قاوم، افتح جناحيك للريح، أرقص وحلق عاليا في سماء الحرية، ارقص وحرر الجسد من قصصه وذكرياته، دعه يكتب حاضرا مختلفا موشى ببعض الامل ولا تنسى أن “لا شيء يمنح الإنسان إحساساً بالحرية كالرقص؛ الأيدي التي تتحول في لحظات إلى أجنحة، والأجساد التي تقترب من السماء” هكذا كانت أجساد الراقصين في عرض “لاباس” تعانق الحرية في أبهى تجلياتها.
“لاباس” مشروع كوريغرافي لاياس بن صفية في الإخراج ونادية الكعبي في السينوغرافيا، اداء كل من رومان بيفو وملاك الزوايدي وإلياس التريكي ومحمد العيساوي، بمرافقة موسيقية حية للفنانة ماري سوزان دو لوي، قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان الحمامات الدولي ويتمحور حول فكرة الصمود والذاكرة.
الجسد الذاكرة الحية:
الجسد ذاكرة، يحتفظ بحكايات السابقين يخبئها بعيدا ثم يورثها في الجينات الى الأجيال القادمة الجسد لغة يصعب فك شيفراتها لذلك هو أأمن الفضاءات لإخفاء الاسرار، على الخشبة كانت أجسادهم ذاكرة حية، حركاتهم المتسارعة تنذر الحضور وتذكرهم انّ الأجساد صوت للتاريخ، هم أربعة راقصين وعازفة تشلو، اجتمعوا في فضاء موشى باللون الأبيض كل يحمل طريقته الخاصة في الرقص ينسجموا في فعل تحرري واحد وتكون حركاتهم وسيلة الرحلة في التاريخ والجغرافيا.
الفضاء مسرح الحمامات، تحت سمائه المفتوحة ونشيد أمواجه غير البعيدة وشجيراته الحارسة انتصبت أعمدة مزينة بخيوط البيضاء، بيت شفاف مكون من غرفتين وامامه ساحة، السينوغرافيا من انجاز الفنانة نادية الكعبي لم تولد من فراغ بل كانت تتمة لفعل تشكيلي بصري احتفت فيه بأحد بيوت حارة المغاربة الموجودة في القدس، قلبت الفنانة الصورة وجعلت الجدران شفافة ليرى المتفرج من يسكنها وكيف حركتهم وذاكرتهم، فالعمل الكوريغرافي سيكون عبارة عن درس في التاريخ ومحاولة لأحياء ذكرى حارة من اقدم حارات القدس “حارة المغاربة” الفضاء المقابل لحائط البراق، ذاك المكان الذي تحصل عليه مغاربة شمال افريقيا هدية بعد انتصار جيش صلاح الدين الايوبي على الصليبيين في معركة حطين عام 1193ميلادي.
التجربة الثنائية تحدثت عنها نادية الكعبي بالقول ” حين تقابلت مع سليم واخبرني برغبته في تقديم عرض محوره الصمود فكرت مباشرة في حارة المغاربة، (اول مرة سمعت بتاريخها في 2017) في برنامج إذاعي فرنسي، الحارة تحكي قصتنا سكان المغرب العربي، الحارة التي كانت موجودة في القدس وشعرت بنوع من الصدمة لأنني لم اكن اعرف المعلومة سابقا ولم اكن أتوقع وجود مغاربة في حيّ باسمهم في القدس” وتضيف الفنانة التشكيلية “اشتغل كثيرا على السرديات والحارة بالنسبة لي افضل تعبيرة عن الصمود، الحارة كانت قبلة التونسيين والمغاربة والجزائريين لإتمام مراسم الجح فهم يتجهون اليها في الطريق الى مكة او اثناء العودة من مكة الى المغرب العربي، وكانت نقطة التقاء العلماء”.
سينوغرافيا العرض تقوم على الأشرطة الشفافة والغاية منها حسب السينوغراف قلب الصورة وكشف من يسكنون تلك البيوت، كيف يتصرفون؟ كيف يقضون اليومي وماهي طريقتهم في التعبير؟، من خلال السينوغرافيا كسرت نادية الكعبي الجدران الصماء وحوّلتها الى شفافة ليسهل الرحيل اليها وتصبح فضاء لاعادة قراءة التاريخ.
“لاباس” عنوان العرض، كلمة من اللهجة التونسية وتعني “انا بخير”، مرادف للاطمئنان، لكن حركات الراقصين لم تكن مطمئنة، في البداية كانت مثقلة وكانها تحمل وجعا ما، الرؤوس الى الأسفل والاقدام تضرب الأرض بحدة وموسيقى التشلو اشد حزنا، ثم تتكاتف الأجساد وتلتحم لتصبح جسدا واحدا وفكرة واحدة وان اختلفت الخطوة أحيانا، فمنذ البداية يحمل المخرج جمهوره الى المتناقضات ويدفع به الى محرقة السؤال عن الفرق بين اسم العمل ودلالته الفنية والفكرية، ليكون “لاباس” تعويذة ضد النسيان، محاولة أخرى لتكون الأجساد صدى للذاكرة، ذاكرة المكان والأشخاص والموروث، وبعد ساعة من الصراعات على الخشبة يتأكد المتفرج اننا فعلا “لاباس” مادام هناك مؤمنين بالقضايا ومدافعين عن الهوية والذاكرة التونسية في محليتها وعالميتها.
الأجساد سردية للذاكرة لا تنتهي:
“لاباس” تجربة جمعت سليم بن صفية في الإخراج ونادية الكعبي لينكه في السينوغرافيا، العرض عنوان للصمود حاول من خلاله سليم بن صفية إعادة كتابة التاريخ والتعريف بنضالات الشعب الفلسطيني وكذلك مساهمات أبناء المغرب الكبير في القضية الفلسطينية.
أراد المخرج ان يكون الجسد صدى لنداءات الفلسطينيين وحكاياتهم، في قلب مجزرة 7اكتوبر ولد الفعل الإبداعي وعلى الخشبة كانت الأجساد بمثابة القوة التي لا تعرف هزيمة، حركاتهم أحيانا تشبه قرقعة سيوف اجدادهم في حربهم ضد الصليبيين، ومرات هادئة وكأنها صوت لدعاء وصلوات الشيخ غوث ابي مدين وكلما تسارعت الحركات تتماهى مع الحركات التجارية والوافدين على الحارة من المغاربة، فأجساد الراقصين تستحضر سردية ثمانية قرون منذ تشييد حي المغاربة في 1193م الى حين هدمه عام 1967، كل ذاك الوقت تختزله أجساد الكوريغراف في خطواتهم البطيئة حينا والقوية حينا اخر.
الفضاء يشبه البيت، جدرانه مكشوفة، ابوابه مفتوحة ونوافذه مشرعة على الساحة، تدخل الأجساد من كل مكان لها قدرة على اختراق الجدران تماما كما الاشباح، يشتمون رائحة الخبز والقهوة، يحنون للماضي القديم لحركات سكان الحارة ولعب الأطفال في ساحة حائط البراق الذي حوله “الاسرائليين” الى حائط المبكى.
تكتب الأجساد الياذة جديدة تمنح الجمهور مساحة للفرجة والتفكير، يتبادلون الأدوار لكل كوريغراف حركاته الخاصة به، هوية موسيقية يحملها الجسد، في حارة المغاربة لم يحمل الناس فقط أجسادهم بل حملوا ذكرياتهم وثقافتهم الغذائية وحتى رقصاتهم أيضا كما يقول العمل، في لوحة واحدة وفضاء واحد اختلفت الخطوات، تماهى الفزاني التونسي ، مع الدبكة الفلسطينية وشطحات الصوفيين وحركات الرقص المعاصر، فابدع محمد العيساوي في الخطوة التونسي وبدى متمكنا جدا من حركاته المنصهرة مع ذاكرته، وحلقت ملاك الزوايدي في عليائها اثناء شطحاتها الصوفية كانها امتداد لكل من سبقوها وكان الياس التريكي و رومان بيفو عنوانا للحركات المعاصرة لينصهروا معا في لوحة فسيفسائية واحدة عنوانها الصمود وان اختلفت التعبيرة.
ليكون “لاباس” جولة في تاريخ الرقص قدمها الراقصين حاملي المشروع، الموسيقى أيضا كانت بتلوينات وهويات متعددة تشترك جميعها في معنى الصمود والدفاع عن الذاكرة من النسيان.