هزمتك يا موت الفنون جميعها هزمتك الذاكرة والصدق، انتصر عليك حبّ الحياة وشغف المسرح فأحلت أيها الموت بكل رهبتك على دكة المشاهدة، ها انّ الروح تبعث من جديد في الفنان ليكون خالدا بأعماله، وكلما صعد على الخشبة تماهى مع أشعة الشمس الأبدية فيولد نور لا يختفي، نور الحب المنير لكل القلوب الحالمة وها هي جميلة الشيحي تشاكسك أيها الموت وتنتصر عليك بالذاكرة والفن.
“الى امي” هو عنوان العمل المسرحي الجديد للممثلة جميلة الشيحي، اخراج تماضر الزرلي ومساعد مخرج نوال الشيلي، موسيقى وضاح عوني وتصميم اضاءة نورس عرفاوي، مابينغ محمد حرقافي وتقني صوت أسامة سعيدي وتقني فيديو نزار صالح، تقني اضاءة وتوظيب عام ايمن وسلاتي وماكياج حسام بوسعادة وإنتاج فارس العفيف.
أداء الممثل حرفية حدّ الوجع
“أُمّه” ليست مجرد كلمة او صفة، هي حياة ومسار انساني متكامل، كلمة جعلت من طفلة رقيقة ممثلة متمكنة من أدواتها الدرامية، على الخشبة كانت خاشعة حاملة حزنها بين جنبات القلب، تلاعبه وتشاكسه لتثبت للموت انها اقوى، وتؤكد ان المسرح مساحتها للحرية وللعودة الى الحياة كلما أراد الموت او الخوف هزيمتها.
شامخة، ثابتة كما القديسين كانت جميلة الشيحي، توشحت السواد زيا رسميا للشخصية، وفي العمل اختلط الامر بين الشخص والشخصية فكلتاهما واحدة، كلتاهما مثقلة بألم وبأحلام أجّلت كثيرا الى ان تدفقت مرة واحدة على الخشبة.
الى كل الأمهات أهدت المسرحية، الى الولّادة، حاملة الامل وصانعة الحياة، الى كل أم صبرت وضحت ليكون أبنائها افضل منها، الى أمها التي تحملت عناء ساعات العمل وبرد الشمال والترمّل لتحمي اطفالها السبعة وتزرع فيهم حب الحياة والنجاح، الى أمها ومنه الى كل الأمهات قدمت جميلة الشيحي المونودرام الجديد ” الى امّي”.
“الى امي” مسرحية مثقلة بالمعنى، نص انطلق من وجع شخصي ليلامس اوجاعا إنسانية، على الخشبة كانت جميلة الشيحي حمّالة لألم كل امّ، صابرة على وجع الفقدان، كانت مثل الخنساء ترثي الاحبة والراحلين بكلمات تخترق القلب، هادئة، متحكمة في مشاعرها، متناصّة مع النص المسرحي، انصتت للألم داخلها وحوّلته الى مشاهد مسرحية ينسجم فيها الممثل مع التقنيات ليتكاملوا خدمة للمسرح والفرجة.
من الذات الى المجوعة انطلقت الحكاية، توالدت المعاني والصور الشعرية التي اشتغلت عليها الممثلة واولها كلمة “أمّه” وهي صيغة النداء للام في المجتمعات الريفية، من الهناك خارج المدن المركزية انطلقت رحلة الطفلة والام، الوالدة عاملة النظافة في المبيت والطفلة الحالمة بالنجاح والتمثيل، بينهما خيط رفيع هو الثقة، منها تكوّنت شخصية ممثلة كانت على الخشبة وكأنها طائر المينيرفا بعد كل مشهد احتراق تعود الى الحياة من جديد فاتحة ذراعيها للأمل.
جسد تبعث فيه الروح كلما سقط، توظيف متقن للغة الجسد وتقنيات الممثل، كل حركة وكلمة في محلها بعيدا عن هستيريا البكائيات والصراخ الذي يسقط فيه البعض، على الخشبة كانت سيدة المكان والمتحكمة في كل زواياه، حرّة، ثائرة، تراقص الكلمة ومنها تصنع موسيقاها، تلاعب الذكريات وتراها متناثرة أمامها على الشاشة البيضاء.
على الخشبة قدمت الشيحي أكثر من شخصية تتمحور حولها الحكاية، ولعل أشدها قوة حين تقمصت شخصية امّها لحظة صراعها مع الطبيعة استعملت “فولارة” حمراء اللون قانية كما الدماء اكسسوارا اضافيا، “نسري كي الدم في العروق” كما تقول، مشهد جسدت فيه عظمة الأم وقوتها، امرأة تصارع الرعد والفيضان وتحدّى الطبيعة وثورتها لحماية اطفالها ومنحهم الأمان.
جميلة الشيحي كانت تلقائية جدا اثناء تكريمها لوالدتها، منحت للجمهور الكثير من الصدق، أحيانا تمنحه مواقف كوميدية لتخرجه من عوالم التراجيديا، ثم تعود الى عوالمها، تتحكم في الحضور بقوة الممثل وقدره على الانتقال من حالة نفسية الى أخرى، زادها التلقائية في الأداء والتناص الكلي بين ايقاعات الجسد والنص المنطوق.
على الخشبة كانت مثل ميديا وهي تقدم أبنائها قربا الى هيليوس اله الشمس، قماشة بيضاء وخطوات واثقة وراس مرفوعة ووجع حفر على ملامح الوجه، ترفع الوليد قليلا تجاه النور، وفجأة ينطفئ الضوء وتنطفئ معه الحياة، المشهد المسرحي الموجع عاشته الممثلة في الحقيقة، الم فقدان الام لطفلها ثم العودة من جديد بملامح اشد قوّة وابتسامة مصطنعة امام كاميرا المخرج، التلوّن العجيب في المشاعر عاشته جميلة الشيحي الانسانة وعاشته الشخصية على الخشبة وبينهما كان الجامع الصدق حدّ التناص بين التمثيل والحقيقة.

السينوغرافيا : في ثنايا الظلمة ولدت لعبة الضوء والصوت
لاعبت الظلام، المسرحية كما دورة الحياة تنتهي من حيث بدأت، الممثلة بلباسها الأسود وكعبها العالي في حصة تصوير، اعتمدت المخرجة على القماش الأبيض العاكس وكأنها تريد مرآة للشخصية، مرآة تكشف الباطن لا الظاهر، رنة هاتف، تتغير معها نبرة الصوت، تسقط الممثلة ارضا، لتبدئ رحلة الحزن بعد وفاة الوالد، طفلة يتيمة لازالت صور والدها بلباس معمل القمح الأزرق يسكنها، تبكي، تلعب وبوجود كائن عظيم “أمّه” تستطيع التجاوز، تحمل في داخلها ذكرياتها، افكارها واحلامها وتكبر الطفلة لتصنع مسارها الحياتي والابداعي.
“الى امي” عمل اشتغلت كثيرا من خلاله تماضر الزرلي وجميلة الشيحي على جمالية السواد والظلام، كشاف قوي يسلط على وجه الممثلة الوحيدة، وقماش ابيض خلفها يعكس صورا ومشاهد الطفولة والشباب، صورا للقوة وأخرى لحظات الضعف.
السواد في المسرحية والضوء الخافت كان شخصية أخرى، الضوء القوي هو الامّ التي تحادثها ابنتها وتبوح لها بكل وجعها الخفي “كنت أقول انا لاباس، وعمري ما كنت لاباس يامي” ولحظة انطفاء الكشّاف كانت لحظة موت الامّ، تنهار الشخصية، ولكن الضوء يشتعل قليلا وكأنه نداء من روح الوالدة لابنتها، لتستنهض الجسد وتواصل الحياة.
أما النصف المعتم من الخشبة فهو الحقيقة والالم الذي تهرب منه الشخصية كلما صادفها، فلعبة الضوء كانت بمثابة ثنائيتي الموت والحياة اتقنت المخرجة التعامل معهما بحرفية ليكون العمل ناجح جدا تقنيا وبعيدا عن ضوضاء الإضاءة المبالغ فيها أحيانا والديكور المتناثر والحركية المفرطة للمثلة، جاء العمل هادئا وكأنه جزء من طقس جنائزي تقدم فيه الاكاليل لكل الأرواح المغادرة، جمالية الموت والظلمة قدمت في مشهدية بصيرة تقنع العين وتشد اليها انتباه جمهور المسرح.
عوالم سينمائية طوّعت للمسرح، الألوان، الديكور، الفراغ على الركح وحركة الممثل جميعها تشبه عملية “المونتاج” لتقديم فيلم جيّد، وبين السينما والمسرح نجحت الممثلة في نحت مشهدية بصرية تقنع جمهور الفن الرابع.
كانت الموسيقى صوتا اخر ينبعث من الهناك، صوت الذاكرة البعيدة، صوت أهازيج النسوة خلف واد مجردة لازلن يقاومنه كلما زمجر وحاول اختطاف طفل او حلم، الموسيقى صدى لترددات النساء واهازيجهن بين الجبال، صدى للخوف داخل الشخصية وانتصاراتها الخفية، الموسيقى صاغها المبدع وضاح العوني لتكون صوتا للحياة، للألم والامل.
مسرحية “الى امي” تجربة ذاتية كتبت بلغة الحب، نص مليء بالذكريات ومسكون بطاقة التمرّد على الوجع، عمل يغوص في النفس البشرية ويفكك عوالمها على الخشبة، رحلة حقيقية الى عمق الروح المنهكة، العمل ثورة ضد الفقد وسلاح الممثلة لتعود الى الحياة والخشبة وتواجه الفقد وتنتصر عليه عبر المسرح مساحة للبوح والتّشافي.