أنقذوا أنفسكم من وحش العصر الحديث، وانجُوا بأرواحكم قبل أن تتآكل بعد انتشار وباء الخديعة والفساد واللاوطنية، وانتبهوا لقلوبكم وحاولوا تخليصها من أدران السياسة والإعلام، وحاذروا الواقع واصنعوا بوابة للخيال علّكم تنقذون آخر بذور الإنسانية، وجدّدوا العهد مع القيم قبل أن تتلاشى. هكذا يحذّر محمد كواص الجمهور في مسرحية “الانساوان”.
Tête-à-tête اسم المسرحية بالفرنسية، وتحته بالعربية “الانساوان”، عمل جديد من إنتاج “بي أكتور”، نصّ وإخراج محمد كواص، وتمثيل يحيى الفايدي وحمودة بن حسين والأزهر الفرحاني وزينب الفرشيشي وياسمين الزواري وأصالة كواص وفاتن الشرودي ومحمد الهادي بن منصور، وموسيقى وضّاح عوني، وإضاءة شوقي مشاقي.
المسرح سؤال جرأة؟
خوفٌ يسيطر على الفضاء، والعتمة سيدة المكان، الإضاءة خافتة جدًّا، والموسيقى تصمّ القلوب وتحيّر برك السؤال النائمة، حركات الشخصيات قوية، هل هم بشر أم حيوانات؟ أجسادهم بشرية وأصواتهم وحركاتهم حيوانية؟ إلى أيّ عالم سيحمل محمد كواص جمهوره؟ وأيّ ورطة إبداعية سيسجن فيها الممثلين؟
هم تسعة، يصنعون الحدث، يضعهم المخرج في مربّعات ضيّقة يتحرّكون فيها، فتصبح الكلمات قليلة والحركة ضيّقة ضيق المكان، والإضاءة تحدّد فضاءات اللعب وتُشعر المتفرّج بالاختناق تمامًا كما الشخصيات. هم ثلاثة أزواج، لكلٍّ منهم مربّعه الخاص متدرّجًا من أعلى إلى أسفل، وكلّ من يريد تغيير المكان يمنحه صانع العرض الفرصة، ولكن كلّما غيّرت الشخصية فضاءها تميّزت حركاتها بالضياع والتردّد، وإذا اجتمعت الشخصيات في فضاء واحد يصبح أكثر ضيقًا، وتُبرز الإضاءة ملامح وجه الشخصية لتصنع ذاكرة أخرى للعمل.
تُشكّل الإضاءة المسافة الفاصلة بين الخوف والرغبة في التحرّر داخل العمل، فهي تضع الشخصيات والجمهور في مربّعات ضيّقة لتتدافع الأسئلة عن كيفية النجاة، فالكلّ متورّط في لعبة لا نعرف من يحرّكها، وحده شوقي مشاقي مصمّم الإضاءة يعرف كيف يتلاعب بالجمهور، يُشركه في الوجع المسرحي ويدفعه إلى حافة السؤال، فالإضاءة جزء من اللعبة، ومن خلالها كتب المشاقي مناخات أخرى للحرّية والعتمة في الوقت نفسه.
يحضر التلفاز كشخصية أخرى في العمل، فالشخصيات تجلس في كل مشهد أمام التلفاز تشاهد برامج وثائقية عن تكاثر “الانساوان”، ومع كلّ مشهد يصبح النصّ المسموع أكثر جرأة، تُعبّر الشخصيات عن ردّة فعلها الرافضة لما يُقدَّم إمّا بصمّ الآذان أو تكميم الأفواه، ولكنها لا تغادر مكانها، تبقى أمام التلفاز مشدودة بقوة خفية، فالميديا وتأثيرها السلبي على الإنسان من المواضيع المطروحة في مسرحية Tête-à-tête، وهذا الاستعمار الفكري والثقافي الحديث، والسجن الذي يدخله الإنسان بكامل إدراكه، يكشف مخرج العمل عن بشاعته على الخشبة.
التلفاز وما يبثّه من سموم يصبح شخصية إضافية تتحكّم في المسار الدرامي للشخصيات الأخرى وتؤثّر في أفكارهم وقراراتهم، فالإعلام المرئي في تونس من 2011 إلى اليوم أصبح بوقًا للفساد الأخلاقي ودعامة أولى ضدّ التفكير، والتلفزات الخاصة تحديدًا باتت فضاءً لتجهيل المتفرّج واستلاب وعيه ودفعه إلى دوّامة التفاهة عبر برامجها الساذجة وبرامج تلفزيون الواقع وثقافة الـ buzz التي باتت ملاذ العديد ممّن يدّعون أنهم إعلاميون يدافعون عن المشهد، فينفثون فيه سموم الإفساد والجهل.
ينطلق العمل من فكرة الاسترخاء أمام التلفاز لينقد الإعلام والسلطة والمجتمع، وفي المسرحية وبين كلمات الشخصيات العديد من الرموز، وللوهلة الأولى يبدو موضوع العمل موجّهًا أساسًا لنقد الإعلام ونقد العلاقات الأسرية غير السوية، ولكنّ المسرح الذي يشتغل عليه محمد كواص، مخرج العمل وكاتب النصّ، يحتمل العديد من التأويلات، مسرحٌ حيّ وناقد، وخلف كل مشهد أو جملة منطوقة العديد من الأسئلة الحارقة. اعتمد الكاتب في نصّه العديد من الشيفرات في شكل أرقام منها “65” و”17″ و”14″ و”78″، تحيل في الظاهر إلى ترددات اللاقط التلفزي، ولكنها في الحقيقة أرقام تحيل إمّا إلى الحروب أو الثورات، فالمسرح مساحة للسؤال وفضاء لتعبير حرّ لا يعترف بالحواجز ولا الحدود.
وضع المخرج شخصياته في مربّعات ضيّقة خانقة، يحاولون طيلة ساعة ونصف التحرّك وتغيير الأمكنة، وكلّما خرج أحدهم من مربّعه شعر بالخوف والتردّد وكأنه فقد بوصلة المكان، فالشخصيات المسرحية تشبه كثيرًا الأشخاص الحقيقيين خارج الخشبة، إذ تتغيّر أوجه السلطة ولكنّ حقيقتها واحدة، تختلف الملامح الخارجية ربما ولكنّ الداخل متماهٍ تمامًا، هكذا تقول شخصية “فراس”؛ فهو رغم ادّعائه اللين أحيانًا تبقى الصرامة والتحكّم في مسارات الجميع بيده وقراره، هو الصورة للمنظومة الأبوية المتسلّطة، ووجه آخر لمنظومة سياسية لا تعترف بالديمقراطية، انعكاسٌ أبوي وسلطوي على الإنسان انطلق أساسًا من الرموز، وقُدّم على الخشبة في شيفرات وصور تشدّ المتفرّج وتنبّه ذهنه لطرح الأسئلة. أما الشخصيات الأخرى فخللها يشبه الخلل الذي يصيب المنظومة كلّما حدث تحوير وزاري أو على رأس إدارة ما، فكلّ وزير يأتي محمّلًا باستراتيجية عمل جديدة وينسف ما سبق، ليكون المشهد تمامًا كما كانت حركات الشخصيات في المسرحية: مختلًّا وغير مكتمل.
على حافة الحقيقة تعيش الإنسانية اليوم
هم بشر/حيوانات، بين الإنسانية والحيوانية تتأرجح الشخصيات، ينطلق العمل بمشهدين صامتين، فقط الأجساد تتحرّك بسرعة على الخشبة، حركات تشبه حركة الحيوانات لا البشر، ويُطلقون أصوات حيوانات: فحيح الأفعى وصرخات القرد، والأصوات تصنع موسيقى للمشهد ليحمل المخرج جمهوره منذ البداية إلى عالم بين العالمين، فشخصياته ليست بشرية مطلقة ولا حيوانية، تتأرجح بينهما، يسمّيهم “الانساوان”.
بطل الحكاية “فراس” (الأزهر الفرحاني) قليل الكلمات، شخصية تهوى الصمت، مفرداتها متكرّرة طيلة المشاهد التي يحضر فيها، يجلس على كرسيّ أحمر اللون يتماهى مع كرسيّ العرش، هو سيّد الحكاية وصاحب المكان وصاحب القرار الأول والأخير، فراس الهارب من ذكرياته ووحدته إلى مشاهدة التلفاز وإنجاب الأطفال، ينزوي على نفسه حدّ نسيان شكله وتصرّفاته الآدمية، ويشبه نصف حيوان يعيش مع الغرائز، وأكثرها غريزة إنجاب الكثير من الأطفال.
“فراس” اسم الشخصية، يبدو الاسم في البداية غير متناسق مع عمر الشخصية وصرامتها، ومع تقدّم الأحداث يفهم المتلقّي أن كل الشخصيات وصراعاتهم وحكاياتهم موجودة فقط في رأس فراس، فهو لم يغادر مكانه وبقي على كرسيّه يعتقد أنه صاحب القصة، بينما الهواجس داخل مخيّلته، أصواتٌ لأبناء وزوجة جميعها متخيّلة، في رأسه كل الحكايا، لذلك كان اسم “في” “راس” هو الأقرب إلى الشخصية.
يرمز “فراس” إلى البشر لا إلى الإنسان، بشريٌّ يخاف على أبنائه من العالم الخارجي فيحاول منعهم من ملاقاته ويشكّلهم كما يشاء، يغيب الفكر عنه ويتصرّف بعدوانية وغريزة حيوانية للبقاء، يحاول فراس تقليد الحيوانات فيفشل، لأنّ أغلب الحيوانات تدافع عن صغارها وتحميها وتجهّزها لتواجه الطبيعة وتحدّياتها، بينما البشريّ أراد أطفاله نسخة منكفئة على نفسها، خائفة مترددة مكسورة، فكانوا غير أسوياء، ليسوا بشرًا ولا حيوانًا. هذه الهنّات تطرح السؤال على العائلة: كيف يربّون أطفالهم؟ المسرحية تفتح جراح الذاكرة ليسأل الأب: هل قمت بواجبي تجاه أطفالي؟ هل كنت معهم في ذكاء الحيوانات وعلّمتهم مواجهة الحياة؟ أم شوّهت دواخلهم وصنعت منهم نماذج منكسرة وضعيفة؟
يحمل الممثل مسؤولية العمل، فقد اعتمد المخرج على أداء الممثل لغةً للتواصل مع الجمهور، غاب الديكور والمتمّمات الركحية وحضر جسد الممثل مثقلًا بالمعاني الفنية والإنسانية، لكلٍّ طريقته في التناصّ مع شخصيته وملامحها النفسية والفكرية، شخصيات تنتقل من الحيوانية إلى الإنسانية، هناك حركات حيوانية تتبعها طيلة المسرحية وتكون شيفرة لقراءة الشخصية وفهم أبعادها.
يعمل محمد كواص على الديناميكية بين الفريق، تماهٍ كلّيّ في الأداء بين أصالة كواص ويحيى الفايدي، ممثلان سبق أن اجتمعا من قبل، واللعب بينهما جدّ تلقائي، وكلّما اجتمعا في مشهد واحد صنع حضورهما الفارق، فصرامة الشخصية التي قدّمتها أصالة كواص وصعوبة الحفاظ على حركة الأفعى والنصّ المنطوق في الوقت ذاته قابلَتْهما حرفية يحيى الفايدي وتلقائيته في الانتقال من حالة نفسية إلى أخرى، شخصية مترددة خائفة، مجبرة على الانصياع منذ الصغر، موغلة في البساطة والعمق في الوقت ذاته.
وشكّل حمودة بن حسين وفاتن الشرودي ثنائيًا مختلفًا، وأضاف كلّ من محمد الهادي بن منصور وزينب الفرشيشي الكثير من الطاقة للعمل والشخصيات، فالممثلون هم حرّاس الجمال وصنّاع التفاصيل، بأجسادهم كتبوا تجربة إبداعية تخاطب العقل وتزعزع المسلّمات، انصهرت حركة الممثل مع النوتات الموسيقية، والموسيقى في المسرحية كتابة أخرى للفعل المسرحي، كانت صدى للخوف وترددًا للرغبة، فمن خلال الإيقاعات القوية كتب وضّاح عوني دواخل الشخصيات وكشف للجمهور مدى هشاشة المنظومة التي ينقدونها، فالموسيقى ليست مجرّد نوتات للزينة بل كتابة تجريبية وصادقة تخاطب ذاكرة المتفرّج وتحمله إلى بوابات الفكر، الموسيقى التي يكتبها وضّاح عوني في كل أعماله ملحمة مسرحية وإيقاعية، وفي Tête-à-tête كانت السبيل لفهم عوالم مشفّرة تعيش داخلها الشخصيات.
استُعمل اللونان الأبيض والأسود لدى الشخصيات الستّ للإشارة إلى التكامل بين هذين العالمين رغم التناقض الظاهري، هم إخوة وأزواج، فأبناء “الانساوان” مثله في اللامعنى، ستّ شخصيات تتأرجح بين الخير والشر، بين الحياة والخوف، لا وجود لأبيض كلّيّ أو أسود مطلق، الكلّ في منطقة النصف حيث تتجزّأ الأحلام والحكايات وحتى الرغبات أيضًا.
“الانساوان” عنوان المسرحية أو التجربة، جرأةٌ في الكتابة والتجريب، لقاء حقيقي بين مخرج شغوف بممارسة المسرح والتفكيك وجمهور يبحث عن جمالية جديدة، تبدو المسرحية بسيطة في مقترحاتها في البداية، دون ديكور ولا بهرج في الإضاءة أو الأداء التمثيلي المبالغ فيه، ولكن بمجرد الدخول إلى عوالمها سيجد المتفرّج نفسه عالقًا في جماليات السؤال، المسرحية تضع البلد على طاولة التشريح، تنقد السياسة والمجتمع والصراع بين المواطن والسلطة بجرأة ودون السقوط في خانة المباشراتية، فالعمل صرخة أخرى يطلقها صنّاع العمل لإنقاذ بقايا الإنسان فينا، فهل من مجيب؟