“بروفة”لوليد الدغسني  من الخشبة إلى مسرح الحياة: من يصنع الحكاية؟ من يحرّك الشخوص؟
في المسرح · نقد

“بروفة”لوليد الدغسني من الخشبة إلى مسرح الحياة: من يصنع الحكاية؟ من يحرّك الشخوص؟

المسرح مرآةٌ عاكسة للمجتمع، والمسرحيُّ ليس في عزلة عن بيئته ومحيطه، وللخشبة قدرةٌ رهيبة على امتصاص الأفكار وإعادة ترتيبها وإرجاعها أكثرَ وضوحاً عبر جسد الممثل وقدرتِه…

بقلم admin9 دقائق قراءة

شارك المقالفيسبوكإكستلغرام

المسرح مرآةٌ عاكسة للمجتمع، والمسرحيُّ ليس في عزلة عن بيئته ومحيطه، وللخشبة قدرةٌ رهيبة على امتصاص الأفكار وإعادة ترتيبها وإرجاعها أكثرَ وضوحاً عبر جسد الممثل وقدرتِه على التماهي مع الفعل الإبداعي. على خشبة المسرح، وفي قاعة سوداء مغلقة، طُرحت العديد من الأسئلة، منها: هل نحن أصحاب قرار في عصرنا الراهن؟ أم أننا عبيد للتقدم التقني؟ من الذي سينتصر: إنسانية الإنسان أم عقل الآلة والخوارزميات؟ من الذي سيربح المعركة: مخرج المسرحية أم شخصياتها؟ أسئلة بعضها فلسفي وأخرى مسرحية، طُرحت لتدقَّ ناقوس الخطر لدى المتلقّي.

كلُّ هذه الأسئلة طرحها وليد الدغسني في مشروعه المسرحي الجديد “بروفة”، أداء كلٍّ من منير العماري وأسامة كشكار وثواب العيدودي وسندة أحمدي، هندسة الصوت محمد الهادي بلخير (ميش)، والفيديو كرامة الصيادي، وتنفيذ الفيديو والصوت صبري العتروس، وأزياء زينب الماكني، وتوظيب عام يزيد بلهادي، إنتاج شركة “كلانديستينو”.

اسمعوا هسيس الخشبة لأنها تسرق ذكريات الممثل وذاكرته:

من يحرّك من؟ الممثلون يحرّكون المخرج أم العكس؟ هكذا يبدو الظاهر، ولكن الباطن سؤالٌ آخر مفاده: من يصنع من؟ هل الشعب يصنع الحاكم أم الحاكم يصنع شعبه على مقاسه؟ من يكتب نواميس القصة، الشعب أم السلطة؟ فالشخصيات في المسرحية أغلبها حاولت التمرد على صانعها والخروج من مدارات القدر المكتوب على الورق منذ آلاف السنين، شخصياتٌ صارخة ترغب في التمرد رغم خوفها من المجهول، شخصيات تشبه الجمهور الحاضر في تشتّته أحياناً ورغبته في الانفلات من قيود السلطة على النص والفكرة.

في فضاء معتم، وضع وليد الدغسني شخصياته الأربع تتحرك في مساحة ضيقة. حسب النص المنطوق، تبدو الشخصيات ميتةً بُعثت آنذاك: شخصية مسرحية، ودمية مهملة بعد عرض مسرحي، وثالثة تشبه الطيف أو الحقيقة الغائبة منذ حقبات طويلة، أما الشخصية الرابعة فهي محرّكة الأحداث، ربما كاتب الشخصيات أو مخرجها، وهو العارف بالفضاء، يضعه المخرج منذ البداية يتوسط المكانَ، له قدرة على التحكم ببقية صنّاع الحدث؛ إذا تكلّم سكتوا، وإذا حرّك جسده أو يديه تتداعى أجسادهم.

منير العماري لعب الشخصية بحرفية كبيرة، عانق الروعة في أدائه وانصهاره مع القصة؛ هو الصانع، الخالق، الرب، العرّاف والعارف بالحقيقة، تحديداً حقيقة البقية. الشخصية المتوهمة ومدّعية امتلاك الحقيقة، ومع تصاعد الأحداث يكتشف الجمهور أن الشخصية بدورها سجينة الوهم والخوف والمكان؛ هو كتبهم ولكنه سجن نفسه في دائرة ضيقة وانغلق على نفسه وشخصياته حدَّ الفناء.

في “بروفة” تحاول الشخصيات التحرر، تتصارع وتتصالح وهي تخوض رحلة النجاة. من الأسطورة استلهم كاتب النص شخوصه، أخرجها من الموت إلى الحياة. في العمل تتقابل “أنتيغون” مع “بروميثيوس”، كلٌّ منهما يحمل وزر الذاكرة ولعنة عدم التمرد، يبوحان بالحقيقة أمام صانع الحكاية وكاتبهما. صراعٌ يبدأ من الورق وينتقل إلى الواقع، ويصبح هناك علاقة تفاعلية بين الشخصية والممثل والمتلقي. كلَّ الألم تحاول الشخصيات إفراغه في الفضاء الضيق علّها ترتاح من حملها وتعيد ترتيب ذاتها، تماماً كما الجمهور الباحث في المسرحية عن ملاذ يريحه من غليان أفكاره.

على الخشبة وفي فضاء ملحمي واحد اجتمعت شخصيتان كلتاهما من الأسطورة، الأولى تقول بعد كثير من التفكير والوجع: “سأدفن أخي، سأكون قبره”، جملة تقريرية تؤكد بها الشخصية إعلانَها العصيانَ للأوامر الفوقية. هي “أنتيغون” الجريحة التي فقدت شقيقها ورفض الملك دفنه، فظلّت تحثو التراب يومياً إلى أن أُعدمت. أنتيغون ستعيد كتابة سيرتها، لن تكون خانعة هذه المرة، ستجرؤ على القانون ويصبح جسدها الضعيف قبراً لأخيها. وكم من أنتيغون تعايش وجع الصراع بين الضمير والقانون، وكم من أنتيغون تحمل على ظهرها وزر مسؤولية أكبر من عمرها وطاقتها. الشخصية المسرحية تتماهى في وجيعتها مع الممثلات، فكم من ممثلة مضطرة إلى احتمال قناع السعادة وإضحاك المتفرج وفي داخلها تابوتٌ بارد موجع. أنتيغون خرجت من البعد الورقي إلى البعد الإنساني وأصبحت عنواناً لكل المتعبين والحالمين ببعض الراحة في ظل القانون والضمير. ونجحت ثواب العيدودي في التناص مع الشخصية وأفكارها في تجربة مسرحية مختلفة أكّدت قدرتها على أداء أصعب الشخصيات.

أما الشخصية الثانية فتخاف ضوء النهار، تخاف الوضوح وترغب في العتمة لأن فيها أمانها، شخصيةٌ مربكة ومتعبة. “بروميثيوس” سارق النار، ذلك الإله الذي تحدّى كبير الآلهة زيوس وسرق النار لمساعدة البشر، فعُوقب أن يأكل نسرٌ كبدَه طوال اليوم، وفي الليل يعود الكبد إلى مكانه. في المسرحية يقرر بروميثيوس التحرر من تلك القيود؛ سيختار حريته ولن يرضخ للنسر ولا للأقدار، وسيكتب قدره كما يشاء. في تمرد الشخصية رسالةٌ واضحة تنادي بعدم الخنوع والاكتفاء بالمسلَّمات الفكرية والنصية، دعوةٌ لاستعمال العقل والانتصار فقط للفكرة الحرة والثائرة. وبين الانقياد والحرية يصنع أسامة كشكار عالمه الإبداعي.

أثناء الصراع ومن وسط العتمة يمرّ الضوء متمثّلاً في “الهدهد” ورمزيته الأسطورية والتاريخية. الهدهد يتماهى مع الشخصية الأخرى، الأكثر جلبةً في المكان والأقل حواراً، شخصية تشبه الطيف أحياناً ومرات تكون هي حامل الحقيقة. بين الصمت والصوت نحتت سندة أحمدي ملامح شخصية مسرحية لها تأثيرها المباشر على الأحداث.

تعيش الشخصيات في فضائها المعتم، تُجبر الجمهور على أن يكون جزءاً من حكايتها؛ هم ثلاثة ولكنهم كثر، لأن كل شخصية تحمل فيها أرواح كل الشخصيات المسرحية والممثلين الذين سبق أن مرّوا بذلك المكان. في العمل تناصٌّ بين الخيال والواقع، والشخصيات المسرحية تدعو إلى التحرر وتحطيم القيود، وتحمل وجع الفضاء وذاكرته، تماماً كما الممثلون الحقيقيون يلعبون لأجل الحرية ويحملون في أجسادهم أرواح وأحلام كل ممثل سبق أن صعد على خشبة مسرح “الريو” وكل خشبة مسرح في العموم. فبين الشخص والشخصية الكثير من الصدق حاول كاتب النص إخراجه في شكل نص مسرحي موجع.

الجماليات وسيلة للتجريب التقني والتجديد الإبداعي:

إضاءة خافتة جداً، أجساد تتحرك بشكل فوضوي على الخشبة، في أعلى الركح (up stage) يوجد باب مساحتُه مضيئة أكثر من بقية تفاصيل المكان. تزداد حركة الشخصيات وتوغل في صمتها، يشتعل الضوء تدريجياً ليكتشف الجمهور ملامح فضاء اللعب: مربع الشكل، جدرانه عالية موشّاة باللون الأسود. الفضاء ربما لمسرح مهجور، أو ورشة للتجريب والتدريبات، إضاءتها الخافتة تضفي إحساساً بالاختناق يتشاركه الممثل مع المتلقي. الموسيقى صاخبة تشبه رجفة الخوف داخل القلب البشري. الشخصيات لا تتذكر ماضيها ولا متى وُجدت هناك، تتذكر فقط القليل من تصرفاتها أو ترسبات حكايات شخصيات مسرحية أخرى وممثلين سبق أن مرّوا بذلك المكان.

حركة الشخصيات في رحلة بحثها عن ذاتها تشبه قولة محمود درويش:

تُنسى، كأنَّكَ لم تَكُنْ

تُنْسَى كمصرع طائرٍ

ككنيسةٍ مهجورةٍ تُنْسَى،

كحبٍّ عابرٍ

وكوردةٍ في الليل …. تُنْسَى”

سينوغرافيا العرض تشكّل تيمة الخوف والغموض، منذ اللحظة الأولى يعلمنا صنّاع العمل أن الرحلة ستكون مُرهِقة للنفس والعقل معاً، فشُدُّوا أحزمة الصبر قبل الإقلاع. حركة الممثلين المضطربة، وأصواتهم المتحشرجة المتلائمة مع الموسيقى الحادة في كثير من المشاهد، كأنها صرخة “أنتيغون” وهي تحثو التراب على جثة أخيها المرمية في العراء.

اللون الأسود المسيطر على الحكاية، وبعض الضوء القوي المُتعِب للعين والقلب معاً أحياناً، وتلك اللحظات المنهكة التي تعيشها الشخصية كلما حاولت الوقوف. ما كتبه صبري العتروس بآليات السينوغرافيا في المسرحية يتماهى مع إحساس الخوف وتيمة السؤال والغموض التي تطرحها المسرحية؛ فالتقنيات في العمل ليست للإضافة بل هي جزء من الفعل الإبداعي، وللسينوغرافيا دورها في توجيه الجمهور ومزيد تكسير الحاجز الفاصل بين الفكرة الغامضة والمتلقي. من خلال السينوغرافيا صنع صبري العتروس عالماً بصرياً يحفّز ملكة السؤال ويشرّع لتيمة البحث في أهمية التقنيات في فعل مسرحي حرٍّ وحيٍّ.

للموسيقى دورها في تحديد مسارات العمل؛ اختاروا أصواتاً ذات إيقاع قوي في الكثير من المشاهد، وقوة الصوت تنسجم مع حركة الشخصية الخائفة والمترددة. الموسيقى تشبه صورة الداخل المخفي، هي انعكاس لصدى البلد وغليان مثقفيه، فبين المسرح والواقع الكثير من التشابه، ومسرح وليد الدغسني فعلٌ نقدي غير منقطع عن الحقيقة.

يطرح العمل العديد من المشاغل، منها العلاقة بين الإنسان والآلة؛ فالشخصيات في العمل سترحل بحثاً عن حقيقتها لتجد نفسها في فضاء بارد وخاوٍ أكثر قبحاً من المكان السابق. في الفضاء الجديد سيُخيَّرون بين الذكريات أو النسيان والنجاة، سؤالٌ يبدو بسيطاً للوهلة الأولى ولكنه يكشف مدى تمدد الخوارزميات وسيطرة الآلة على الإنسان.

استعمل صانع الجماليات محمد الهادي بلخير بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي لينحت معالم الفيديو؛ رُسمت عربة بتقنيات حديثة انعكست على خلفية القاعة، تتحرك ببطء علّ الشخصيات تُنقذ نفسها من ذكرياتها وتصعد إليها. التقنيات الموظفة في العمل لم تُطمس أداء الممثل ولم تؤثر على درجة التلقّي لدى المتفرج، وإنما وُظِّفت بذكاء لتكون في خدمة الفعل الإبداعي.

في الفضاء الجديد الذي تهرب إليه الشخصيات هناك صوت يكرر كلمة “حُفظت”، عالمٌ غير ملموس يخفي الذكريات والمشاعر والحركة، ويترك للبشر فقط الميكانيزم الآلي. هذا الصراع بين أجساد حية تتحرك وصوت خفي مجهول المصدر يطرح السؤال: في ظل كل هذا الجنون التقني، من سينتصر؟ إنسانية الإنسان أم قوة الخوارزميات؟ من سيحدد مصير البشرية: الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً وصانع الآلة؟ أم ستتغير اللعبة وتصبح الآلة صاحبة القرار؟ حين نرتدّ قليلاً إلى الخلف نجد أن إنسان اليوم أصبح عبداً للآلة، وبات الطفل والكهل تحت مخدّر وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح “الترند” مقياسَ تقدم الناس لا الحكاية ولا الموقف.

كل هذه الأسئلة والصراعات تُنقل على الخشبة من خلال السينوغرافيا وأداء الممثل، ولكن المسرح فعلٌ لا يستكين وحركة لا تعرف الخنوع، لتنتصر مشاعر الحب في النهاية؛ رغم التقدم تعجز التقنيات عن محو إحساس الحب. ونشاهد الممثلين متعانقَين ليشكّلا جسداً واحداً وهما يتحدّيان صوت الآلة ونداءات محو المشاعر. في انصهارهما صوتٌ داخلي يقول: “ادخل إلى هذا الجسد، وابحث عني حيث أكون في أشد حالاتي تدميراً، أحبّني هناك”، كما كتبت رون لازولي.

“بروفة” حلقة أخرى من مشروع مسرحي أساسه السؤال

احتضن فضاء “الريو” العرضَ ما قبل الأول لمسرحية “بروفة” إخراج وليد الدغسني. العمل تجربة أخرى للدغسني يشرّع من خلالها أبواب السؤال، لأن المسرح الذي يقدمه أساسه طرح الأسئلة ومحاولة تسليط الضوء على قضايا الراهن ومسائل تمسّ الإنسان من خلال الفن الرابع.

المسرح لدى وليد الدغسني ومجموعة “كلانديستينو” ليس مجرد فعل إنجاز بل تجربة حياتية وبحث معمّق في مسائل ثقافية وسياسات إبداعية. حلقةٌ من التجريب انطلقت مع “انفلات” عام 2011، وطرحوا فيها مواضيع تهم الثورة وقيم الحرية وكيفية تجسيد هذه المفاهيم على الخشبة ثم في الشارع، وفي 2026 يقدم الدغسني سؤالاً حارقاً آخر عن إنسانية الإنسان في مقابل التطور التقني المريب وكثرة الصور، ومدى قدرة البشر على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، مستعملاً فنَّ الممثل سلاحاً أزلياً للحقيقة.

“بروفة” ليست عملاً مسرحياً بل حلقة أخرى في فعل التجريب الإبداعي، محطةٌ مسرحية أخرى يطرح من خلالها الدغسني أفكاره بشأن الإنسان والفضاء وسؤالاً حول هوية الجسد والفعل الحياتي، لأن ممارسة المسرح ممارسةٌ للتفكير.

قُدِّم العرض في فضاء مقاوِم؛ “الريو” ليس مجرد فضاء للعروض المسرحية بل ركيزة أساسية تدافع عن الحق في الثقافة وتكرّس لمبدأ دمقرطة الثقافة. “الريو” وعلى رأسه الحبيب بالهادي قدّم الكثير من الدعم لفريق مسرحية “بروفة”، والريو فضاءٌ مفتوح لكل الأحلام، مساحةٌ للتجريب والحياة، وبوابةٌ للنقد ولترسيخ فعل ثقافي يُنصت فقط للإنسان وينتصر للقضايا العادلة. رغم كل البيروقراطية الإدارية، سيظل “الريو” منارةً للحلم والفن.

من الأرشيف

عن الفن و أهله

مسرحية "نومة" اخراج دليلة مفتاحي  إذا قرعت نواقيس الخطر النفسي حاولوا النجاة قبل التلاشي       مفيدة خليل   أصرخ، حرر جسدك من كل آلامه المخبئة منذ سنين، أترك له الفرصة للتشافي، دعه ينتفض على الوجع النفسي ويقايض الامل، حرّر الدماغ مما يكبّله، ابحث لنفسك عن بوابات السعادة واغطس بكلّك في شلالات الحياة، لا تقاوم الألم وإذا خرس اللسان فاكتب ما تريده روحك قبل ان ينهشك غول الاكتئاب هكذا تصرخ الأجساد في لحظات النومة الأخيرة. "نومة" وجع انساني يكتبه الممثلين على خشبة المسرح، فالمسرح مساحة دائمة للتجريد والخشبة تتسع لكل الالام، "نومة" تجربة مسرحية تطرح موضوع الصحة النفسية وتنبّه الى خطورة الامراض النفسية وابرزها الاكتئاب، العمل اخراج دليلة المفتاحي ونص دنيا مناصرية، تمثيل كل من فوزية بدر ولطفي التركي ومحمد امين الزواوي وكمال الكعبي ودليلة مفتاحي وضحى والي وسفيان لبن ظافر وجلال مصدق، موسيقى الطاهر رضواني واضاءة رشاد باللحم واضاءة رقمية طارق بوزيد، انتاج مسرح الناس تونس بدعم من وزارة الشؤون الثقافية.   حدة الصوت وعتمة الضوء دلالات الاكتئاب على الخشبة     انتشرت حالات الانتحار لدى الأطفال والشباب في السنوات الأخيرة، هذه الظاهرة التي هزت الشارع التونسي لأكثر من مرة خاطبت وجدان الكاتبة المسرحية دنيا مناصرية وحولت الوجع الى نص مسرحي قدمته المخرجة دليلة المفتاحي في عمل "اسمه "نومة". "نومة" هو اسم المسرحية، مفردة واحدة ومعناها مباشر النوم، لكن هذه النومة ستحولها المخرجة المسرحية الى أفعال متعددة، فالنوم قد يكون موتا، قد يصبح انغلاق كلي على الذات ومحاولة لتنويم كل الأعضاء تحت وطأة الاكتئاب، فالنومة هنا لن تكون هادئة بل ستكون ثقيلة مزعجة، نومة لا أحلام فيها بل كوابيس متكررة لا نهاية لها، كوابيس سيتشاركها الجمهور مع الممثلين من خلال الأصوات المرتفعة والموسيقى الحادة المصاحبة للعمل. للمكان تأثيره على الشخصيات، بصريا قسم الركح الى جزئين يفصل بينهما قماش شفاف انعكست عليه بعض الكتابات وصور تتحرك لخيالات تسكن ذهن الشخصية الرئيسية للحكاية، في مستشفى للأمراض النفسية والعصبية تدور القصة وبطلتها كاتبة مشهورة تحاول الانتحار، مصابة باكتئاب حاد وتتفنن في محاولات قتل نفسها. السينوغرافيا تحيل الى معنى الضوضاء والفوضى مع تكثيف للون الأبيض للإشارة الى فكرة السلام النفسي الغائبة عن المكان، ستار شفاف يقسم الفضاء نصفين، وحركات الشخصية ظاهرة في كلا الحالتين، حاجز لا يخفي شيئا في إشارة الى المراقبة اللصيقة للمرضى وكل زوار المشفى، الإضاءة الصفراء تشير الى الاختناق، تسلط على الشخصية المتكلمة، الإضاءة خافتة وموزعة في فضاءات محدودة للإحالة الى الضيق النفسي او الزنازين التي تحبس فيهلا كل شخصية افكارها ورغبتها في الحياة، فكل تلوينات الضوء وطريقة التوزيع تعبّر عن الحبس والعتمة الروحية. الصوت مزعج، اعتمدت موسيقات مختلفة في المسرحية بعضها من الايقاعات التونسية خاصة صوت النواح وأخرى موسيقى ايقاعية كلما تألمت الشخصيات زاد ارتفاعها، الموسيقى تشعر المتلقي بالإرباك والتوتر، تزعجه حدّ محاولة صمّ اذنيه أحيانا، فالموسيقى هي انعكاس للداخل، هي صوت الأرواح المضطربة، الألم الدفين لكل شخصية تم تحويله الى نوتات موسيقية، عويل داخلي يخرج الى القاعة فيصبح الوجع مشتركا بين الشخصية والمتلقي، الصوت القوي والمزعج مقصود وجزء من اللعبة المسرحية ليتورط المتفرج في عملية التطهير والبوح ولا يخاف من صوته الداخلي العميق مهما كانت شدة قوته وألمه. شكلت السينوغرافيا بوابة لاكتشاف الم المرضى النفسيين، حملت مخرجة العمل الجمهور الى دوامة القلق ورمت بهم في جحيم الخوف والسؤال، ورغم الجدية في الطرح المسرحي يبقى صوت الموسيقى القوي مزعجا للمتلقي، وان قصدوا تشريك المتفرج في مناخات الحكاية ولكن قوة الصوت المبالغ فيه أحيانا تشتت الانتباه وتدفع بالمتفرج ليصمّ اذنيه حتى ينقص من حدة التوتّر. "نومة" تجربة مسرحية نقدية تقرع الناقوس حول الصحة النفسية، التزام فني اخر تخوض غماره دليلة المفتاحي المؤمنة بقدرة المسرح على التأثير والتغيير، عمل اخر ينطق باسم المجموعة وقضاياها، لانّ المسرح بوابتها الأولى للحكاية ومساحتها الخاصة للتجريب ولتبيه الجمهور بالخطر المحدق، ولدليلة المفتاحي تجربة مسرحية طويلة وسبق وان طرحت في كل اعمالها قضايا حارقة تهمّ الانسان التونسي.   جسد الممثل بوابة الابداع والدفاع عن صرح المسرح …

بقلم admin7 دقائق قراءة

Go to Top