مجبرون على الحلم رغم الظلمة، مقيدون بالأمل ومحكوم بالبحث عن افاق أرحب في وطن ضاقت جدرانه على أبنائه، مكتوب على احلامنا موتها السريري، احلامنا تشبه ارواحنا الممزقة بين واقع قاس ومنظومة مجتمعية وسياسية تحاول التضييق الدائم على أبناء الاحياء الشعبية من القرن السادس عشرة (الارباض) الى اليوم (الاحياء الشعبية) ووسط كل الخواء توجد السينما مساحة للحلم والحرية ولتقديم جرعة أمل متجددة وهو ما فعلته المخرجة المكشر في فيلمها “نوار عشية” الروائي/الوثائقي.
الفيلم انتاج مجمع قوبنطيني للتوزيع والإنتاج، بطولة بحري الرحالي وفاطمة سعيدان ويونس مقري والياس القادري وامير (سلام مسيو) وعبد القادر الدريدي ومعز التومي وقدم كريم الكوكي الاغنية الرسمية للفيلم.
السينما صرخة ضد بشاعة الواقع وتهميش الدولة لأبنائها
السينما وسيلة للنقد وتسليط الضوء على مشاكل البلاد ومشاغل الناس، عبر الكاميرا تتنقل المخرجة لتوصل لجمهور الشاشة الكبرى حكايات تونسيين يعانون التهميش ولكنهم مصرين على الامل، في أحد احياء العاصمة تكتب خديجة المكشر وفريقها الفني والتقني ملحمة للأمل، تنقل صورة مبهرة فيتحوّل القبح الى جمال عبر الكاميرا، “حي هلال” تحديدا فضاء تصوير الفيلم وبمساعدة أبنائه وسكانه نجحوا في صناعة مشاهد فيلم “نوار عشية”، فيلم يعيد صياغة الواقع بأسلوب سينمائي، من خلاله صنعت المخرجة بعض الدهشة وتفننت في التلاعب بمشاعر مشاهدي عملا بمقولة فريديريك هوتشوك “هدفك جعل المشاهد في حالة عذاب قدر ما استطعت”.
حي هلال الحي الشعبي (حفرة قريش) الرابض قبالة سبخة السيجومي يشهد على شروق الشمس وغروبها يوميا بينما الحي ساكن في الفقر والتهميش المتواصل، حي هلال مادة تاريخية وثقافية وجزء من منظومة اقتصادية وشغلية هشّة يسكنه المنسيون والباحثون عن بعض الحياة في العاصمة ممن تركوا قراهم ومدنهم الاصلية بحثا عن بعض الكرامة في ازقة العاصمة وضواحيها.
تشكل الحي منذ ثلاثينات القرن الماضي وحمل لمدة طويلة اسم المجاهد “صالح هلال الفرشيشي” الذي قتل عام 1954 اثناء مقاومة الاحتلال الفرنسي، ليصبح اليوم نواة مجتمعية وقوة سكنية ولكنه لازال يعاني التهميش وأصبح يعتبر خطّا أحمرا بسبب انتشار الجريمة، في حي هلال اختارت المخرجة ابطال حكايتها، أبناء هذا الوطن المهمشين هن صنّاع الحكاية تتبعهم الكاميرا في فيلم روائي كتب بشاعرية عالية ينطلق مع بزوغ الشمس على السبخة وينتهي بغروبها في البحر، فبين الماء والماء تولد أحلام وتجهض أخرى.
يسلط الفيلم الضوء على شخصيات عديدة موجودة في المجتمع التونسي والاحياء الشعبية، فأبناء هذه الاحياء عادة ما يقاومون تهميش السلطة لهم بالفوضى والهروب الى وسائل التخدير للغياب المقت عن وجع الواقع، في هذه الاحياء تولد الاحلام أيضا وتوجد الانتصارات كما فعلت شخصية يحيى، او دجو صاحب قاعة الرياضة.
“نوار عشية” فيلم يقدم صور جميلة، مع سيناريو كتب بلغة شاعرية، صاحب الفيلم اغنية تكشف معاناة أبناء الاحياء الشعبية ، ولكن اغلب الشخصيات انهزامية، تبكي دون محاولة البناء او التغيير، يحيى (الياس قادري)انهزم رغم البطولة لم يتمسك بحقه في صعود سلم النجاح وهرب في اول “شقف” الى موته، “روكي(فاطمة بن سعيدان) المشرفة على التدريبات تشاهد أبناء الحي تسرق احلامهم يوميا ولم تحاول لمرة التوجه لو بنصيحة الي أي كان بما فيهم “الشومبيون” يحيى كما تسميه، صاحب قاعة الرياضة دجو (يونس مقري)لم يدخر الجهد ليبحث عن جثة يحي ولكنه لم يبادر بنصحه او إنقاذه من فكرة الهجرة غير السرية فقط اكتفى بلومه بجملة “إيطاليا… الكلم تخمموا في الحرقة”، الاب (بحري الرحالي)انهزامي حدّ عدم تشجيع ابنه على ممارسة النجاح وعدم تقبل خبر موته، وحتى “لامبادوزا” (معز التومي) المتاجر بأجساد واحلام أبناء الحي نجده يتراجع ويرمي بهم الى البحر بمجرد مشاهدة ضوء اعتقدوا انه للحرس البحري، اغلب شخصيات العمل خانعة وانهزامية هكذا تبدو الصورة البسيطة ولكنّ لكل الشخصيات تختار الانهزامية عن وعي لانّ قسوة الواقع جعلتهم يستسلمون تدريجيا وأصبحت فكرة المحاولة امر يثقل الشخصيات “سارقلي الحلمة، زايد نحارب سيستام” كما تقول اغنية الفيلم.
أحلام الشباب تسرق بسبب تهميش السلطة
نوار عشية هو عنوان الفيلم الذي سلط الضوء على قصة معروفة ومنسية، فالسينما التونسية اشتغلت على الاحياء الشعبية وكثيرا ما كانت الكاميرا صوتا للمهمشين المرابطين ليحرسوا بذور الامل.
شخصيات الفيلم متبيانة، اب سكير وعربيد، زوجة خانعة وشاب يبيع كل الممنوعات وبوليس مرتشي وحرّاق يوصل الأجساد المنهكة الى لامبادوزا، ومن بينهم “يحيى” ابرز الشخصيات واقلها ضوضاء، شاب يحلم كغيره بالهناك بايطاليا جنة موعودة، يحيى شخصية متوازنة اختار “البوكس” كهدنة مع الوقت/ تحصل على البطولة الوطنية للملاكمة يتدرب في قاعة تصبح عتبتها وكرا للحلقات الخمرية كل مساء، يحيى آمن بقوة اللكمة ونجح في البطولة ولكن فرحة نجاحه الرياضي لم تنسه حلمه الدائم “الحرقة”، يلتجئ يحيى الى “لامبادوزا” اشهر “الحراقة، يغادر جسد يحيى الوطن تاركا خلفه أحلام ونجاحات يرمي بنفسه الى المجهول دون ضمانات الوصول.
تلتقط الكاميرا تفاصيل ملامح الشخصيات، “يحيى” أبرز الشخصيات التي ستدور حولها قصة الفيلم، يحيى “نوار عشية” يزهر مساء ويذبل مع شروق الشمس، استعارة ذكية من كاتبة السيناريو فأحلام شباب الوطن كما “نوار لعشية” تولد في الظلام وبسببه تموت، في دائرة الفراغ تعيش الشخصية، تتوه منها التعبيرات فيهرب الى الغابة هناك يلكم الهواء ويختاره منافسا حد السقوط او النصر، يحيى لم يحمل من اسمه شيئا فهو ولد ليعيش في تهميش الدولة ثم يسرق منه البحر عمره في لحظة الحرقة.
بأسلوب شاعري تختار الكاتبة نهاية بطلها، لم تتركه للغرق العادي فمشهد الغرق وكيفية اللقاء بين “يحيى” و”عروس البحر” كان في قمة الرومنسية والشاعرية، تلك الحورية التي رافقته في أحلامه منذ الطفولة كانت بمثابة الإنذار للمتفرج ان نهاية الشخصية وشيكة “انا عروستي تمنعني كان نغرق” الجملة التي يرددها يحيى لصديقه، لقاء ميزته الأغاني الساحرة التي ترددها الحوريات ووحده يحيى ثمّ مدربه من سمعها، الموت في الفيلم ضرورة لانّ الشخصية اختارت نهايتها ولكن الطريقة كانت شاعرية وكأننا بالمخرجة ترفض نهاية الشخصية نهاية عادية مثل البقية فزينتها بلقاء ميثيولوجي شاعري بين انسان وحورية بحر.
تنتهي أحلام يحيى في البحر، تولد أحلامه على السبخة وتموت في المتوسّط، وبينهما تنحت في صخر التهميش أحلام بالنجاح والتالق، يحيى يشبه الكثير من شباب هذا البلد، كثيرون اختاروا ظلمة البحر على شمس الأرض، رموا بأملهم وجسدهم الى المجهول هربا من حقيقة معلومة النهاية، من حسن حظّ “يحيى” انّه شخصية كتبتها خديجة المكشر بحبّ فانقذت حورية البحر جسده من الأسماك وحافظت عليه الى حين وصول مدربه وإخراج الجثة ودفنها، اما الناس الحقيقيين فكثر هم اللذين كانوا وليمة دسمة لاسماك البحر الأبيض المتوسطّ الذي تحوّل الى “جبّانة” جماعية للحالمين بجنّة إيطاليا.
اختارت المخرجة “يحيى” بطلا في رياضة الملاكمة لتسلط الضوء من خلال الشخصية على معاناة ابطال الرياضات الفردية، في عرض الفيلم بقاعة الكوليزي حضر عدد كبير من الملاكمين الى القاعة وصعدوا على الخشبة محمّلين بتتويجاتهم، ابطال الرياضات الفردية يعانون كثيرا، فكم من بطل قدم الى وطنه بميدالية برونزية او فضية وحتى ذهبية ووجد نفسه وحيدا في المطار؟ وكم بطلا أجلت أحلامه تدريجيا بسبب البيروقراطية الإدارية واخرهم بطل التايكواندو “خليل الجندوبي” البطل الافريقي والعالمي صاحب الميدالية الذهبية، خليل الذي لم يتحصل على جرايته (900دينار)حسب تصريحاته الإعلامية منذ اشهر، ولم يستطع انجاز امتحانه لانّ الوزارة لم تعلم الجامعة عن غيابه وتمثيله تونس في مسابقة دولية، وكم لاعبا “حرق” اثناء وجوده في بعثة خارج البلاد نستحضر منهم (حمزة بن عمر بطل افريقيا لرفع الاثقال)، هؤلاء المرابطين والمدافعين عن الرياضات الفردية والنجاحات يدفعون الكثير من الأمل في بلد تتجه انظار السلطة الرياضية اكثر الى الرياضات الجماعية وخاصة كرة القدم، ، لذلك كرّمتهم خديجة المكشر بأسلوبها في فيلم “نوار عشية”.
مفيدة خليل