“نحن ألعوبة ذكرياتنا مهما قاومنا، خلاصاتها وضحاياها معًا”، مقولةٌ لإبراهيم جبرا تلخّص لعنة الذاكرة، فالذاكرة كينونة الإنسان والمجتمعات، صدى الإرث وصوت السابقين وحكاياتهم، الذاكرة محرارٌ للحياة، منها تُبنى القصص وعليها يستند العشّاق، هذه الذاكرة المحمّلة بالمكان والزمان ستتحوّل إلى ألم يصيب كلّ اللاجئين، فالذكريات تصبح كالنار ووحده الفنّ القادر على إطفائها، ومن وجيعة الذكريات وشتات الوطن وبقايا الأمل انبعثت مسرحية “بطاقة إقامة”، صرخةٌ أخرى تؤكّد أن رحلة بحث الإنسان عن وطنه لا تنتهي باللجوء، وأن الحرب تعجز أمام صلابة الذاكرة.
“بطاقة إقامة” نصّ وإخراج السوري محمد حسين حمدان، تمثيل اللبنانية أميمة مولوي، وإنتاج جمعية محمد الحيدري بباجة، وإضاءة مهدي يوذينة، والمونودراما صرخة حياة وأمل ومدى صمود الإنسان أمام بوابة “بطاقة الإقامة”.
بطاقة الإقامة: ورقةٌ تلغي كيان الإنسان في بلد اللجوء
يحملون أوطانهم أينما رحلوا، يلملمون شتات الوطن وذكرياته بين شغاف القلب، يخبّئونها بعيدًا ليهربوا إليها كلّما شعروا بالغربة أو الوهن، فليس الوطن فقط المنزل أو الجغرافيا، الوطن بما يعنيه من ضحكات الأطفال في الشوارع، ورائحة الزهور الصباحية، وأصوات الجدّات وأهازيج الفتيات، ومسلسل قديم، وحوارات عن الحرية والمسرح والفنّ، الوطن هو ذاك القبس الساحر الذي ينير الدروب كلّما اشتدّت وطأة الغربة، وربما هو الروح أحيانًا، “الوطن هو البيت، وشجرة التوت، وقنّ الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى” كما يقول محمود درويش، هذا الوطن يحمله المخرج محمد حسين حمدان ليحوّله إلى نصّ مسرحي، إيمانًا منه بأن للمسرح قوة رهيبة للحفاظ على كلّ الذكريات.
بعد الثورة السورية كانت تونس ملاذًا للعديد من السوريين، لاجئين هربوا من جحيم الحرب في سوريا إلى تركيا ثم تونس، وفي أرض قرطاج تعايشوا مع سكّانها، أحبّتهم تونس وأحبّهم التونسيون، وكثير منهم قرّر البقاء في هذا البلد المحبّ، ومن رحم الحقيقة ومن حكايات العديد من السوريين وآلامهم ومعاناتهم منذ خروجهم من وطنهم وُلد نصّ مسرحية “بطاقة إقامة”، كتبه وأخرجه الصحفي والمسرحي السوري محمد حسين حمدان.
“بطاقة إقامة” مسرحية تراجيدية تشبه عملية التطهير النفسي، تدور أحداثها بين العالم الواقعي الملموس (سوريا/تونس) وعالم آخر أسطوري هو العالم السفلي، فبطلة الحكاية تخرج في كثير من الأحيان من آدميتها لتصبح مثل “بيرسيفوني” نصف إنسانة ونصف إلهة، تعيش ستة أشهر على سطح الأرض والبقية في العوالم السفلية، هذه الشخصية الأسطورية تتشارك فكرة الألم مع كلّ اللاجئات المعذّبات بين وطن موجود وآخر مفقود، وأحيانًا هي “إرشكيغال” الأسطورية في بلاد الرافدين، والعالم السفلي في المسرحية يكون الملجأ أحيانًا، فجحيم الحرب والخراب النفسي يتماهيان مع ظلمة العالم الأسطوري السفلي.
“بطاقة إقامة” عنوانٌ بسيط يخفي الكثير من الوجع، ومنذ العنوان يحدّد المخرج الإطار الدرامي للمسرحية، فالشخصية ستدور حكايتها حول بطاقة الإقامة، تلك الورقة التي ستتحصّل عليها لتثبت وجودها في تونس، ورقة بختم تحميها من الترحيل وتؤكّد قانونية وجودها هنا، ولكن قبل الحصول على هذه البطاقة هناك العديد من المراحل: فقدان الاسم وتعويضه برقم، وانتظار لساعات وربما أيام في طابور لا ينتهي، ورحلة ضياع نفسي وسؤال متكرّر: ما هو الوطن؟ كيف نحمي ذكرياتنا من الضياع؟ ما الذي يفعله اللاجئ في بلد غير بلده؟ كيف يستطيع التأقلم تدريجيًّا؟ هل يحمل موروثه وثقافته أم يُجبر على تركها هناك على حافة الوطن والذاكرة؟
طيلة 45 دقيقة تلعب الممثلة أميمة مولوي على معاني الحيرة والخوف، تكون جريئة حدّ الرعب في مشاهد الحديث عن الحبّ والأمومة وذكريات العائلة المتماسكة كما شريط الغسيل بألوانه الناصعة، وأحيانًا تخرّ إلى دائرة العدمية كلّما استحضرت صوت الموت ورائحة الحرب، وبين المشاعر المتناقضة تمامًا كما الموت والحياة تراقص الممثلة نصّها المتكسّر أمام أمواج التهجير والبحث المتجدّد عن بطاقة الإقامة.
بين الأسطورة والواقع تتأرجح الشخصية، تبحث عن ذاتها، تحاول ترسيخ أقدامها في الأرض الجديدة لكنّ لعنة الذكريات ترافقها، تتجدّد الشخصية مع كلّ وجع، وفي المشهد الأخير تنزع حذاءها النسوي الأحمر ذا الكعب العالي وتغيّره بآخر رياضي، وكأنها تستعيد رحلة الهروب المتواصلة التي يعيشها كلّ لاجئي الحروب في بلدان غير أوطانهم الأصلية.
تعود الشخصية بالذاكرة إلى أسطورة تأسيس هذا البلد، تحمل ذكرياتها إلى صور ثم قرطاج، وتلبس روح عليسة الهاربة من جحيم وطنها إلى آخر سيصبح ملاذها، كذلك ستفعل الشخصية، ستبني وطنها في كلّ مكان تذهب إليه لأنّ الوطن جزء من الروح لا الجغرافيا، وتقول على لسان الشخصية: “الفرق بيننا أنها كانت أميرة وكان معها ذهب، لكن ربما هذا يكفي؛ بطاقة الإقامة المؤقتة ستظلّ مؤقتة، لكن إقامتي في ذاتي دائمة، الوطن ليس أرضًا، الوطن هو أن تعرف من أنت، أنا مدينتي الخاصة، سأعيش فيها وحدي، وسأفتح أبوابها لكلّ من يبحث عن وطن مثلي، هذا المفتاح الخشبي الذي صنعه لي يوسف يومًا لا يفتح بابًا لكنه يذكّرني أنني كنتُ يومًا أملك بيتًا، وهذا يكفي، لا أحتاج أن أعود، أحتاج فقط أن أعرف أنّ ما كان حقيقيًّا يومًا سيبقى حقيقيًّا”.
سينوغرافيا محمّلة بمعاني الفقد وألوان الألم
“بطاقة إقامة” مونودراما قدّمتها على الخشبة الممثلة اللبنانية أميمة مولوي، إخراج محمد حسين حمدان، وأنتجتها جمعية محمد الحيدري للمسرح بباجة، عملٌ جمع تونس وسوريا ولبنان، احتوتهم الخشبة وأنصتت لأفكارهم وأحلامهم وحوّلتها إلى تجربة مسرحية ترحل بالمتفرّج إلى الأسطورة وتعيده إلى الواقع.
بين عالمين جدّ متناقضين تلعب الممثلة، كُتب النصّ بوجيعة من فقد الوطن ولا يزال يسكنه حنين العودة، وقُدّم بشغف طفلة ترى الحروب الكثيرة التي يعيش تحتها بلدها ولا تزال تقاوم بالفنّ، فالمسرح لن يكون مجرّد بوابة للكتابة أو التمثيل بل سيكون بمثابة الترياق ينجّيهم من سمّ الغربة وفحيح الاغتراب.
بين الهناك والهناك أميالٌ من الكيلومترات، وبين الوطن الأصلي وبلد الإقامة فوارق عديدة، هناك الطفولة، ولحظة الولادة الأولى، والعائلة وذكرياتها، والدراسة والأصدقاء، والهنا تجربة أخرى أكثر نضجًا وذكريات تُكتب من جديد، وبين الهنا والهناك تتمزّق الروح يوميًّا، تحاول أن تصنع حياة أخرى أوضح، في بلد لا صراعات فيه ولا حرب، ولكنّ الروح تبقى معلّقة بالهناك مثل قطعة الملابس على الشريط تراقصها الرياح، كذلك كانت الممثلة في حركتها التائهة المضطربة على الخشبة، تبحث الشخصية عن بقاياها أو بقايا ذكرياتها وتكرّر السؤال: “ماما ما خبّرتيني شو لازم أعمل لو ضاع البيت؟ لو ضاع الاسم؟ لو ما بقى حدا يشوف المنديل؟”.
ممثلة واحدة تتقمّص أكثر من شخصية، اسمها “عواطف” جمع عاطفة اجتمعت في شخص مفرد، فهي كلّ النساء المهجّرات، وكلّ الحالمات، وكلّ الأمهات اللواتي صنعن من دمار الحرب سلامًا على أولادهنّ، هي تونس، وسوريا، وفلسطين، ولبنان، وكلّ مؤنّث حملته الشخصية المسرحية في أبعادها الأسطورية والواقعية، تحكي للجمهور بعض حكايتها، تراوح بين اللهجة السورية واللهجة التونسية فهي تعيش الانشطار بينهما، وإلى سوريا تحمل جمهورها، تحاكي الذكريات.
الديكور بسيط: مجموعة من الكراتين المرصوفة وشريط ملابس يكاد يهوي، قد يكون مستودعًا تعيش فيه الشخصية، مكانٌ قفرٌ إلا من الذكريات المكوّمة داخل “الكراتين”، هذه الصناديق تشبه أيضًا حاويات التهريب في الشاحنات، فقطع الفلّين المتناثرة في القاعة تحيل مباشرة إلى فضاء لتهريب البشر، ومنذ الديكور يخبر المخرج جمهوره أنّ العمل يشير إلى فكرة الرحيل، فالشاحنات وحاوياتها كانت ملجأ العديد من السوريين للوصول إلى أوروبا بعد الوصول إلى تركيا، حتى أصبحوا بمثابة السلعة يزايد عليها تجّار البشر.
تلبس الممثلة اللون الأسود، سواد الحزن داخل الروح يخرج إلى الخارج، والإضاءة خافتة جدًّا مع إضاءة مكثّفة على ملامح الوجه ليعايش المتفرّج كلّ تفاصيل الحكاية وانتقال الشخصية بين عوالمها المختلفة، ليتغيّر السواد في الجزء الأخير من العمل باللون الأبيض، وكأنها انتقلت من مرحلة الوعي إلى الجنون، فالمجازر والحروب وفقدان الوطن والعائلة نتيجته الأبسط الجنون.
“عواطف” في طابور الانتظار يصبح اسمها “247”، فمنذ أول خطوة خارج الوطن تفقد هوية الاسم، تحمل مفتاحًا خشبيًّا لا يفتح أبوابًا وشهادة “غير محكوم” (شهادة بفضلها يمكن للسوريين الإقامة في البلد الجديد)، والكراتين الموجودة على الخشبة بمثابة الوطن، تفتحها تدريجيًّا أثناء عملية البوح أو التطهير، ستحكي عن الحبّ من خلال الكرسي الفارغ، وترثي وطنها عبر صور كثيرة لمعتقلين ومفقودين منذ بداية الحرب السورية إلى اليوم، وصندوق آخر لأحذية المهاجرين الذين هربوا من موت الحرب إلى جحيم البحر، وحكايات نساء وأطفال وفتيات اغتُصبن بين الزنازين المظلمة ولا تزال أصواتهنّ تشبه لعنة تصيب من يسمعها، فالعمل ليس مجرّد مسرحية أو بوح باسم ضحايا الحرب، بل عملية تطهير روحي ستعيشها الشخصية، ووجعٌ تتشاركه الممثلة مع الجمهور، ففي دائرة الفقد والألم كتب محمد حسين حمدان نصّه وألبسه روح الأمّ والوطن.
تحضر الجغرافيا بقوة في المسرحية من خلال عملية استرجاع تقوم بها الشخصية، تستحضر حمص والطفولة، واختيار حمص لم يكن اعتباطًا بل رمزية كبرى إلى المقاومة الشديدة التي قدّمها أهل حمص تجاه نظام بشار الأسد في مرحلة أولى، ثم قبالة تجّار الدم “داعش”، فحمص عانت الكثير في الحرب السورية وما زالت آثار الدمار إلى اليوم تعيشها المدينة، حمص أول المدن التي انتفضت ضدّ نظام بشار الأسد وقدّمت الكثير من الدماء، حوصرت المدينة وعاشت المجازر وحُرم مواطنوها الدواء والغذاء طيلة سنوات الحصار، شخصية المسرحية تحمل حمص في الذاكرة، تخبّئها كما تحافظ على وليدها، وأثناء الاسترجاع تتداخل الصور، فما عاشه أطفال حمص من خوف ودمار يعيشه أطفال غزة ويعايشه أطفال بيروت، كلّ صور الخوف بسبب الحرب التقطها كاتب النصّ وأبدعت الممثلة في إيصالها لجمهور المسرح في تونس، ليبقى المسرح فضاء التجريب والبحث عن الذات.