يعيش العالم العديد من الصراعات، ويعيش الانسان على وقع الحروب والخراب والدمار وأكثر الحروب ألما تلك التي يصارعها الطفل في افريقيا، والطفولة وحقوقها المنهوبة هي التيمة الفنية التي اشتغل عليها صناع فيلم “ناوي”وهم كيفن شموتلر، توبياس شموتلر، أبوموين وفالنتين شيلوجيت، في انتاج الماني كيني.
الفيلم انطلق من قصة حقيقية ومن خلالها طرح العديد من القضايا التي تمس الطفولة وتبرز معاناة الفتيات خاصة في مجتمعات محافظة تبيع الانثى وتحرمها الحق في الحلم باسم: العائلة، والشريعة، العادات، الكلمة وكلها أسباب تساهم في “موت الاحلام لا تغييرها” كما تقول الشخصية.
في افريقيا تباع أجساد الفتيات باسم القبيلة والعائلة
“ناوي” فيلم عن الإنسانية المسلوبة والكرامة المسروقة والجسد المنتهك، طفلة لم تتجاوز الثالثة عشرة، ذكية، مميزة أحلامها تتجاوز حدود الرقعة الجغرافية التي تعيش فيها، طفلة تنجح بامتياز في الاختبارات وتحلم بإنهاء الدراسة الثانوية ثم الجامعية في نيروبي، تحلم بالخروج من مربع صحراوي قاتل يخنق الاحلام ويكبّلها، تجتهد، تحلم وكلّما حلمت كتبت رسالة الى مستقبلها تخبره فيه.
تقترب الكاميرا من ملامح الوجه، عملية “زووم” على الأعين المنكسرة والخطوات الثقيلة، الزفرات التي تطلقها الفتاة تكاد تخترق الشاشة، المكان جاف وقاحل، بضع شجيرات تحاول المقاومة، ضوضاء الأغنام وحدها تصنع بعض الحياة، في هذه الأجواء القفرة ولدت الطفلة “ناوي” متميزة في الدراسة تحلم بالنجاح، انثى احلامها تتجاوز حدود المكان، تحاول الاجتهاد لتكتب نهاية أجمل “الى حياتي المستقبلية، احلم ان أصبح مدرسة، او طبيبة، او مهندسة معمارية” هكذا دوّنت كلماتها بحبر القلم والدموع، قدوتها مدرّستها وباعثة الامل فيها.
“ناوي” كلما شعرت بضيق في الأفق تستنجد بربها وتدعوه لحمايتها، وتستعطفه ليساعدها على تحقيق جميع احلامها، تكتب له الرسائل، تصلي في خلوتها صلاة صادقة، تشعل له الشموع، أنقذها المرة الأولى بعد هروبها من زوجها وجعلها تنجو من الغرق وتصل الى نقطة أبعد، ولكن ربّها الذي في السماء عجز قبالة قبح البشر، ايّ ربّ يمكنه انقاذ طفلة تباع وتشترى؟ أي ربّ يمكنه مجابهة ابّ وعشيرة ترى في جسد طفلة بضاعة تجلب المال، ايّ ربّ هذا يمكنه إنجاد طفلة من مواجهة ظلم العشيرة التي تتحدى القانون والسلطة وتدعي انها تمنح الحياة الأفضل لطفلتها، ربّ “ناوي” في سمائه عجز عن منحها النجاة و تحقيق احلامها لانّ إلاهها في السماء لطيف بينما الهة الأرض اشد منه قسوة ودموية.
الكاميرا سلاح وصوت لكل الحالمين
السينما صوت اخر للحقيقة، نداء ازلي بالحقوق، الكاميرا كانت السبيل ليلتقي جمهور العالم مع وجيعة “ناوي” ومعاناتها المماثلة لمعاناة الملايين من النساء والأطفال في افريقيا، فتيات يحرمن من الحق في التعليم وهو حق تضمنه الدساتير الدولية لعل ابرزها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل 1989 ويضمنه أيضا القانون في كينيا المادة 35 من دستور 2010 (يضمن الحق في التعليم والصحة والحماية من الاستغلال)، فاحدى المنظمات الحقوقية المحلية تزور بيت العائلة وتحاول اقناعهم بخطورة جريمة تزويج طفلة قاصر، جريمة عقوبتها السجن ولكن سلطة العائلة ورفضها قول الحقيقة تتجاوز سلطة الدولة حسب الفيلم.
“ناوي” ليست حكاية شخص بل قصة معاناة يتشارك فيها العديد من الأطفال والنساء، وجيعة انثى تباع في العصر الحالي، انثى تحرم من كرامتها وتقايض مقابل المال، في الفيلم الطفلة التي حلمت ان تصبح أستاذة تنير الدروب، او مهندسة تشيد البناءات وتحول قريتها من مكان قفر الى مدينة، طفلة حلمت ان يصدح صوتها عاليا بالحقيقة تكتب “اسمي ناوي، انا اساوي، 60 عنزا، و3ابل ومجموعة من الشياه” فالانثى هنا أصبحت ما تساويه من المهر المقدم لعائلتها، بيعت في سوق النخاسة العصرية، باعها والدها ليضمن مستقبل افضل لبقية العائلة، بيع الجسد الغض لينتهكه رجل اكبر منها سنا واشد بنية جسدية، ومجرد تخيّل مشهد اللقاء الحميمي بينهما يكسر القلب فكيف بطفلة حقيقية عاشت الألم الجسدي والنفسي؟.
تقول الأم “الاحلام تتغير أيضا” وهو ما فعلته ناوي غيرت حلمها من ان تصبح أستاذة وضحت بنفسها لإنقاذ شقيقتها الرضيعة، فالمجتمع القبلي الذي تنحدر منه، حين هربت ناوي ولضمان نجاح الصفقة باع الاب الرضيعة التي في بطن أمها، وأجبرها على الولادة المبكرة ليضمن حليفه المالي؟ فهل توجد بشاعة أكثر؟ كلّ هذا الألم نقلته كاميرا المخرجين الأربعة لتكون السينما سلاح للدفاع عن حقوق الانسان.
قصة “ناوي” الكينية هي قطعة بوزل أخرى عن الاف القصص لأطفال حرموا من حقوقهم واخريات زوّجن وهنّ صغيرات، رغم المأساة فاحد أحلام ناوي تحقق، كتبت في اجندتها “اريد ان يصل صوتي الى العالم ويصبح صوتا لكل النساء” وهو ما حدث، فالطفلة التي عادت الى زوجها وضحت بجسدها ثم حياتها لإنقاذ شقيقتها الرضيعة كتبت حكايتها، ونجحت الشقيقة الأصغر في إيصال هذه المذكرات الى الفتيات وتحقق الحلم بتشييد معهد “ملايين الاحلام” الموجه أساسا لتعليم الفتيات والدفاع عن حقوقهنّ، ماتت “ناوي” صاحبة الاحلام الأولى ولكن موتها كان بمثابة شرارة للدفاع عن حقوق الفتيات وذهب جسدها النضر بمثابة القربان.
فيلم “ناوي” صرخة حقوقية للدفاع عن حقوق الطفل في افريقيا والعالم، لقاء انساني جمع صناع الفيلم ليوصلوا رسائل مبتورة واحلام مؤجلة أصحابها فتيات صغيرات تقبر احلامهنّ باسم الزواج، الفيلم في افتتاح “الفيفاج” تأكيد اخر على دفاع المهرجان عن حقوق الانسان في كونيتها وانتصار دائم لسينما تنصت للإنسان أيا كان دينه أو لونه أو عرقه وحكايته.