياة في تونس. فبالنسبة إليه، لا يتعلّق الأمر بحرفة مهدّدة بالاندثار فحسب، بل بهوية يخشى أن تفقد أحد خيوطها الأصيلة.
قد تتغيّر الأذواق، وقد تتراجع بعض الصّناعات التقليدية أمام إغراءات الإنتاج السريع، لكنّ بقاء الشاشية يظلّ رهين الأيادي التي تعرف أسرارها، والإرادة التي تؤمن بأنّ التراث ليس مجرّد ماضٍ نتغنّى به، بل ذاكرة حيّة تستحقّ أن تنتقل إلى الأجيال القادمة. ومع «عمّ عزّوز»، لا تبدو المحافظة على هذه الحرفة مجرّد استعادة لتاريخ قديم، بل محاولة لإبقائه مفتوحًا على المستقبل.