ملك الراي الشاب خالد في مهرجان قرطاج الدولي:  سردية للأبداع كتبت بالدم والحب ليصبح الراي فنا عالميا
عن الفن و أهله

ملك الراي الشاب خالد في مهرجان قرطاج الدولي: سردية للأبداع كتبت بالدم والحب ليصبح الراي فنا عالميا

اتبع أحلامك بكل قلبك، مهما كانت بعيدة يمكنك الوصول” مقولة [...]

23 July 2026
1 دقائق

اتبع أحلامك بكل قلبك، مهما كانت بعيدة يمكنك الوصول” مقولة لمارتن لوثر كينغ عمل بها الشاب خالد منذ السبعينات وفي بداياتها ليحقق النجاح العالمي ويحمل الراي الوهراني من غرب الجزائر الى أكبر مسارح العالم، من موسيقى الشعب والاغاني الناطقة بأحلام وهواجس البسطاء انطلقت رحلة الشاب خالد الذي كتب اسمه بأحرف من ذهب في عالم الموسيقى وحمل الراي الى العالم.

الشاب خالد فنان تعانق اغانيه القلوب المرهفة والعاشقة صوت الحالمين والمدافع بإيقاعاته عن الوطن والانسان، من “طريق الليسي” الى “c’est la vie” مسيرة من الجدية والالتزام والابداع وعلى ركح قرطاج قدم ليلة من الحنين ومنح لجمهوره ساعة ونصف من السفر والحنين.

نوستالجيا الراي على ركح قرطاح:

يعود الشاب خالد الى جمهوره بعد عشرة أعوام من الغياب، ليطل اليه بنفس الطاقة والتلقائية، فنان نجح في تكوين قاعدة جماهيرية كبيرة في العالم وله جمهوره في تونس، الشاب خالد قدم سهرة استثنائية عنوانها الحنين التقى فيها مع محبيه من أجيال مختلفة، ليعود بهم الى الثمانيات والتسعينات ويقدم باقة من أجمل اغانيه التي يحفظها الجمهور ويغنيها بمجرد انطلاق الفرقة في العزف.

موسيقاه لها رونقها الخاص، التماهي بين العازفين يصنع سينوغرافيا سمعية جد مميزة، أكثر العازفين سحرا عازف الاورغ هو الأكثر انصهارا مع كل نوتة موسيقية وكأنه خالق كل ذاك الجمال، عازف يستشعر الايقاعات والموسيقى قبل خروجها الى المتفرج، الفرقة المصاحبة منسجمة مع كل نوتة، وحدتهم وشدة انسجامهم الدعامة الأولى لنجاح الحفل.

الشاب خالد عاد الى قرطاج بعد اخر حفل له في 2016، نفس خامة الصوت لا تتغير مازال صوته قويا وقادرا على اختراق المتلقي، الى جمهوره أكد ان السهرة ستكون “عرس” وطيلة ساعة ونصف وزع صكوك الفرحة على الحضور، لكل شخص علاقة خاصة مع اغنية او ذكريات جيلي الثمانينات والتسعينات، جمعها انبثقت دفعة واحدة طيلة ساعة ونصف، لتكون الحفلة بمثابة الرحلة، استرجاع لماض غير بعيد لكنه مختلف كليا عن الوقت الراهن.

“بختة” و”ديدي”  و”عبد القادر” جزء من الذاكرة، توليفة فنية ورحلة الى الهناك الى زمن “الكاسيت” والبومات “احزان الراي” الى اشهر من انتظار اغنية وكاسيت جديدة، الى زمن تبادل الأشرطة بين الأصدقاء والتركيز على الاغنية وربما كتابة الكلمات على كراس لحفظها قبل إرجاع الشريط الى صاحبه، الى لحظات “اللمة” بين افراد العائلة والتركيز الكلي على جهاز “راديو كاسيت” كانت الجولة التي قدمها الشاب خالد، بعيدا عن وقت السوشيال ميديا والشهرة السريعة والاغنية الخفيفة، فخالد واغاني الراي كانت جزء من الذائقة الموسيقية للتونسيين، ترنيمة للحرية وايقاعات صاخبة ومختلفة عن السائد، كل مشاعر الحنين استيقظت مع ايقاعات أغاني الشاب خالد في عرضه على ركح قرطاج.

الشاب خالد طفل اختار موسيقاه ديدنه ليصبح ملكها

الشاب خالد فنان صنع مجده الفني بعد سنوات طويلة من العمل، دخل عالم الفن صغيرا في سن الرابعة عزف على اول قيثارة من صناعة يدوية رفقة اترابه في الحيّ، ثمّ قيثارة حقيقية على ملك شقيقه الأكبر وأحب الموسيقى من عمّه عازف الاكورديون، انطلق أواخر السبعينات من حي بلعباس في وهران، في حيّ شعبي ميزته حبّ الموسيقى والانسجام بين سكانه كانت الشرارة الأولى مع أحد الأصدقاء عازف الدف.

كبر به الشغف الى الموسيقى ليشكل في سنّ العاشرة أول فرقة له باسم “الخمسة نجوم” انبهارا بفرقة ناس الغيوان، ثم غنى مع فرقة أوزا بويز في حفلات الزفاف والملاهي بوهران، حيث اكتسب خبرته المبكرة في الراي. وسجل أول أغانيه بعنوان “طريڤ الليسي”، وكان من أوائل من أدخلوا آلة الأورغ في موسيقى الراي، مما ساهم في تطوير الصوت العصري لهذا النوع الموسيقي، من مدينة وهران انطلقت التجربة ليصل الى العالمية ويكتب اسمه بأحرف من ذهب في سماء اغنية الراي ويتربع على عرشها..

خالد ظاهرة فنية وموسيقية، شاب على الدوام منذ البدايات الى اليوم، نجح في الخروج بفن الراي من دائرة محلية ضيقة الى أوسع أبواب العالمية ومجد الشهرة، وحلّق بالراي بعيدا الى مجازات النجاح بعد ان دمجه بموسيقى الروك والريغي والجاز وغيرها من الايقاعات العالمية، ليصنع بموسيقاه عالمه الخاص ويبقى ملكا للراي بعد وفاة منافسه الأبرز “الشاب حسني”..

بين خالد وجمهوره صلة عظيمة فمنه يستمد الفنان قوته ويقاوم خجله، رفض والده ممارسته للموسيقى لكن القدر كتب اسطرا أخرى في سيرة مجد الشاب خالد، عمل طفلا في الحفلات وقدم عائداته البسيطة لأمه، احبّ الموسيقى واختارها مسارا حياتيا رغم عدم وجود قانون يحمي الفنانين في تلك الفترة ولم تكن المهنة آنذاك معترفا بها او توفر استقرارا ماديا ولكن حبه للموسيقى جعله يقاوم، ومنذ العاشرة الى اللحظة كسر الشاب خالد كل الحواجز وتربع على عرش الراي فنّا وحضورا ولا تزال ابتسامة الطفل ترافقه كلما صعد على الخشبة، وامام جمهور الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي كان لقاء الحنين والمتعة واخذ خالد من جمهوره الكثير من القوة ليقدم سهرة بتلك الجمالية.

من وهران مدينة الموسيقى كتبت أولى لوحات النجاح

يغني الشاب خالد للحب، يلتقط القصائد المختلفة ويحولها الى موسيقى يمزج فيها الراي التقليدي بإيقاعات عالمية، من وهران كانت الانطلاقة، وهران ليست مجرد مدينة بالنسبة لخالد بل فكرة ممتدة، هي امتداد لأنماط وايقاعات موسيقية مختلفة، المدينة الموجودة في الغرب الجزائري هي مزيج من العرب والاندلسيين والفرنسيين والاسبانيين/ مدينة الموسيقى والفرق المنتشرة التي تقدم موسيقاها مجانا في الشوارع منها التقطت اذن خالد أولى محبته للإيقاع وللموسيقى، فيها نشأ واختار فنّه سبيله للحياة.

الشاب خالد ايقونة فن الراي اليوم، صنع مجده واغانيه بمثابة العلامة المسجلة، في رصيده العديد من الأغاني المحفورة في الذاكرة، لكل اغنية قصة تتوارثها الأجيال، كان اوّل من اصدر أسطوانة باسمه الحقيقي “خالد” وقبلها صفة “شاب” مع أسطوانة “طالعة للغابة” الاغنية التي اعتبرت جريئة جدا آنذاك لجملة “طالعة للغابة، ساقيها باينة” وتجرأ على وصف الحبيبة دون الحاجة الى الاستعارات، امام جمهور قرطاج غنى “بختة” اغنية الحب المكتوبة أساسا في 196 بيت شعري، اخذ منها خالد 5بيوت لتصبح الاغنية عنوانا للحب.

خالد الفنان الملتزم بالقضايا، المدافع عن أفكاره بموسيقاه، تمرّد منذ الطفولة على المجتمع وصمته، لم يخف الإرهابيين الذي روّعوا الجزائريين في العشرية السوداء واخرج الأسطوانات باسمه وكانت اغنية Didi التي تعتبر صوتا لرفض الخنوع والصمت.

من وهران انطلقت القصة، نجم الراي الشاب خالد الذي أبدع في لقائه بجمهور قرطاج، تردد صدى الطفولة والذكريات، لازال يحمل مدينته بين جنبات القلب ويتحدث عنها كلما اتيحت له الفرصة، وهران مدينته الأولى فيها تعلّم السحر ومن احيائها استنشق عبق الموسيقى، وهران مدينة غير زائفة، لا ترتدي قناع التحضر مدينة الحواس مطلة على المتوسط، نسيجها المجتمعي مختلط وموسيقاها كذلك من الثقافة الاندلسية والفلامنكو والاغنية الفرنسية والموشحات والراي من كل تلويناتها اخذ خالد وصنع فسيفسائه الموسيقية الخاصة به.

وهران فكرة واغنية لأحمد وهبي غناها في مرحلة ثانية الشاب خالد، الاغنية الملازمة لتيمة الوطن والغربة يعتبرها الكثيرين نشيدا للاغتراب، “وهران، وهران، رحتي خسارة قعدوا في الغربة حيارى والغربة صعيبة وغدارة..والله ما ننسى بلادي ارضي وارض اجدادي” هي المولد والمنشئ منها انطلقت أولى تجارب الشاب خالد في الموسيقى، من وهران كانت الشرارة الأولى لفنان حمل على كاهله موسيقى الراي المحلية ليتربع بعد سنوات على عرشها ويصبح ملك الراي دون منازع، الشاب خالد ليس فنانا عاديا هو ظاهرة موسيقية بأكملها، عرف كيف ينجح، غامر منذ البدايات وكان اول من ادخل الة الاورغ على أغاني الراي ليترك بصمته في هذا المجال الموسيقي الذي عرف به واخرجه من الجزائر الى العلم.

أبدع الشاب خالد في معانقة المسرح الاثري وكتب أجمل رحلة لجمهوره، تماهى مع كل لحظة بشغف وصدق، غنّى واحبّ لقاءه مع جمهوره واختتم حفله بجملة” يحيا الوطن العربي الكبير” لتظلّ موسيقاه دائما صوتا للحرية وللوحدة لملك الراي الشاب خالد الذي اخذ من اسمه الكثير وسيبقى خالدا.

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.