عن الخُطيفة و أهلها : تراجيديا “الذات المسلوبة” في مرايا النرجسية والطبقية.. قراءة في سيكولوجيا الاستلاب
عن الفن و أهله

عن الخُطيفة و أهلها : تراجيديا “الذات المسلوبة” في مرايا النرجسية والطبقية.. قراءة في سيكولوجيا الاستلاب

في المشهد الدرامي المعاصر، قلما نجد عملاً يغوص في عتمة [...]

11 March 2026
1 دقائق

في المشهد الدرامي المعاصر، قلما نجد عملاً يغوص في عتمة النفس البشرية بجرأة مسلسل “الخطيفة”، الذي لم يقف عند حدود الترفيه، بل تحول إلى مشرحة اجتماعية تفحص “بكتيريا” العلاقات المختلة. إننا أمام ثنائية “قمر وفاروق”، تلك العلاقة التي لا يمكن وصفها بـ “قصة حب” إلا من باب التجاوز المجازي، فهي في جوهرها “صراع وجودي” غير متكافئ، يتصادم فيه إبداع الضعفاء بنرجسية الأقوياء، وتضيع فيه الهوية الشخصية تحت وطأة “الأنا الأعلى” الجماعي المتمثل في العائلة والطبقة.

تبدأ مأساة “قمر”، خريجة الفنون الجميلة، من تلك الفجوة الوجودية التي تفصلها عن عالمها. هي الفنانة التي تصيغ الجمال من الحرف اليدوية، لكنها تعجز عن صياغة استقلالها الذاتي. إذا ما استنطقنا نظرية “دونالد وينيكوت” حول “الذات الزائفة” (False Self)، نجد أن قمر هي التجسيد الأتم لهذا المفهوم؛ فقد قمعت قمر “ذاتها الحقيقية” المبدعة والمتمردة لتتبنى “ذاتاً وظيفية” خلقتها خصيصاً لإرضاء أمها المتسلطة. قمر تعيش في حالة من “التعلق المرضي”، وهو نوع من “الحبل السري” النفسي الذي لم يقطع أبداً. وبينما اختار إخوتها طريق “الأنانية الناجحة”، ففروا بجلودهم ليؤسسوا حيوات مستقرة بعيداً عن صخب البيت القديم وأعباء الأم، بقيت قمر هي “الضحية المختارة” أو “الكبش الفداء” الذي يتحمل وزر بقاء العائلة. هؤلاء الإخوة مارسوا “خيانة صامتة”؛ لقد “باعوا” حرية شقيقتهم مقابل استقرارهم الشخصي، تاركين إياها في مواجهة “الأم الملتهمة” التي لا ترى في ابنتها إنساناً مستقلاً، بل “امتداداً” لرغباتها وعكازاً لشيخوختها.

هذا الحصار العائلي جعل من قمر أرضاً خصبة لاستقبال “منقذ” مزيف، وهنا يبرز “فاروق”؛ الطبيب الثري الذي يرتدي قناع الحكمة والاحتواء. لكن التحليل الفرويدي يكشف لنا أن فاروق لا يحب قمر، بل يحب “الصورة” التي يراها في عينيها. هو يعاني من “نرجسية ثانوية” تجعله يرى في الآخرين مجرد “مرايا” تعكس تضخم أناه. بالنسبة لفاروق، قمر هي “موضوع انتقالي” (Transitional Object) بمفهوم وينيكوت؛ هي تلك “الدمية” العاطفية التي يهرع إليها كلما عضه الفراغ الروحي في عالمه المادي البارد. يذهب إليها ليختبئ من ضجيج طبقته، يتكلم معها ليشعر بنقائه المفقود، لكنه في الحقيقة “يستهلكها” عاطفياً كما يستهلك أي بضاعة فاخرة.
تتجلى ذروة القهر في موقف فاروق من الزواج؛ فهو يرفض رفضاً قاطعاً فكرة مأسسة هذه العلاقة أو الاستمرار فيها بجدية. هذا الرفض ليس ناتجاً عن خوف من المسؤولية فحسب، بل هو “إعلان طبقي” مضمر. فاروق “غير جاهز” للاستمرار لأن قمر بالنسبة له “ملاذ مؤقت” وليست “شريكة عمر”. هو يريد “الاستمتاع” بفقرها وفنها وتضحيتها دون أن يدفع ثمن ذلك “اجتماعياً”. هذا الرفض يضع قمر في مهب الريح؛ فهي التي هربت من جحيم الأم لتجد نفسها في “فخ” الرجل الذي يعاملها كلعبة يخرجها من علبتها وقت الملل ويعيدها حين يكتفي. إن عدم جاهزية فاروق هي “الرصاصة” التي تقتل الأمل الأخير في روح قمر، وتكشف لها أن “الخلاص” لا يأتي من الخارج.

أما “الحدث الكاسر” في نهاية المطاف، حين وجدت الأم ابنتها في اللحظات الأخيرة، فهو قمة التراجيديا العبثية. إن عودة الأم لابنتها بعد أن نبذتها وعاقبتها بقسوة عند أول خطأ، لا تمثل فعلاً تطهيرياً بقدر ما تمثل “إعادة إحكام القيد”. قمر التي ضحت بكل شيء، تجد نفسها في النهاية مجبرة على العودة لدور “الممرضة” و”الخادمة”، وكأن قدرها أن تظل “الرئة” التي يتنفس بها الآخرون بينما هي تخنق.

إن إخوة قمر، في أنانيتهم المفرطة، هم الشركاء الحقيقيون في هذه الجريمة النفسية. لقد مهدوا الطريق لفاروق لكي يستفرد بها؛ فغياب “السند” الأخوي جعل قمر تبحث عن الأمان في حضن رجل “نرجسي” يرى في ضعفها إغراءً، وفي فقرها مساحة للسيطرة. هم نجحوا في “الحياة” وفشلوا في “الإنسانية”، بينما نجحت قمر في “الفن” وفشلت في “حماية نفسها”.

يضعنا مسلسل “الخطيفة” أمام سؤال وجودي مرير: هل يمكن للجمال (قمر) أن ينجو في عالم يحكمه المنطق الطبي المادي (فاروق) والانتهازية العائلية (الإخوة)؟ إن قمر هي رمز لكل روح مبدعة سجنت في التزامات وهمية، وفاروق هو رمز لكل سلطة نرجسية تستغل حاجة الآخرين للأمان لتغذي غرورها. وفي ظل هذا الصراع، تظل “الحرف اليدوية” التي تصنعها قمر هي الشاهد الوحيد على روحٍ كانت تريد التحليق، لكنها سقطت في فخاخ “الخطيفة” البشرية التي لا ترحم.

السيدة إيڨو

السيدة إيڨو

مختصة في علم النفس

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.