العرض الأول لمسرحية “وشم” اخراج علي اليحياوي حين تموت ذاكرة النساء، من يأرشف للمكان؟

هل نعيش دون ذكريات؟ ايهم الأشد صدقا ذاكرة الدماغ ام ذاكرة القلب والجسد؟ إذا تهاوت ذكرياتنا امامنا، ما الذي يبقى منّا؟ هل نستطيع المواصلة؟ أم بموت الذاكرة يموت الجسد؟ ايّ وجع يحمله الكيان الإنساني إذا بحث عن اللغة والصور ولم يجدها؟ وكيف تحافظ المجتمعات على بقائها اذا محيت ذاكرة النساء؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحها المخرج علي اليحياوي في عمله الجديد “وشم”.
العمل مونودرام أداء الممثلة نادية عبيد، كوريغرافيا وتقنيات موسيقىة عبد العزيز التواتي، تقني اضاءة مهند العمراني، توظيب عام حبيب المنصوري، انتاج شركة قمر للإنتاج الفني.
إذا تهاوت ذاكرة النساء، هل يكون المصير الفناء؟
يعتبر الفعل المسرحي ولادة متجددة للذاكرة وعملية أرشفة للهوية الجماعية، المسرح فعل حياة وكتابة نص مسرحي يشبه عملية الخلق التي يمارسها الرب تجاه هذا الكون، أن تخلق فعلا إبداعيا معناه أن تعيد ترتيب العالم كما تشاء وتوزع الأدوار كما تريد وتكتب التاريخ من وجهة نظر صاحب الأثر، وإلى الذاكرة والصحراء حمل علي اليحياوي جمهور مسرحية “وشم” التي احتضنت قاعة الريو عرضها الأول.
“وشم” إعلان منذ العنوان عن تيمة العمل، الوشم هو العلامة الظاهرة على الجسد لا تزول بالزمن، تبقى شاهدة على لحظة ما، الوشم في الذاكرة التونسية جزء من الهوية المميزة للنساء، لكل قبيلة وشومها، لكل فترة عمرية وشم يميزها، وشمت النساء أفكارا عن الحب والزواج والخصوبة والسعادة والترحال، لكل غرزة إبرة على الجسد اثارها، هذه العلامات يتتبعها علي اليحياوي في نصه وشم.
اول عتبات المسرحية معلقتها، التي تصور جسد سيدة عجوز، يزين الوشم ظهرها، بقايا أخراسها وبضع حمرة على الشعر من آثار الحناء، العجوز تلتفت الى الأفق حيث اللون الأحمر المشير الى القمر، معلقة العمل تشبه نهاية الرحلة لجسد سيترك وشومه تتحدث عمّا عاشه، تلك المربعات والمثلثات ترمز الى الأرض، الى الزيتونة الشامخة منذ الازل تماما كما النساء.
فالوشم ذاكرة جماعية، أوشام الجدات تعبيرة عن حكاياتهن ومشاعرهن ، تاريخ تحمله أجساد الصبايا والنساء، أين يتحول الجلد الى مخطوط جماعي نقرئ من خلاله الانتماء والهوية ويحفظ حكايات تقاوم النسيان، وكم من دراسة استنطقت هذه الوشوم وحولتها الى صور سمعية وبصرية تحكي تاريخ هذا البلد.
تحضر الذاكرة فضاء للحكي والمسرحة، الى الصحراء ستكون الوجهة، الرمال منثورة على الركح، اللون الأصفر سيد الفضاء، قسم الركح في شكله الهندسي الى سبع فضاءات صغيرة، هي البيت ومساحة الحرية الكاملة لشويخة، الى اليمين جهاز تسجيل ومجموعة من الأشرطة وقفة السعف، الى اليمين حقيبة حديثة مع اطر لصور متناثرة، واقصى الركح صندق اخضر اللون تتوسطه علامة حمراء، الصندوق المرافق للجدات، منه تفوح رائحة السخاب، والحناء وبعض الحلوى المغلفة منذ فترة ورائحة الملابس المعطرة بالحشائش البرية، تفاصيل كتبها الجسد وجزئيات التقطها صناع العرض ليفتحوا الشبابيك امام الذاكرة الجمعية لترحل بعيدا حيث ابتسامة الجدات في كل البيوت، مع التأكيد على خصوصيات المكان، في الصحراء حيث تعلمت المرأة الصمود والصلابة تماما كرياح الهجيرة.
كل تفصيلة على الركح هي مفتاح يوقظ الذاكرة المستسلمة، وسط الركح وضعت نبتة للزينة في جرة سوداء اللون، اختيار النبتة لم يكن وليد الصدفة، ف”القزاح” او (القزوح/العلجان) نبتة برية تتميز برائحتها الفواحة وهي معمرة تقاوم جفاف الصحراء وتتأقلم مع المكان تماما كما النساء حارسات الفضاء والذاكرة.
اعتمد صناع العمل على اليات السينوغرافيا لتكون مفاتيح لاستنطاق المسرحية، الإضاءة الهادئة تتماهى مع المناخ العام للحكاية وتزيد على الفضاء رهبة وشعورا بالسؤال: ما الذي ستفعله هذه الممثلة المليئة طاقة في فضاء هادئ ويبدو للوهلة الأولى مسكونا بالصمت؟.
يصنع علي اليحياوي فرجة مسرحية تقوم على الترميز، يقلل من النص المنطوق ويترك للعلامات والمتفرج لتفكيك شيفرات العمل حكايته، يعيد صياغة منظومة الفرجة ويحمل المتفرج الى عوالم المسرح الترميزي حيث تصبح مكونات السينوغرافيا سيدة الفعل الإبداعي، تكتب صورا بصرية تخترق ذاكرة الجسد وتتربع داخله.
الجسد …الفكرة والذاكرة
يعتبر جسد الممثل ذاكرة حية، واعية، له القدرة على إعادة كتابة تاريخ الانسان وتحويل المجازات الى حقيقة، جسد الممثلة كان حمّال رسائل على خشبة المسرح، عبر لغة الجسد استنطقت الفضاء والذاكرة وحوّلت الصور المتشظية الى لوحة واضحة الأركان والألوان، الجسد لغة وهوية اشتغلت عليها نادية عبيد في مسرحية “وشم”، ليصبح ذاك الجسد الثائر حينا والمستسلم أحيانا كتابا مفتوحا يفهم منه المتفرج بعض الدلالات وسبل الغوص أكثر في ابعاد الفعل الإبداعي الحر.
ممثلة واحدة وفعل ابداعي متعدد، جسد واحد متشظي او ممتد، يلامس ذاكرتنا الجماعية، على الركح تصبح الممثلة مثل الالهة توزع الأدوار والأماكن وتختار من يتحدث ومتى؟ تستنطق الاغنية، الكلمة، واللباس، وتزيد على رهبة فضاء الابداع لمسة جمالية من خلال لغة الجسد، ممثلة صادقة وحية لان التمثيل ليس ادعاء، بل لعبة صادقة صغيرة نؤديها امام العالم حسب عبارة ايلسا لانشستر.
“شيخة” و”درصاف” شخصيتان منفصلتان ومتماهيتان في الوقت ذاته، الجدة والحفيدة، لكل عوالمها وحياتها، تجتمعان في فضاء ضيق واحد، لكل ذكرياتها واسلوبها في العيش، لعبت الممثلة الشخصيتين بالكثير من الحرفية، شخصية الجدة استعانت بماريونات، تلبسها كلما كانت الجدة المتحدثة وتنزعها متى عادت درصاف الى الصورة، بينهما لا نعرف الظل من الحقيقة، كلتاهما موجودة امام المتلقي ولكل مساحاتها الإبداعية الخاصة.
“شويخة” الذاكرة، جسد يحمل بين حركاته، كلماته القليلة ذاكرة جيل ومكان، لهجتها الجنوبية المميزة، فستانها الموشى بالألوان ووشاحها الأخضر، و”حكة النفة” التي تلازمها، بوابة للحكايات ومفاتيح تشتغل لتتدفق الذكريات المخزنة في الجسد، تصبح الحركة لغة تعبر عن الماضي، الجدة عالقة في ماضيها، تعيش مع أرواح امواتها وتراهم معها يشاركونها اللحظة الراهنة، هي الماضي بحنينه وبساطته.
حركات العجوز المتوازنة، عارفة بالفضاء، تتحرك بأريحية وفهم دقيق لكل مكوناته، انسيابية الحركة رغم ظلمة الدماغ تصنع اللذة، لذة اللقاء والفرجة، تجربة جمالية يستنطقها الجسد ليتحول الى قيمة فنية وفكرة فلسفية لها ابعادها فالجسد ليس مجرد وعاء للفكر بل شرط إمكانه.
في المقابل درصاف، الحفيدة، الحالمة بمستقبل وحكايات تتجدد، تحاول فهم جدتها وإيجاد لغة مفهومة بينهما، وحين تعجز الكلمات المنطوقة تستند الى الحضن عملا بمقولة ميرلوبونتي “أن اجسادنا ليست مستقلة عنا، بل هي وسائلنا التي نعبر بها” وفي اسرار الجسد تنصهر نادية عبيد لتكتب ثورتها على خشبة المسرح.
“درصاف” الحفيدة تحفظ المكان، ذاكرتها شعلة متقدة، تنصهر مع حنينها لجدتها وللماضي، تحاول التخلص من ارث الامس فتجدها متماهية معه اشد التماهي، على الخشبة يصبح الجسد لغة ثائرة، تتحول الممثلة من كتلة نصية الى كتلة حركية، لكل خطوة على الخشبة رمزيتها، حركة الاصبع أثناء التعب، طريقة تحريك اليد وكانّ الجسد يرقص، لغة بصرية ولوحات صنعتها نادية عبيد بتأطير عبد العزيز التواتي الكوريغراف والفنان العارف بحكايات الجسد والقادر على استنطاق الطبيعة في الأثر الإبداعي.
في المسرحية يصمت اللسان لان بعض أحمال الذاكرة وحده الجسد قادر على تحمّلها، أليس جسد الممثل هو حجر المحك وحجر عثر وعن طريقه ؟ يحدث شيء في الفضاء المفتوح للمسرح، وهذا الجسد يستطيع ان يعتم الفضاء المسرحي او يضيئه؟ كما يقول رولان بارت ونادية عبيد أضاءت الفضاء بطاقتها الجسدية وكتبت سردية أخرى للغة والذاكرة.
المسرح تجربة حياة:
“وشم” مسرحية تبحث في الذاكرة، دراسة سوسيوثقافية للعلامات والألوان، فعل ابداعي يحاول المخرج من خلاله المصالحة مع الذاكرة، هذه القطيعة بين جيل اليوم وجيل الامس تترك هوة نفسية ومجتمعية مزعجة، يبحث المخرج في سبل التواصل بين الأجيال ومنها تمرير المهارات والذكريات والحكايات.
المسرحية بمثابة بوابة الزمن تحمل المتلقي الى فضاءات جغرافية تسكن كاتب النص، تطاوين، قصر الحدادة، وغيرها من المجالات الجغرافية التي حملها في ترحاله الجغرافي والابداعي، الى فضاءه الطفوليّ الأول حمله الحنين فكتبه مسرحا.
مسرح علي اليحياوي يشبهه، في هدوئه وحكمته، اغلب اعماله تتميز بالبحث في الموروث الثقافي للجنوب التونسي وللصحراء بصفة عامة، الصحراء ليست جغرافيا بل تيمة فنية يحوّلها اليحياوي في كتاباته الى صورة بصرية تغري بالزيارة، يوظف حكايات الجدات واغانيهم واهازيجهم وزغاريدهم تقنية موسيقية ويعمل الى تدرجات البني والاصفر في الاعمال للإشارة الى التماهي بين الفنان وبيئته.
تجربة علي اليحياوي المسرحية تنتصر للجنوب فكرة وتيمة، تحارب منطق الشمال والاستعمار عبر توجيه البوصلة من جديد الى الجذور، الى الجنوب منبع الحكايات الممتدة كما الصحراء.


