مسرحية “الهروب” اخراج محمد البركاتي ايّها الوطن؟ أما زلت ظمئا لكؤوس من دم ابناءك؟

تتلاشى الأحلام كما ذرّات الرمل بين أصابع اليد، تتمنّع الآمال وتحضر مكانها الكوابيس والشتات وسؤال مؤرق يتكرر مثل الصوت الدفين يقول اين دفنت أحلام شباب الثورة؟ كيف يفكر الجيل الحالي وأية اليات يمارسها ليواصل الحياة؟ ما الذي قدمته المنظومات لأبنائها؟ وكيف يقتل الوطن أحلام أبنائه ويجبرهم على الذهاب الى المنفى والاحتراق علّهم يجدون صدى لترددات أفكارهم؟
على الركح تصبح كل هذه الأسئلة بوابة لصناعة فرجة مسرحية مكتوبة بحرفية الممثلين وقدرتهم على تفكيك رموز الفعل الإبداعي في عمل حمل اسم “الهروب” نص محمد الناصر النفاتي وأداء جميلة الجامي وأريج السباعي وسليم الذيب وآدم العماري، تصميم موسيقى جهاد الخميري وتصميم وتوضيب اضاءة فيصل صالح، ملابس اميرة مامي، وسينوغرافيا واخراج محمد البركاتي، انتاج مسرح بيكولو ببنزرت.
لذة الوجع تصبح أجمل في المسرح
تتحرك الأجساد على ركح المسرح، أربع ممثلين لكل حركاته المتكررة قبل انطلاق العرض تصاحبهم موسيقى هادئة، ملابسهم رياضية، ربما ممثلين يقوم بالتدريبات لعمل ما او رياضيين يمارسون تمارينهم اليومية، الموسيقى ستكون الخط الفاصل بين ما قبل الحدث والحدث المسرحي، حين تتغير الايقاعات الموسيقية، يبعث الممثلين من حركاتهم المتكررة ويدخلوا الى مجازاتهم المسرحية.
الديكور مايكروفون، طاولة ومعلاق ملابس متنقل سيكون حاضرا على الركح طيلة العمل، فالممثل يخرج من شخصية الى أخرى، ومن لباس الى اخر امام الجمهور، ليستعمل محمد البركاتي الميتا مسرح في عمله الإبداعي الجديد، ويخوض غمار التجريب والحفر في العمق النفسي للشخصيات قبل وضعها على الركح لنقد العديد من مشاغل اغلب الحاضرين في قاعة التياترو ضمن فعاليات مواسم الابداع.
الإضاءة خافتة جدا، اضاءة رأسية تسلط مباشرة على الشخصية المتحدثة، هم أربع شخصيات وحكايات متشظية، تتداخل الأفكار، الحركات، تختلف المسارات ولكنهم يشتركون في فكرة الهروب، لذلك كانت الموسيقى حزينة وكانها تعبيرة عن لحظة وجع الفراق، كذلك الضوء متحركا والديكور فلا شيء ثابت في الفضاء تماما كأحلام شباب اليوم وحكاياتهم.
يقسم المخرج الركح الى أروقة ضوئية ضيقة يرمي فيها بالشخصية المتكلمة او الفاعلة اما البقية فيشاهدون أنفسهم وزملائهم اثناء سرد الحكاية، ثم يتبادلون الأدوار، أحيانا يكسرون الجدار الرابع للحوار مع المخرج او الجمهور، فالمسرحية تجريبية لا تخضع للفرجة للكلاسيكية.
بتقنيات بسيطة وديكور متحرك وهو عبارة عن طاولة وكرسيين يتحولان حسب ما يتطلبه المشهد، مرة ركحا مسرحيا، ومرة أخرى طاولة تحقيق وقاعة انتظار في محطة القطارات، هذه التقنيات صنع بها المخرج جمالياته وقسم عبرها الركح ليصبح عبارة عن خطوط وتقسيمات كتلك التي يقول عنها “افلاطون” “الخطوط المستقيمة والدائرية والمسطحات والحجوم، ان مثل هذه الاشكال ليست كباقي الاشكال، ولكنها جميلة جمالا مطلقا في ذاتها”، وجمالية الركح ينسجم مع جماليات حركة أجساد الممثلين وهم يصنعون فعلهم الإبداعي.
بين الواقعية والتجريب يشكل محمد البركاتي عوالمه المسرحية، محاولة أخرى جادة لتقديم فعل مسرحي يشبه صناعه في تجديدهم، الموسيقى تكتب نشيدا للخوف والحرية معا، ايقاعات صاخبة تعاند هدوء القاعة وصمت الشعب امام أحلام الشباب المجهضة، موسيقى كتبت لترادف حركات الممثلين على الخشبة وتنقل صراعات الشخصيات.
الإضاءة جزء من جمالية المسرح، مساحة للسؤال، فالعتمة أحيانا تكون اشد وضوحا من الضوء وتعمّد المخرج وضع شخصياته في عدة مواقف في الظلام ليثير السؤال ويشد انتباه المتفرج، فظلالهم أحيانا تصبح اكثر تأثيرا من الحقيقة، الايقاعات الموسيقية وتقسيم الركح الى مساحات لونية وأروقة صغيرة جميعها تطرح رموزا توجه للمتفرج علّه يحاول فكّها عملا بمقولة آبيا “المسرح عالم سحري يولد من انصاف ظلال، تخلق منه الإضاءة رموزا تقوم الموسيقى فيها بدور ضابط الإيقاع”.
في هيكل المسرح يصلون لأجل الامل
تتحرك الأجساد على كامل الركح، لكل شخصية مساحتها في اللعب وطريقتها في التناص مع القصة، أجسادهم حمالة معان، تصنع الصورة التشكيلية الأولى، أجسادهم تتناص مع حركة الضوء وايقاع الموسيقى، يرسمون بالجسد والحركة لوحة بصرية هي البوابة الأولى لقراءة العمل المسرحي.
حسب بوبوف “كل أفعال الممثلين تتطلب شكلا مسرحيا متألقا ومؤثرا ولا يعني هذا مجرد القيام بعملية ضبط الصراع الناشئ بشكل عفوي، بل والبحث عن لغة تعبيرية كتلتك التي يمتاز بها فن النحت والتصوير ” وعلى الركح تكون الأجساد لينة، رياضية، تتحرك بانسيابية وكانها ريشة رسام يبدع في تحريك خطوطه وتحويل مسارات الألوان ليكتب أفكارهم في لوحة تشكيلية، بنفس الأسلوب كتب الممثلين الشباب احلامهم على الركح، أجسادهم كانت الصرخة الأولى ضد القيود قبل تحرر الأصوات لتكتب تاريخها وتحكي قصص أحلام الشباب وعلاقتهم بالفن والفعل والبلد.
“الهروب” عنوان المسرحية وصفات الشخصيات، الممثلون على الركح لا يمثلون او يحاكون الواقع، بل هم انكاس للجمهور، يتشارك المتفرج مع الممثلين نفس الوجيعة، الفكرة ذاتها في المغادرة والهروب الى عالم اكثر هدوءا، في المسرحية الموت نجاة، الهجرة نجاة، الحرقة نجاة وكل اشكال المغادرة تمثل طوق نجاة.
على الركح وفي فضاء مسرحي متغير يطرحون الأسئلة عن أحلام شباب الثورة، اين رحلت تلك الاحلام المكتوبة بالحب والدم؟ ما الذي قدمته الأنظمة السياسية بعد 2011 لابنائها لتدفع بهم الى الهجرة المريبة، فالتونسيين اغلبهم هدفهم واحد المغادرة، وكلما رحل أحدهم كتب نصا رثائيا في البلد؟ فأي قوة تطمس أحلام الشباب؟.
المسرح فضاء للمحاكاة، تعبيرة عن الحرية، وعلى الركح تحمل الممثلين وزر الشخصيات باختلاف مشاربها الفكرية والجسدية، كل ممثل لعب اكثر من دور وكلها يجمعها هاجس الهروب من الواقع، العمل يسلط الضوء على تشظي أحلام التونسيين خاصة الشباب من 2011 الى اليوم، يطرح الأسئلة عن حرية التعبير، عن الاغتراب الثقافي والموت ببعديه النفسي والفيزيولوجي، مواضيع حارقة تشغل الشباب قدمها الممثلين بحرفية على الركح، تنفسوا فنّا وبعثوا في الشخصيات من ارواحهم وصدقهم ليوصلوا وجيعة جيل بأكمله يشاهد تلاشي أحلامه ولازال متمسكا ببعض الامل للبقاء والمواجهة.
جرأة في طرح المواضيع، الجمهور شريك في الفعل المسرحي، حين ينطفئ الضوء على الركح وتضاء القاعة اين يجلس المتفرج، ليتساءل بدوره عن العنف المسلط ضدّ المراة، وجيعة النساء وانتشار الجرائم ضدهن، العنف المنتشر بوتيرة متسارعة تقاومه الشخصيات، تحاول رفضه ولفظه وتصرخ في الجمهور ان استيقظوا من سباتكم، فالعنف ثم القتل بات مادة يومية، فهل التحوّش اليوم امرا واقعيا؟ وكيف النجاة؟ هكذا تتساءل الشخصيات.
“الهروب” تجربة مسرحية جديدة للمخرج محمد البركاتي، لقاء فكري ومبحث جمالي اخر يشرح تونس اليوم ويكشف توتر العلاقة بين الشباب والسلطة، تجربة تطرح الأسئلة عن واقع الشباب وتقدم طرحا سوسيوثقافي لمسالة الهروب من البلاد الى أمكنة حسية وجغرافية أخرى، هذا الهروب المرهق للذاكرة يشبه صورة ضبابية ومتشظّية لجيل بأكمله.
هروب مثل الكرة البلورية يبدأ من حيث انتهى “فالهروب ليس دائما الخلاص، و الطريق إلى النجاة قد يعيدنا إلى حيث بدأنا”، هذه الصور التقطها محمد البركاتي و جميلة الجامي و أريج السباعي وسليم الذيب و آدم العماري ليكتبوا سردية مغايرة للامل، للواقع، للوطن وللفن عملا بمقولة كير ايلام في المسرح تكسب الأشياء التي تقوم بها العلامات المسرحية، مقومات خاصة وخصائص نوعية وصفات لا تملكها في الحياة الواقعية.


