فنان مختلف، ثائر عن السائد اختار طريقه الأصعب منذ البدايات، توفيق الجبالي المشاكس والباحث عن التجديد والتجريب، الجبالي صانع الجمال يضع امام مريديه وقراءه جزء من حياته المهنية ومساره الشخصي في كتاب عنوانه “لست المسرحي المناسب” الصادر عن دار الجنوب.
عن الكتاب يقول مؤلفه “قد يكون فات الأوان لمثل هذه الأدبيات أو أنها انتهت صلاحيتها وسط ضجيج الكفاءة المزعومة والجدارة وحيث أنه لا جدوى لما نقوم به، فلا بأس أن نستمر في قول ما بقي مطويا في الذهن…ليس رفعًا لأي التباس بل إمعانا فيه…”.
طفل حالم فمسرحي مشاكس ومتمرد
“لست المسرحي المناسب” جملة تقريرية يعترف من خلالها الجبالي رغم سنوات العمل والاعمال الجادّة انّه لا زال يتعلم ويبحث في بحر هذا الفن اللامتناهي، فالمسرح ليس اختصاصا “المسرح ملجأ للمنشقين، للمستضعفين، للجبناء الملعونين، للارواح المطرودة من مذاهب الطاعة”، هذا المارد اختاره الجبالي ليكون مساره الإنساني قبل الفني.
يفتح الجبالي شبابيك الذاكرة ليطلّ على الطفل الصغير المنزوي، ذاك اللاعب بالضوء في الظلمة صانعا لنفسه عوالم من خيال الظل والعائلة والأصدقاء جمهوره الأول، طفل مشاكس رافض لمنظومة تربوية كلاسيكية “بدت لي المؤسسة التعليمية مثل مسرحية مملّة معلومة الاحداث: المدرّس يكرر نصّا محفوظا والتلاميذ يتظاهرون بالانتباه والجري وراء الاعداد والرتب”، فتمرد عليها بالفن.
يواصل رحلة البحث عن الحقيقة فنجده شابا أحلامه تتجاوز امكانياته المادية، مغامر جسور تجمعه الصدفة بمغامرة مع “العاطلين عن الامل” كما يسميهم، لقاءاتهم حسمت مصائرهم، هم علي اللواتي وسمير العيادي ومحمد ادريس ومصطفى القضاعي وعلي سعيدان ومحمد القرفي وغيرهم، شباب تقودهم نزعة شغب وبحث عن منافذ اكبر، احلامهم اكبر من المساحات الموجودة فاتجهوا الى “قدماء الصادقة” و”الشبيبة المدرسية” و”المسرح الجامعي” الى ان وجدوا ضالتهم في الكتب، حين قرؤوا ليونسكو وبريشت وتعرّفوا على المسرح الثوري ومسرح الوعي الإنساني المأزوم عرفوا انّ المسرح سيكون طريقهم الدائم للبحث عن الذات وإعادة تشكيلها.
يعتبر بيان الاحد عشرة (1966) لحظة رمزية فارقة في تاريخ المسرح التونسي، مجموعة من الشباب تكتب بيانا تنادي فيه بضرورة القطع مع المسرح السائد وتثوير الممارسة المسرحية في تونس ورفض “المسرح الرسمي” الذي يمثله علي بن عياد انذاك، هذا البيان كان توفيق الجبالي احد الممضين عليه ووصفه في الكتاب “حماقة الانتفاضة الأولى”، البيان نتج عنه تكليف المنصف السويسي بتأسيس فرقة الكاف وكانت أولى ثمرات التجديد، ولكن وبعد سنوات يعترف الجبالي ان البيان انطلق فقط من الحماس والرغبة في التحدي لا التجربة والبحث.
مارس توفيق الجبالي المسرح كتابة وتمثيلا واخراجا، عرف بتمرده على السائد قدم الكثير من سنوات العمر لهذا الفعل الابداعي الحياتي، في رصيده العديد من الاعمال واشتغل على تثوير الجسد واللغة وتقديم رؤية فنية مختلفة لممارسة المسرح ، في كتابه ينقد الجبالي باسلوبه المشاكس بعض هنات المسرح التونسي اليوم ومن بينها:
المسرح ليس اختصاصا، هو ليس مثل الموسيقى او الرسم يخضع لقواعد.
المسرح ليس نقلا للواقع انما بعض المسرحيين الكسالى يختبأون خلف هذه الجملة تجنبا لفكرة الاجتهاد.
حان الوقت لتجاوز التصنيفات الواهية بين كلمتي مسرح شعبوي ونخبوي لانها تكشف عن محدودية في الوعي وتعمّق الانسان في ظل التطورات التي يعيشها وسائل المعرفة المتطورة، وتبقى الغاية هي إضافة شرارة الى المتفرج أيا كان النمط الفنّي المقدم.
اكتفاء كثير من المسرحيين بموقع التلميذ والالتزام باستنساخ المسرح الغربي.
والاسوء وهم التفوّق الذي يعيش به المسرحيين في تونس والخطر ليس في الفشل بل وهم التفوّق الذي يتفاخر بذكريات الماضي “الخطئ الحقيقي ليس في الفشل بل في وهم التفوّق الذي يحوّل المسرح من مختبر حيّ الى تفاخر سيء يلمّع ذكريات الماضي، ومن أراد الحفاظ على هذا الفن، عليه أولا ان يتحرر من صورته القديمة”.
التياترو ملجئ الحالمين ومنجم المبدعين اليوم
يعتبر فضاء “التياترو” ثورة مسرحية، هو اول فضاء ثقافي خاص خارج منظومة السلطة الرسمية، الفضاء ولد من رحم البحث عن مساحة للتجريب، والتدريب، وانشئ فضاء التياترو في أكتوبر 1987 وكان “تأسيس فضاء ثقافي خاص آنذاك مغامرة استثنائية بكل المقاييس لان المدينة تفتقر الى أماكن حرّة ومستقلة” وتعود أسباب بعث الفضاء الى إيجاد ركن صغير يحتمي به صنّاع المسرح “كنت مثل كثيرين من جيلي اشبه بالبدو الرّحل نحمل مشاريعنا فوق اكتافنا”.
بعثوا التياترو أصدقاء في الحياة والفن، ومنهم رؤوف بن عمر رفيق درب الجبالي وزينب فرحات ومختار الدرويش ورشاد المناعي ومحسن الرايس ومحمود الارناؤوط ويوسف بن يوسف وقيس رستم والطاهر ماينة وغيرهم، ليكون التياترو منذ لحظة انبعاثه الى اليوم مساحة للحرية، فضاء للتجريب وللدفاع عن الأفكار الحرة، فضاء واجه بذكاء الرقابة والسلطة السياسية والثقافية وانتصر دائما لكل مسرحي مثابر وله مشروعه المختلف.
من فضاء التياترو ولد مشروع ثقافي وتكويني اخر هو “التياترو استوديو” مثّل احد ابرز تجليات التكوين الحر، في التياترو استوديو تولد الأسئلة وتطرح عن علاقة الفنان بمعرفته وبالواقع والجمهور دون التقيد بقواعد جاهزة. التياترو استوديو كوّن أجيال عديدة وزوّدها بشهادة الفعل لا الشهادة الورقية كما كتب الجبالي، مشيرا الى الصراع غير المعلن بين حامل الشهادة “الدخلاء” مؤكدا ان الأجيال الجادة من الممثلين التي كونها التياترو اثبتت شرعيتها في الممارسة المسرحية، منوّها ان مشاكل المسرح اعمق من هذا النقاش العقيم لان المسرح يحتاج الى جسور حقيقية للتعاون بين “الحر” و”الاكاديمي” ليعدوا للمسرح مكانته الحقيقية في تأصيل الجمالي.
في الكتاب قدم الجبالي سيرة كل عمل وكيف ولد وتشكّل على الخشبة من “ثورة ديناصور” اول اعمال التياترو الى “التابعة” اخرها وبينهما سردية للنضال لاجل فعل مسرحي مغامر وجريء استطاع تجاوز الرقابة بالذكاء والجدية.
توفيق الجبالي الفنان المغاير شاركته رفيقة الدرب زينب فرحات في النجاحات، عاشت معه مخاض ولادة اشهر الاعمال وانجحها، كانت الملهمة والسند، ولزينب فرحات اهدى منجزه وسماها الوصية والدليل:
“ابحث في كل ركن من ذاكرتي
لعلّي اجد منفذا يواسي انتظاري
لمن كانت تدفعني الى الأعلى
اليد الخفية التي تفتح الأبواب المقفلة
وتحوّل الفكرة الى مشروع يولد على الخشبة
كانت الوصية والدليل
هكذا كنت قبل ان تغيب
وصرت بعدها بلا دليل او واعز
صرت وحدي امشي بخطى يتيمة على خشبة هذا المسرح اللعين
مفيدة خليل .