فضاء وطن الثقافي ببني خداش: عبقرية المكان و أول خطى لعن الظلام .. شمعة
عن الفن و أهله

فضاء وطن الثقافي ببني خداش: عبقرية المكان و أول خطى لعن الظلام .. شمعة

طوبى للحالمين والصادقين، طوبى لمن يدافعون عن ثقافة أطفال الداخل [...]

2 May 2026
1 دقائق

طوبى للحالمين والصادقين، طوبى لمن يدافعون عن ثقافة أطفال الداخل التونسي في الثقافة والفنون ويؤمنون بواجبهم تجاه الأطفال لمنحهم مساحات من التعلّم واللعب، طوبى لمن يصنعون عالما جميلا رغم خيبات الواقع ويحوّلون قسوة الجغرافيا الى ترتيلات مقدسة للفرح ويمنحونه للأطفال عبر المسرح والدمى وكل تلوينات الحياة.

وفضاء وطن الثقافي ببني خداش منارة للحياة، قبلة للباحثين عن سعادة مجانية يمنحها صناع الجمال في محرابهم المقدّس الفضاء الصغير اطفئ شمعته العاشرة ومازال متمسكا ومدافعا عن أهدافه الرئيسية: الدفاع عن حق أبناء بني خداش في الفنون وتحقيق اللامركزية الثقافية والانتصار بالفن لكل الأطفال.

فضاء وطن يتربّع على عروش القلب ويسرق جمالية الجغرافيا

تتربع المدينة بين الجبال، تغري زوارها باكتشافها، طريق جبلية دائرية تشبه رحلة الصعود الى السماء، من مدنين مركز الولاية وصولا الى بني خداش مرورا بموقع عين العنبة الشاهد على نضالات أبناء المنطقة ضد الاستعمار الفرنسي، طريق وتضاريس جبلية محمّلة بمعاني الصمود والشموخ المتوارث بين الأجيال فالمكان ارض للثقافة والنضال والملاحم اين وقعت معركة “ميطرة” التي تغنت بها مجموعة “عبيد قبنطن” والتي استشهد فيها مصباح الجربوعي دليل على مساهمة تلك المناطق في معركة التحرير.

كلما تقدمت السيارة طرح السؤال ما الذي تخفيه الجبال خلفها، مرتفعات عديدة لكل منها حكاية وأبرزها “المزنزن” الجبل المطل على بني خداش والبْحِيرة ودِمِّرْ والقصبة وزمّور، اعلى نقطة في سلسلة جبال مطماطة، يطلّ على شقيقه جبل توجان وبينهما “سطوط” الذي اصبح “ترند” بفضل اغنية “يا سطوط يا مقابل جبل توجان” التي اشتغل عليها موسيقيا المبدع كريم الثليبي.

 في قلب المدينة المصنفة كبلدية سياحية يوجد فضاء وطن اول فضاء ثقافي خاص في بني خداش والوحيد، فضاء منذ بعثه الثنائي عبد الحكيم صويد وضو حمزة خلف الله في جانفي 2016 وهو نبراس للأمل وبوّابة للحلم يمرّ من خلالها الأطفال ويتعلمون ثقافة الحياة وممارسة الفن معايشة كل تلوينات الابداع.

“فضاء وطن الثقافي” جملة تقريرية بسيطة مكتوبة باللون الأسود على اللافتة البيضاء، رواق صغير يحمل معرض “روح النخلة” للفنان حسان المري ضمن فعاليات الدورة السادسة لملتقى وطن لمسرح الطفل وفنون العرائس، فباب باللونين الأسود والاحمر وهما اللونان الطاغيان في قاعة العروض.

 ركح صغير لكنه يتسع لأحلام أطفال الجهة في ممارسة المسرح، الى يمين الزائر مكتبة صغيرة ازدانت بإصدارات مسرحية، وزيّنت الجدران بعرائس سبق وان كانت شخصيات في أعمال أنتجت وقدّمت في الفضاء، الى اليسار سلّم صغير أين غرفة التقنيين، فالفضاء صغير في حجمه ولكنّه يتسع لمساحات كبيرة جدا من الامل والعمل.

عشرة أعوام من النشاط والعروض والملتقيات والأنشطة، أعمال للكهول وأخرى للأطفال لتقريب الفنّ اليهم، من المسرح يعلمون الأطفال ثقافة الحياة واهمية العلم ويزودونهم بطاقة الفرح لمقارعة الدروس وروتين اليومي وتعليمهم ثقافة الفرجة والابداع..

 

عشرة أعوام من النضال والعمل ليكون وطن قبلة للحالمين

عشرة أعوام من النضال ليحافظ “وطن” على برمجته الثقافية ويستقبل فنانين من كامل الجمهورية التونسية، أبوابه مفتوحة للورشات، يقدم نادي مسرح للأطفال واخر للكهول يشرف عليه ابن الفضاء مبروك المحضاوي، وورشة لصنع العرائس وورشة الحضانة الثقافية تشرف عليها السيدة الجامعي ورشة للفنون التشكيلية مع وداد شندول حيث يلوّن الأطفال احلامهم بأجمل ألوان الفرحة ويكتبون الامل المتجدد من خلال الفنون والابداع.

قبل عشرة أعوام تحدث عبد الحكيم صويد باعث الفضاء عن حلمه ليكون الفضاء قبلة لأطفال بني خداش ويقدم عروض وورشات تكوينية ترغبهم اكثر في المسرح وبعد عشرة أعوام نجح جلال حمودي المدير الفني لوطن في الحفاظ على جمالية الفضاء وترسيخه في اليومي لجمهوره، فالوطن الصغير قبلة للأطفال ولأحلامهم وحكاياتهم، الفضاء بعد عشرة أعوام حافظ على وجوده ويقدم تظاهرات خاصة به في مسرح الطفل  (ملتقى مسرح الطفل وفنون العرائس) ومسرح الهواية  (ملتقى عبد المجيد بن عمر لمسرح الهواية) ويفتح أبوابه للتظاهرات المشتركة مع دار الثقافة والجمعيات الثقافية الفاعلة في الجنوب، ومن التجارب  الهامة والمختلفة تجربة نادي المسرح بالمدرسة الابتدائية “الفجيج” التي اشرف عليها المربي عمارة عطية والمسرحي جلال حمودي، كل هذه التجارب جعلت “وطن” قبلة لكل المبدعين واستمرّ صنّاع الجمال في انجاز اعمال مسرحية ولقاءات دورية تحافظ على ديمومة وطن، فضاء للقاء والمسرح والابداع.

قبل عشرة أعوام كان الفضاء يتحسس مكانته في المشهد الثقافي، السنة الأولى كان عدد الجمهور قليل جدا وحاول المشرفون كثيرا ليصبح لوطن جمهوره من خلال العروض والشراكات وتنشيط الشارع وبعد عشرة أعوام اصبح الجمهور اكثر من طاقة اتساع الفضاء واصبح قبلة لكل الأطفال والاولياء وعروض الدورة الأخيرة من ملتقى مسرح الطفل كانت امام جماهير غفيرة، كل المقاعد مشغولة من الأطفال وبعض الاولياء الذين يشاهدون عروض الطفل ويستعيدون طفولتهم المخفية بين ثنايا القلب، بعد عشرة أعوام من الجدية والصدق نجح فضاء وطن الثقافي في تكوين قاعدة جماهيرية وكسب ثقة المحيط واصبح قبلة حقيقية لعشاق الفن والباحثين عن جماليات متجددة.

فضاء وطن الثابت منذ سنوات والمشرع نوافذه على شبابيك الامل، الداعم لأحلا الأطفال والصانع للفرجة والجمال، وطن للمبدعين الصادقين، مهرب للباحثين عن الجماليات، للفضاء مريديه وزواره القارين أولئك المنخرطين في أحزاب الفرحة ومنظمات الجمال، رواد الفضاء من الأطفال هم سرّ استمراريته وجدية المشرفين عليه جعله منارة للمسرح والفنون.

يدافع المشرفين على وطن عن ثقافة الحياة، لا يكتفون بالفرجة بل يساهمون في صناعة الجمال وتأثيث المشهد المسرحي، وطن قدم لمحبي الفن الرابع مجموعة من الاعمال منها مسرحيات “سيأتيك الشعب يوما” و”الزمة” و”موتّّ فوضوي” وune fois و للأطفال قدموا مسرحيات “صانعة الدمى” و”موشكا” فأبناء الفضاء اكدوا قدرتهم على النجاح متى توفرت الفرصة، ومع مشاريعه الإبداعية اثبت وطن انّه مدافع شرس عن حق أبناء الداخل التونسي في الفن ممارسة وفرجة، فهناك تكتب يوميا سردية جديدة للأمل وهناك إرادة تتماهى مع الجبال الشامخات رغم قسوة الجغرافيا، في وطن تنحت الحياة بأسلوب مثير يشي بتقاسيم الفرح.

 

مشروع أصوات وتكريم الذاكرة من خلال اهازيج النساء

غنين للحب، للفرحة، هنّ الذاكرة الحية والمتوارثة عبر الأجيال، لازلن يحرسن المكان ويحافظن على حكاياته، سيدات الفضاء والمتربعات على عرش الذاكرة الشفوية الغنائية، حين يرفعن الصوت تنبثق معه ملاحم الحب والحرب والحرية التي عاشتها النسوة في بني خداش والبحيرة والقُصْبة وزمر  ووادي الخيل وكلّ تلك الجبال الممتدة والملازمة لثقافة الشموخ.

 ولانّ المسرح بوابة لكل الفنون والاغنية الشعبية جزء من ذاكرة فنية للجهة اختار فضاء وطن التوثيق لأهازيج النسوة للحفاظ وصيانة هذه الذاكرة قبل التلاشي في مشروع اسمه “أصوات ” المتمثل في تسجيل أهازيج النسوة بين الحقل والحفل ببني خداش المدعوم من قبل صندوق التشجيع على الابداع الأدبي والفني بوزارة الشؤون الثقافية التونسية. والتجربة حسب جلال حمودي المدير الفني لوطن تستحق المغامرة رغم صعوبتها، فالنسوة هنا لازلن يحافظن على خجلهنّ ونادرا ما يقبلن الغناء في مكان مفتوح، وفكرة تجميعهنّ للغناء في مناسبة غير “العرس” يعدّ تحديا، التجربة جعلتني اكتشف اكثر حكايات هذه الجبال الممتدة، فالنسوة كنّ ولازلن حارسات المكان والمدافعات عنه بتوثيقهنّ لكل التفاصيل في اهازيجهنّ.

“أصوات” لقاء الذاكرة، متابعة لأغاني النسوة وحكايات الحقل والحفل، تتبع للذاكرة الشفوية ومحاولة لتوثيقها لتكون مادة فنية وابداعية للأجيال القادمة، انطلق المشروع من خلال التجول بين القرى لتسجيل الأغاني، ثم تجميعها وقدّم وطن للجمهور محاكاة للمشهديات المغناة عبر النسوة في عرض فني مبهر بالرمال المتحركة صنعه الفنان التشكيلي حبيب الغرابي، ليكون أصوات وثيقة تشهد على ذاكرة النساء حارسات المكان وباعثات الحياة فيه.

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.