الموسيقى صدى للروح، وفي دقّة تصبح الإيقاعات أجمل وتتحوّل الموسيقى إلى إلياذة للحبّ وانتصار لثقافة الحياة، ومن عراقة المكان وجماله أخذت الفنانة تفاصيلها فكانت واثقة على المسرح، صوتٌ قوي وحضور ركحي جميل، وتماهٍ كلّي مع الفرقة، وتنويع في الأغاني المقدّمة في سهرة افتتاح الدورة الخمسين لمهرجان دقّة الدولي. شيماء الهلالي تعود إلى جمهورها في تونس بعد غياب سنوات عن الساحة الفنية، عادت محمّلة بالحنين إلى المسارح وشغف البدايات، وقدّمت سهرة ناجحة فنيًّا.
في افتتاح الدورة الخمسين لمهرجان دقّة قدّمت شيماء الهلالي باقة من أغانيها الخاصة وأغانٍ من الموروث التونسي والعربي، صنعت ليلة فنية هادئة تشبهها، وكسبت رهان اللقاء الأول بعد غيابها عن المهرجانات التونسية.
شيماء الهلالي تعود إلى الجمهور، ومن المسرح الأثري دقّة كانت الانطلاقة في جولة بمهرجانات تونس الصيفية، الهلالي صوتها قوي ومميّز، وعلى ركح دقّة كانت كالفراشة بفستان أزرق حلّقت في سمائها، غنّت وزغردت وفرحت، وشاركت الجمهور فرحة نجاح أبنائهم في الباكالوريا، صنعت من التلقائية ترياقًا يحميها من رهبة المكان، انطلق حفلها بأغنيتها “مين بيعشق بدقيقة” واختتمت بـ”تونس الخضراء”، تلوّنت بين الرومانسي والطربي والأغنية الشعبية، غنّت التونسي وبرعت في الخليجي وحاولت مصالحة المتلقّي مع طابع موسيقي خليجي ربما يُعتبر غريبًا عن ذائقة جمهور دقّة، ولكن يُحسب لها جرأتها في الغناء وتقديمها لألوان موسيقية مختلفة تثبت قدرتها وتمكّنها من الرصيد الغنائي، سواء الخاصّ أو الأغاني الأخرى المشتركة.
ساحرٌ هو مسرح دقّة، تحيط به حكايات من سبقوا وبنوا مجد دقّة الرومانية، سيرة السابقين وآثارهم لا تزال حاضرة في المكان، للمسرح ألقه الخاص، الأعمدة ذات التيجان والنقوش المحافظة على جمالياتها طيلة قرون، رهبة المكان ورونقه يبعثان في الفنان والمتلقّي جمالية خاصة، اعتمد التقنيون الألوان الزرقاء والخضراء مع بعض البنفسجي، انعكست على الركح والأعمدة الخلفية لتزيد الفضاء سحرًا، المجموعة الموسيقية ضمّت أمهر العازفين وأبرعهم بقيادة المايسترو قتيبة الرحّالين، جميعهم باللون الأبيض ووحدها الفنانة تتوسّطهم بزرقة تقارب السماء، تخطّت شيماء الهلالي رهبة اللقاء الأول وكسرت جليد البدايات مع الجمهور، وغنّت وأطربت محبّيها ومحبّي الأغنية الطربية.
نجحت شيماء الهلالي في تناصّها مع الإيقاعات الموسيقية وشكّلت ثنائيًّا رائعًا مع مجنون الإيقاعات محمد حاتم هميلة، لكلٍّ منهما جنونه الخاص، وفي رقصة على أغنية “بابا بحري” وصوت الشقاشق ضربا موعدًا للمتعة، تحرّكت الأجساد ومعها الروح الباحثة دومًا عن تفاصيل الجمال، حاتم هميلة ليس مجرّد عازف إيقاعات بل فنان متكامل له القدرة على بعث الروح في المسارح الميتة والمدارج الموغلة في الصمت، جنونه بالإيقاعات جعله من أمهر العازفين، وحبّه لفنّه واحترامه للمسرح والفنان يميّزانه في أغلب العروض عن البقية، وشكّل مع شيماء الهلالي ثنائيًّا جميلًا وكأنهما طفلان يتحسّسان الفضاء ويبحثان عن مواطن السحر بين أعمدته وحكاياته الشاهدة على عراقة دقّة وتاريخها.
عرف الجمهور التونسي شيماء الهلالي وهي في عمر الثانية عشرة حين غنّت “على مهلك يا هوى” في برنامج “الخطوة الأولى” على قناة 21 (الوطنية 2 حاليًّا)، ثم شاركت في برنامج “كوكتيل الأحد”، وانتشرت عربيًّا بعد مشاركتها في برنامج “ستار أكاديمي 3” واحتلّت المرتبة الرابعة من بين 19 مشاركًا ومشاركةً عام 2006، فالفنانة عرفت الغناء طفلة، أحبّت الموسيقى ونجحت فيها، وشيماء الهلالي متكوّنة موسيقيًّا، فهي خريجة المعهد العالي للموسيقى اختصاص “صولفيج”، تعزف العود، غنّت في بداياتها الموشّحات الأندلسية والمالوف ونجحت في الوصول إلى الجمهور، ولم تكتفِ الهلالي بمجرّد الغناء في البرامج الفنية بل قدّمت العديد من الفيديو كليب والأغاني الخاصة بها، ومن 2006 إلى 2016 اشتهرت شيماء الهلالي وكوّنت قاعدة جماهيرية عربية، ثمّ غابت وعادت بعهدها محمّلة بالحنين.
شيماء الهلالي فنانة جادّة في التعامل مع جمهورها، يتّهمها البعض بأنها فقط تقدّم أغاني غيرها وتؤثّث السهرات بأغانٍ ليست من إنتاجها، أمام جمهور دقّة غنّت “ولا مرة” لأمينة فاخت، و”بتونس بيك” لوردة، وبعض الأغاني من الموروث التونسي، لأنّ الجمهور لم يمنحها فرصة تقديم جديدها الغنائي، وكلّما حاولت تقديم أغنية خليجية يصيح الجمهور “نحبّوا التونسي”، وهو ما يجعلها تغيّر برنامج السهرة احترامًا لطلب الجمهور وذوقه، ولكن للفنانة رصيد غنائي، لها 5 ألبومات هي “ولا يهمّك” و”شيماء هلالي 2016″ و”بتقوم” و”سبعة بحور”، ولها أغانٍ حصدت آلاف المشاهدات على “يوتيوب” منها “كل الحكاية” و”إنت حبك” و”حطك عالحكي” و”العصبي” و”أعذرك” و”طيبة”، إنتاجاتٌ على شيماء الهلالي الدفاع عنها وتقديمها للجمهور التونسي لتضمن نجاح العروض القادمة.
نجحت شيماء الهلالي في لقائها الأول فنيًّا، الحضور الجماهيري لم يكن غفيرًا مثل السهرات الكبرى ولكن العدد محترم، فافتتاح خمسينية دقّة كان رهانًا صعبًا، وتلقائية الفنانة والتزامها الفني كانا من أسباب النجاح، وربما تكون عروضها الأخرى أنجح جماهيريًّا، لأنّ شيماء الهلالي صوت يستحقّ المغامرة والاكتشاف.
افتتحت الدورة الخمسون من مهرجان دقّة الدولي رغم كل الصعوبات المالية، وحاولت الإدارة الحالية الدفاع عن بقاء المهرجان رغم كل الظروف، قدّموا برنامجًا ربما اعتبره المتابعون أقلّ جودة من الدورات السابقة، ولكن يُحسب للمهرجان دفاعه عن حقّ أبناء الجهة في لقاء ثقافي موسمي، وإنجازه بإمكانيات جدّ بسيطة مقارنة بتظاهرات دولية أخرى، ليبقى مسرح دقّة منارة للإبداع تتجدّد فيه كل ملامح الجمال.