مسرحية “الانساوان” اخراج محمد كواص سيمفونية القلق زمن اغتراب الانسان وتحوشه

 

هل نحن بشر ام حيوانات؟ هل نحن انسان كامل ام متشظي؟ وهل كل بشري بالضرورة انسان؟ هل نحن ضحايا ام مجرمين؟ كيف نحارب ظلمة اللانسانية واللامعيارية عبر الفن؟ وهل للمسرح القدرة على تعرية بؤس انسان اليوم وتقديم طرح آخر بديل؟ مجموعة أسئلة يطرحها صناع عرض “الانساوان” نص وإخراج محمد كواص ليدقّوا جرس الإنذار عن تلاشي القيم في زمن التوحّش.

“الانساوان” تجربة إبداعية من أداء الازهر الفرحاني وزينب فرشيشي ويحيى الفايدي واصالة كواص وحمودة بن حسين وفاتن الشرودي ومحمد الهادي بن منصور وعلياء السميعي، تصميم اضاءة شوقي المشاقي وموسيقى وضاح العوني وملابس خولة بن تركية ومكلفة بالإنتاج ايناس الشعباني، انتاج بي اكتور ستوديو 2026.

السينوغرافيا تكثيف دلالي للفعل الإبداعي

جسد الممثل خامته الخاصة يرسم عليها ما يشاء من أفكاره وقصصه، يحمّله وزر الفعل الإبداعي ويسكنه بطاقة نقدية تشاكس الفضاء وتعانده في مرات عديدة، الفضاء الخاوي يجده المتفرج صاخبا بسبب حركة الممثل وطاقته وهدوء الأسود يتحول الى حمرة تشبه النار التي سرقها بروميثيوس من الهته ليساعد الانسان، كذلك يفعل الممثل يترك جسده يحترق ويذوب تدريجيا اثناء اللعب المسرحي قبل أن يلملم رماده آخر العرض ويترك البعض منه في الفضاء المسرحي.

إضاءة خافتة تصحبها موسيقى وضجيج يتماهى مع صراعات الحيوانات في الادغال، الصوت والضوء هما نقطة التماس والالتقاء بين الذهن البشري والمحسوسات، هما الصلة الأولى للمتلقي بالعرض المسرحي، مجموعة من الأجساد تتحرك في الجزء الخلفي للخشبة، يحدثون أصواتا غريبة وحركاتهم اشدّ غرابة، يصل الى المتلقي زئير الأسد، فحيح الافعى، عواء ذئب وخنخنة قرد، تتشكل وتتداخل لتحدث موسيقى تأثر في ذاكرة متلقي العمل المسرحي، حينها يطرح السؤال/ هل هم بشر أم حيوانات؟.

يقسم الركح الى أروقة ضوئية طولية تتحرك فيها الشخصيات الحيوانية، ثم مربعات ضيقة في بقية المشاهد، الشخصيات لا تتجاوز مربعها المرسوم بدقة في مخيلة الممثل والمحدد عبر الضوء، حركة الضوء والشخصية تتماهى مع مقولة  ماشيللي” ان العين اثناء متابعتها للحركة في المناظر المختلفة تخلق خطوط اتصال تربط كل نقطة وأخرى من نقط الحركة في المكان، ومثل هذه الخطوط الخيالية التي تؤدي اليها حركة العين او حركة الموضع قد تكون اقوى تأثيرا من خطوط التكوين الواقعية” وشوقي المشاقي من أبرز مصممي الإضاءة ومنفذيها في المسرح التونسي، فنان له تصوّر مختلف للفضاء المسرحي وأثبتت كل تجاربه قدرته على تطويع الإضاءة لتصبح حيّة على الخشبة.

الانسان حيوان ناطق، فما الذي يحدث إذا تخلى الانسان عن العقل واتبع فقط الرغبة والشهوة؟ هل يوجد فرق وقتها بين الانسان والحيوان؟ من هذا السؤال تنطلق حركات الشخصيات وانفعالاتهم على خشبة المسرح.

ثماني شخصيات تصنع الحدث، أربع شخصيات رجالية وأربع نسائية، ثنائيات تتواصل وتنفصل، شخصيات حيوانية ثم إنسانية، ولكنها مشوّهة، الشخصيات تمتص قصص الواقع وتضعها على الخشبة، أداء الممثل من الركائز الأساسية للفعل الإبداعي في مسرحية “انساوان”، أجسادهم، طريقة الحركة، نبرة الصوت، مدى التماهي بين الممثلين والخلاف بين الشخصيات، تركيبة جسدية وذهنية تنحت مسارات عمل مسرحي يطرح السؤال عن تشوهات انسان اليوم.

المشهد الأول تتحرك الشخصيات كتلة واحدة، مجموعة مترابطة رغم اختلاف الحركة والصوت، هذه الكتلة البشرية/ الجسدية تصنع صورا وجماليات مختلفة تشبه عملية الحفر التي يمارسها النحات قبل الوصول الى نتيجته النهائية، فالكتلة في الصورة المسرحية فضلا عن قيمتها الجمالية والنفسية، تحوز على أهمية في جذب النظر لما تتمتع به من وزن، وهي إما تتمثل في وحدات منفردة، او تتمثل في مجموعات متقاربة او متكاملة من الأشخاص والاشياء التي تبدو في تكونية واحدة” كما يقول برجسون، وبأجساد الممثلين وحركتهم ولعبهم شكّل فضاءه المسرحي المادي والمعنوي.

“الانساوان” مسرحية تشبه دورة الحياة، تنتهي من حيث بدأت، انطلقت مع الحيوانية وأنهت بها وبينهما يعيش هذا البشري صراعاته، يبحث عن ذاته، يحاول التمرد على واقعه وصناعة اخر بديل، يجرّب، يفكر واحيانا يدخل في الشهوانية المطلقة حتى ينسى ماهية النفس العاقلة ويحيي النفس الشهوانية، هذا البشري هو صورة للمتفرج على الخشبة، انعكاس للواقع ومحاكاة لقبحه نقلها الممثلين على خشبة المسرح، لينبّهوا البشر من خطورة تملّصهم من هويتهم وتبني أفكار أخرى لا تشبههم، المسرحية صرخة علّ الانسان يعود الى انسانيته قبل تغول اللّاقيم.

الترميز لغة المسرح المشاكس للسلطة

المسرح فعل حرية، انتفاضة على السائد، منذ الاغريق الى اليوم وهذا الفعل النبيل التام يتطور، يصارع المنظومات ليواصل البقاء، عرف المسرح الكثير من الازمات وكلما اشتدت الازمة بعث من رماده أكثر قوة، المسرح فعل ابداعي تحرسه طاقة خفية ميتافيزيقية ربما تماما كما كان ديونيزوس يحمي المسرح في بلاد اليونان القديمة وكما سكبت خموره ودموع القرابين في المسرح هناك قوة ظلت تحرسه الى اللحظة.

طاقة عجيبة اسمها “المحبة” كلما وهن المسرح قليلا قدمت له بعض قرابين “التلقائية” و”الصدق” و”الحب” لتشتعل اضواءه وامجاده من جديد، ومن طاقة “المحبة” يستمد محمد كواص وفريق مسرحية “الانساوان” الرغبة لتقديم فعل ابداعي وتجريبي يختلف عن الموجود في المشهد.

الخشبة مساحة للبوح والنقد، في المسرحية الكثير من النقد الموجه للمنظومات السياسية والاقتصادية، تشوّه انسان اليوم وفردانيته وعزلته سببها الأول الرأسمالية التي تغولت على القيم، هذه الماكينة الاقتصادية التي التهمت القيم وحوّلت الانسان الى آلة تنفذ التعليمات نقدتها المسرحية، الرأسمالية وبعدها الاستعمار التكنولوجي المقيت لحرية الانسان واستلاب عقله ومعارفه ومداركه جعلته تابعا لا يختلف سلوكيا عن كلب بافلوف.

هذا الاستعمار الحديث نجده مضمنا بين شيفرات العرض المسرحي، لا تعبر عنه الشخصيات في النص المنطوق بل من خلال حركة الجسد وكذلك الموسيقى، تلك الايقاعات الصاخبة تبعث في النفس القلق، قلق يثير السؤال، موسيقى العرض أبدع في صياغتها وضاح العوني لتكون لبنة أخرى تدعم الفعل الإبداعي وتساهم في تشكيل سمعي وتوجيه عاطفي للجمهور، فالإيقاعات تشبه صرخة الحياة الأولى، معها تبدأ عملية التدوين لما ستكتبه أجساد الممثلين.

ينقد العمل المنظومة السياسية العربية الصامتة على معاناة الشعب الفلسطيني، فالعمل، ينتصر الى فلسطين ويذكر الجمهور بتواريخ ما تزال شاهدة عن جرائم الابادة منذ لحظة التوقيع على وعد بالفور الى تاريخ 23اكتوبر 2023 واخر الحروب المتواصلة على الانسان في فلسطين.

هذه التواريخ لا تقال تصريحا بل تلميحا، من خلال شذرات الحوار بين الشخصيات اثناء محاولة توجيه اللاقط الهوائي للوصول الى القناة المرجوة تطرح ارقام على أساس انها “فريكونس” التلفزة، هذه الأرقام هي : 48 (1948: خروج الانتداب البريطاني والاعلان عن قيام دولة إسرائيل النكبة)، 56 (1956 العدوان الثلاثي)، 67 (النكسة وحرب الأيام الستة)، 82  (1982 حرب لبنان)، 87 (1987 الانتفاضة الأولى : انتفاضة الحجارة)، 23 (أكتوبر 2023: طوفان الأقصى).

هذه بعض شيفرات ضمّنت وسط العمل في مشهد كامل وظفت فيه تقنيات الكوميديا لإبراز عمق جراحات الذاكرة، وردت الأرقام تلميحا ربما حتّى ننفض الغبار عن الذاكرة والنسيان وتذكر ان فلسطين قضية أولى ومازال شعبها يعايش الحرب، لتكون خشبة المسرح أولى فضاءات رفض كل أنواع الاعتداء على الانسان.

العمل لبنة من تجربة تنحت في صمت

الركح فارغ من الديكور، اعتمد المخرج تقنيات السينوغرافيا وباب وكرسي في اللون الأحمر لتأثيث الفراغ، اما النصيب الأكبر فكان التحكم في جسد الممثل ليشكلوا كتلا بصرية وتشكيلية تملأ الفضاء وتمنحه ابعاد مختلفة.

“الانساوان” تجربة مسرحية تضع السؤال عن الحيوان داخلنا، ما الذي يغذيه ليظهر الى العلن؟ كيف نسيطر عليه؟ وما مدى وحشيته إذا خرج من سباته؟ أسئلة نفسية وفكرية تطرح في فعل إبداعي مسرحي تجريبي، فالمسرحية تجربة أخرى لمخرج شاب هو محمد كواص، فنان له أسلوبه الخاص في التعامل مع خشبة المسرح، يشكّل الفضاء بأقل العناصر والمتممات، يعوّل على طاقة الممثل لإيصال أفكاره الى جمهور المسرح، يبحث عن إبداعية خاصة أساسها العمل والبحث والتفكير مطولا قبل كتابة النص ثم تحويله من الورق الى الركح عبر وسيط هو الممثل وأحيانا يتبنى مبدأ ديدرو”الممثل الماريونيت” فالممثل كأنه دمية رائعة يشدّ حبلها الشاعر، وهو في كل سطر يدلّ على الشكل الحقيقي الذي عليه التزامه”.

تجربة “الانساوان” لبنة أخرى لكتابة مشروع ابداعي يحمله محمد كواص في تعامله مع الفعل المسرحي والخشبة، فالمسرح بالنسبة اليه بوابته الأولى لكتابة أحلامه وتطبيق ما درسه في الجامعة، بحث متواصل عن مساره في فن الإخراج، تفكير وتجريب ومحاولة استيعاب للحياة من خلال مشاهد المسرحية.

يعمل محمد كواص في تجاربه المسرحية بداية من “حاجة أخرى” ثم “الانساوان” بمقولة ستناسلافسكي  في الإخراج ” هو الكشف فيزيائيا عن الهدف العلي (القضية المنشودة) وهذا الكشف يتم عبر الفعل المتصل- الفعل المتغلغل للشخصيات وللعرض المسرحي، وبهذا يكون الفعل المتغلغل هو نقطة الالتقاء بين المخرج والممثل، في ابداع الميزانسين المعبر عن جوهر العرض المسرحي” ومحمد كواص مخرج ينحت مساره بجدية الباحث ويكتب لنفسه أسلوبا اخراجيا يلائم بين سلطة الكلمة وسلطة المخرج.

 

 

تمّت

حُرّرت في تونس · نُشرت الثلاثاء 3 نوفمبر 2026

العرض التاليمسرحية “حواس” اخراج زهير العروم: الرأسمالية تلتهم الإنسان والمسرح يستنطق هشاشتهmoufidaاقرأوا ←

Leave A Comment

Go to Top