عن السير الذاتية وأهلها: قصة الكتابة التي أنقذت ” آمال مختار “
عن الفن و أهله

عن السير الذاتية وأهلها: قصة الكتابة التي أنقذت ” آمال مختار “

مثلاً.. وفي النهاية ربما.. وجب الاعتراف بأن عزوفك عن القراءة [...]

5 June 2026
0 دقائق

مثلاً.. وفي النهاية ربما.. وجب الاعتراف بأن عزوفك عن القراءة في السنوات الأخيرة، وإن كنت تحاول إقناع نفسك وإخبار الآخرين بأن مردّه هو تعب أصاب عينيك حتى صرت لا تقوى.. هو سبب، وبلا شك، كاذب. الأمر ذاته ينطبق على السينما كما ينسحب على اعتذارك عن الذهاب إلى المسارح إلا مجبراً لعمل أو مدفوعاً بمجاملة.

في النهاية أيضاً وجب التنويه إلى أن كل ما يتكوّم الآن فوق ثلاجة البيت هو قليل من بذور الطماطم البيولوجية الهاربة من مصانع التهجين، ومضاد للفئران منتهي الصلاحية، وعددٌ لا حصر له من الكتب الموقّعة التي لن يقرأها أحد.

قبل سنوات قليلة قرّرت، وبلا ندم لاحق، أن أُطلق سراح مكتبتي الخاصة، فكان أن أودعتها كلها مكتبة السجن المدني بصفاقس في مشروع كانت تعمل عليه الجميلة ” لينا بن مهني “.

قد يتعلق الأمر بكتب جيدة وأخرى سيئة لا محالة، ولكن الثابت في كل هذا أنه متعلق بمزاج فاسد أولاً، وبمزاحمة موازين غير متكافئة مع منصات التواصل الاجتماعي التي باتت تنشر وقتنا ويومنا نشراً، فلا تترك فيه متّسعاً ولا مجالاً لأي شيء آخر.

هل جرّبت ” الكاماسوترا ” في الكتابة؟؟

في الكتابة عن الكتابة، أو في الكتابة عن السينما أو عن المسرح أو أي أثر ذي أثر، لا أعتقد إلى اليوم بوجود ” كتالوج ” خاص يعلّمك مثلاً كيف تكتب أو ماذا تكتب، وإلا لكان الأمر قد تحوّل إلى عمل إداري محض، بدوام رسمي وإمضاء في الدخول وآخر في المغادرة وصعود إلى الطابق الثالث عند ” مدام عفاف ” لإمضاء ورقة أو الحصول على ختم. في سياق تجريبي دائم لا زلت أؤمن بـ” الحالة “، وبأن الموضوع الذي تحت يدك هو المخوّل الوحيد لتحديد الشكل الذي ستخرج به كتابتك اللاحقة عنه.

هل تعرف جمهورية ” شانوح “؟

حين وصلني كتاب ” أنقذتني الكتابة ” لصاحبته ” آمال مختار ” عن دار محمد علي للنشر، لم أكن قد قرأت لها من قبل، رغم أن رواية ” الكرسي الهزّاز ” مثلاً كانت قد مرّت تحت يدي أكثر من مرة.. دفعةً واحدة وفي جلسة واحدة انتهيت منه. قرار الكتابة عنه كان مهماً، ولكن ليس بقدر أهمية ” الحالة ” التي حفّت بفعل القراءة، والتي أحدثَتها وتُحدثها هذه السيرة. وجب إذن أن تكون ردّة الفعل من جنس الفعل نفسه، لذا انتهيت إلى الكتابة بالتعامد.

في عام 2001، وبعد أن دمّرت المدفعية الإسرائيلية مزرعته وحظائر ماشيته، قرّر المزارع غسان عبد العال التحدّي والبقاء في أرضه. وبمساعدة أبنائه، وضع لافتة خشبية كبيرة عند مدخل مزرعته كُتب عليها: ” أهلاً بكم في جمهورية شانوح لصاحبها أبو هيثم “. حمل هذا الإعلان طابعاً تهكمياً ورمزياً في آنٍ واحد؛ فمن ناحية هو تحدٍّ للاحتلال بأنه لن يترك أرضه ومزرعته مهما بلغ حجم القصف والتدمير، ومن ناحية أخرى هو عتب على الدولة اللبنانية لإهمالها وغياب دعمها ومساعداتها لإعادة إعمار ما دمّرته الحرب، ومطالبةٌ بمدّ المزرعة بالماء والكهرباء وتعبيد طريقها الوعر.

يلعنني أحدهم الآن في سرّه بعد أن ضاعت العلاقة السببية بين ” أنقذتني الكتابة ” و” جمهورية شانوح ” في زحام الحكي والاسترجاع، ولكنني صرت الآن واثقاً أكثر من أي وقت مضى من رفرفة روح ” التعامد ” في المكان.

” آمال مختار ” التي رأيت في هذه السيرة هي مشروع ” استقلال ” مكتمل، ومشروع ” اعتراف ” يصل إلى مشارف ” التفاضح ” الذاتي والجماعي، في سلام نفسي هادئ ومستفز.

هي ” الحالة ” إذن، وهي الاختيار الطوعي لإعادة ترتيب البيت وإن بعد حين، ولئن تبدو في ظاهرها استعادةً لأحداث من الماضي القريب أو البعيد، فإنها في باطنها سعيٌ حثيث نحو إعادة تملّك المصير وإن كان ذلك بشكل شبه رمزي، وهو تماماً ما فعله ” أبو هيثم ” برفعه اللافتة الخشبية، بينما رفعت ” آمال مختار ” لافتة الكتابة. يتعامد الطريقان ويتقاطعان، فإما أن تكون مخيّراً، وإما أن ينتهي بك المطاف أبيضَ ولطيفاً مثل ” دجاج الدولة “، أو موظفاً فوق الحاجة في الطابق الثالث مباشرة أمام مكتب ” مدام عفاف “.

قاطف الفراولة

بعد زمن قصير من إعلان قيام جمهورية أبو هيثم ” شانوح “، تم الإعلان، وبشكل مقتضب، عن تصفية هذا الأخير. والغريب أن مصرعه لم يكن بقذيفة من الاحتلال، ولم يكن أيضاً عملية ” تحنيط ” على أعتاب طوابير الدولة اللبنانية، بل كان على يد أخيه، وهنا انتهى البيان المقتضب دون خوض في التفاصيل. لم تعد هذه التفاصيل مهمة اليوم، بل أكاد أجزم أن لا أحد يتذكر هذه الدولة أو هذا الشخص، لكني وخلال بحثي عن ” التعامد ” انتبهت إلى جزء ناقص في سرديتي القصيرة هذه.

يشكّل ” الأب ” في سردية ” أنقذتني الكتابة ” عصباً مهماً، بل يمكن اعتباره الأهم ربما، باعتبار ظهوره في كل الفصول تقريباً، وبشكل بديهي في أغلب التفاصيل المُلمّة بالنشأة والتكوين، وعمله منذ طفولة الكاتبة، وربما حتى قبل ذلك، بتسطير خطوط الطول وخطوط العرض والإحداثيات التي كان يراها ” الأفضل ” له ولها في كل ما سيأتي داخل حياتها.

في سيرتها الذاتية تحاكم الكاتبة أباها، لكنها لا ترجمه، بل هي تحاول أحياناً، وإن كان ذلك تحت الطاولة، أن تلتمس له الأعذار من باب الاعتراف بوجود الحب، لكن مع تحوّله تصاعدياً إلى حب خانق ومكبّل، بل وإلى سجن، حتى إنّ وجه الأب قد تحوّل لاحقاً إلى عنصر رئيس ومحدّد في كل ما يحيط بالكاتبة من وجوه تتقرّب وأخرى تترصّد. كان الأب قد تحوّل بعدُ إلى أجزاء وأنصاف وأرباع، نسخٍ متفرقة وموزّعة بعدل بين الناس، كأن ” آمال مختار ” نفسها كانت تجمع سراً تلك الصفات وتحاول تركيبها من جديد، بحثاً عن الأب لا بحثاً عن قتله.

تتخشّب يد ” أبو هيثم “، العامل المشتغل في قطف ثمار الفراولة، وتتشقّق ويصير ملمسها خشناً، غير أن لحظة التقاطع مع الثمار تصير موجِبة لتحوّل تلك اليد الخبيرة إلى يد شديدة النعومة، حتى لا تفسد نضارتها. ولعلّي أعتقد أن هذا التشبيه هو أبلغ ما يمكنه أن يعبّر عن علاقة ” آمال مختار ” الكاتبة في ” أنقذتني الكتابة ” بوالدها؛ علاقة معقدة وملتبسة ليس ” الأب ” فيها سوى حجة لذيذة لمقارعة إرث كامل من العقلية الذكورية المجتمعية، بفعل مراكمة يمتد مداها إلى بداية التكوين ربما.

ماذا لو كنت محامياً، وأثناء دعوتك لتقديم مرافعتك تقرّر أن تكون محامي الخصم الذي قدّمت أنت الأوراق التي تدينه؟؟

في البداية.. كان من السهل على أبو هيثم أن يختبئ داخل الجمع، وأن يختزل نفسه داخل منطق أن الهزيمة الجماعية بلسم، وأن الرضا بالقسمة دين، وأن يترك نفسه للتيار يأخذه حيث يشاء، حتى يُلقي به يوماً، وبسبب معاملة إدارية روتينية، في الطابق الثالث، وأن تلتقي العيون صدفةً مع ” مادام عفاف ” التي توفي زوجها منذ سنتين.. إن اختيار الخروج من الزاوية الآمنة لهو عمل شجاع على المستويين الأدبي والاجتماعي، ويفرض على صاحبه أن يكون قادراً، وبشكل معقّد، خصوصاً داخل المجتمعات سليلة الصحراء وسليلة الإرث الثقافي الذكوري المتغلغل في نسائه قبل رجاله، على تحمّل الصدمات من الدائرة الأضيق وصولاً إلى الدوائر الأوسع، وأن يكون قد بلغ مرحلة من الصفاء النفسي التي لا تمانع البتة في خسارة الكل مقابل الفوز بالنفس أو ببعض منها.

أتت نهاية ” أبو هيثم ” على يد أقرب الناس إليه، أو أتت نهاية قابيل على يد أخيه (أو العكس، لست أتذكر، ولن أسأل الذكاء الاصطناعي)، وأتت يد الحب المبالغ فيه لتقطف حبة الفراولة قبل أوانها، غير أن هروبها دفع بها إلى عالم الكتابة، فكان خطأً مؤسِّساً ومعتمَداً، وطبعاً.. من كان منكم بلا خطيئة…

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.