في   ( الـ ) الحلم للفاضل الجعايبي :  بقايا قهوة مرة في سقف الحلق
في المسرح

في ( الـ ) الحلم للفاضل الجعايبي : بقايا قهوة مرة في سقف الحلق

يحاربون الخوف بالكتابة، يصنعون وطنا كما يريدون، حرّ، يدافعون عن الحرية والحقوق في مفهومها الكوني ويشكلان معا انعكاسا دائما للثورة والفكرة التي لا تعرف الخنوع، الثنائي…

بقلم admin8 دقائق قراءة

شارك المقالفيسبوكإكستلغرام

يحاربون الخوف بالكتابة، يصنعون وطنا كما يريدون، حرّ، يدافعون عن الحرية والحقوق في مفهومها الكوني ويشكلان معا انعكاسا دائما للثورة والفكرة التي لا تعرف الخنوع، الثنائي الفاضل الجعايبي وجليلة بكار ينجزان مسرحا ثائرا يحطم كا أبواب الخوف ويشدان عالما ليس بوردي ولكنه يقبل الاختلاف ويشرّع للحريات.

اجتمعوا على حبّ المسرح ولجمهور تظاهرة الخروج الى المسرح قدموا “(ال) حلم …كوميديا سوداء” المسرحية/ الصرخة والكتابة المتجددة في المسرح السياسي، عمل مرجعي اخر يضاف للفعل الإبداعي من أداء جليلة بكار وجمال المداني ومحمد شعبان ومنير خزري وحسناء غنام، سينوغرافيا وإخراج الفاضل الجعايبي انتاج فاميليا للإنتاج.

 

الشخصية والممثل شيفرات للنقد

 

في عمارة قديمة ومتهالكة تدور احداث الحكاية، مالكتها الوحيدة “جميلة” تحارب بذاكرتها منظومة كاملة من الرأسمالية المتعطشة للمال والقتل والدم، هكذا تخبر ضيفتها الصحفية وهي تشير الى قدم مكسورة وجسد منحن تركت السنين أثرها عليه.

“جميلة” هي هذا الوطن رغم المشاكل الكثيرة لازال محافظا على هيبته، بين جميلة والاوطان تشابه كبير كلتاهما تحاول الحفاظ على التاريخ تخفي اوراقها في صندوق جميل وتدافع عنه بآخر ما تملك من أسلحة، الكلام.

في المسرحية اجتمعت على الخشبة أجيال من الممثلين، لكل أسلوبه وطريقته في التعامل مع الشخصية وكل منهم يقدم لها الكثير لتبدو للمتفرج بتلك التلقائية والصدق.

 سيدة البيت والحكاية “جميلة” قدمتها الممثلة جليلة بكار التي لعبت شخصيتين في العمل، “نعيمة” و”جميلة” لكل واحدة مسارها الفكري والمعرفي وانتمائها الاجتماعي، ونجحت جليلة بكار في التناص مع كل واحدة، جليلة بكار ابنة الخشبة وعاشقتها في العمل كانت “الذاكرة” التي ترفض النهاية، :جميلة” ممثلة مسرحية معتزلة، نسيها جمهورها ربما ولكن ذاكرتها تحتفظ بنجاحاتها، تماما كالبلاد، هي جزء من تاريخها، الشخصية  (جميلة)رغم مساحات الظهور القليلة الا انها تمثل محور الحكاية ومجمّع الشخصيات في بيتها، هي امتداد لجليلة بكار الممثلة الاستثنائية، المنصهرة دائما مع الشخصية، قليلة الكلام، هادئة بصمتها تمنح للمتلقي عوالم الرحلة من المسرح الى الإنسانية.

يقابلها في مجموعة من المشاهد مبدع اخر هو جمال المداني، قدم شخصية جمال جميل عبد الناصر،  اسم له رمزيته في الذاكرة العربية، “جمال عبد الناصر” بخطاباته القوية وحضوره الشامخ في ذاكرة اغلب العرب، من الاسم اخذت الشخصية البعد الوطني فقط، فجميل جمال عبد الناصر السبعيني لازال يؤمن بتونس الحرة والعربية والمسلمة ويدافع عن أفكاره ومواقفه التي يرى انّها وطنية جدا، في المقابل الشخصية تشبه الكثير من التونسيين المتلونين، أولئك الذين يعيشون بشعار “مات الملك، عاش الملك”، فالشخصية منخرطة في كل الأحزاب الحاكمة، من حكم بورقيبة الى التجمع الدستوري الديمقراطي ثم النهضة ف25جويلية، شخصية تنخرط في كل حزب حاكم وتدافع عنه وعن مشاريعه في محيطها المهني والعائلي الضيق، “جمال جميل عبد الناصر” السكير والمتاجر بكل القيم قبالة بعض الدنانير، سيتورط في حادثة قتل بسبب وطنيته المفرطة، وطنية أصبحت خانقة للبقية لأنها تحولت الى تزلف ورياء باسم السلطة الحاكمة.

جمال المداني المتلون مع شخصياته، جسده المنحني قليلا، ذاك الشعر الاشيب والخطوة الثقيلة أحيانا أحسن توظيفها خدمة للشخصية ولابعادها النفسية، الانتهازية والسذاجة اهم مواصفات الشخصية التي لعبها المداني بشغف ممثل هاو يكتشف سحر الخشبة وبهاء اب الفنون.

 

 

 

 

الشخصية المتناقضة بين الواقع والقيم، شخصية لا مبادئ واضحة لديها فقط تساير التيار، من خلالها يسلط الضوء على العنصرية والعنف المسلط على الافارقة جنوب الصحراء الموجودين في تونس في الفترة الأخيرة، معاناة الهاربين من الحرب والموت وما يقدمونه من تضحيات حتى يصلوا الى الجانب الاخر أي اروبا يفهمه المتفرج من خلال الحوار بين جمال عبد الناصر وبية الصحفية، فهو يرى انّ وجودهم مقلق وحضورهم يأثر على التركيبة الديمغرافية وبينما ترى ان يجب معاملتهم بانسانية واحترام حقوقهم وكرامتهم، العنصرية وكيف يتعامل التونسي مع الافارقة من المواضيع الاجتماعية التي نقلتها كاتبة النص من الواقع الى الخشبة لتبرز للجمهور بشاعة رفض الاخر ومدى قبحنا حين نقرر مصير انسان هرب من جحيم الحرب ليجد نفسه في جحيم السماسرة والمتاجرين بأحلام الانسان وجسده وحياته.

شخصية ثالثة صنعت الحدث، دور مختلف عما قدمه سابقا، منير الخزري يقدم شخصية “الطاهر” هاربة من الذاكرة والانتماء، تعمل وتنام، دون قرارات او مواقف، تعيش الحياة العادية للبشر لا تستعمل العقل كثيرا، بضع الجعة مع اكلة فقط، شخصية تمثل جزءا من الذاكرة الجغرافية لتونس العاصمة، تمثل النزوح أولئك الذين تركوا مدنهم وقراهم الاصلية ونزحوا بحثا عن لقمة عيش بسبب التعاضد والسياسات الفاشلة، الطاهر يحافظ على بداوته في اللهجة، مختلف عنهم في طريقة العيش، هو مبحث سوسيوثقافي لكل التحولات التي عاشها المجتمع التونسي منذ التعاضد الى الثورة.

من الممثلين المميزين أيضا، فنان يحمل هاجس المسرح في الذاكرة والجسد، محمد شعبان تقمص شخصيتين متناقضتين، لكل واحدة مداراتها النفسية ومرجعياتها التمثيلية، الأولى “باديس” المصاب بالتوحد، حركة دقيقة، الم نفسي وغضب من الجميع يصل عبر الكلمات المتقطعة والصوت الخائف، انطواء الشخصية على نفسها لحظة الفرح والغضب المفرط وقت الخوف، إشارات التقطها شعبان بذكاء ونجح في ايصالها لجمهور صفق طويلا على “باديس”.

اما الشخصية الثانية فتحضر فقط من خلال الصوت، صوت قوي متمكن من لغته الامرة، يتحكم في بقية الشخصيات وردود فعلهم عبر نبرة الصوت المنغمة أحيانا، حضور الصوت يمنح المتفرج الفرصة لتخيّل الشخصية وملامحها الجسدية واثبت شعبان قدرته على التلون مع ادواره لأنه يلعب بحرفية وصدق.

 

 

 

 

الوطن يتسع لكل أبنائه فلم الاقصاء؟

 

يضع المخرج ممثليه وشخوصه في فضاء مكاني واحد ليحاولوا تشارك العيش معا رغم اختلافات انتماءاتهم الفكرية والسياسية وتوجهاتهم الحياتية، اختير المطبخ ليكون فضاء للعب وكما تطبخ الاكلة على نار هادئة تماما طبخت اللعبة والحكاية بينهم في إيقاع بطيء لاستفزاز المتلقي ومنحه الفرصة ليستوعب كمية الأسئلة المطروحة في العمل ويتشرّب كل تلك القضايا الجوهرية والموجودة في مساحة للحرية اسمها مسرح.

 كل مكونات المطبخ ستكون ديكور للعرض وتأثر في سردية الحكايات وأداء الممثل، في العتمة تصبح اضاءة الثلاجة الخافتة مصدرا ليضيء وجه الممثل، ضوء المطبخ المتراقص يشبه تماما فوضاهم في التعامل مع بعضهم البعض، الغاز والقوارير جميعها تمنح المكان صبغته الحميمية ولكنه في الحقيقة فضاء لتشكل عواصف باردة بين الشخصيات واختلافهم يزداد ليصبح حادا كما السكاكين.

هذا المطبخ يمكن اسقاطه على تونس، فهي مساحة صغيرة تستوعب أبنائها بكل تناقضاتهم، من خلال الحوارات بين الممثلين والأفكار المطروحة ومدى استسلام اغلب الشخصيات في الدفاع عن ذاكرة البلاد “بالاص مورو”  والقضايا المطروحة عموما نكتشف ان جميعنا مسؤولين عن خراب الوطن، من يخون ومن يصمت كلاهما في خانة واحدة، نحن من يصنع العمران والخراب في الوقت ذاته، هكذا ودفعة واحدة تضعنا كاتبة النص في صف واحد، جميعنا جبناء اذا لم ندافع عن ذاكرتنا ومن يسلّم في الذاكرة ويفقدها سيتنازل عن أشياء كثيرة ومنها حريته وحقوقه، بعد مشاهدة العمل لن تكون كمنا كنت ستخرج محمّلا بثقل النقد والسؤال: كيف امارس مواطنتي؟ وهل يمكنني التغيير ام انني مجرد رقم في قائمة الانتخابات؟ لماذا هذا الصمت المريب امام ما تعيشه البلدان من خراب؟

هذه الأسئلة تطرح في العمل عبر شخصية “بية” الصحفية الاستقصائية الهاربة من وجعها الشخصي لمداواة وجع المجموعة وصراعها مع “الامن” ممثلا للمنظومة او السلطة، تحضر “بية” بجسدها وثقلها وافكارها عارية على الخشبة بينما تحضر السلطة فقط عبر الصوت لتحاول بثّ الرعب في كل الشخصيات، هذا الصراع بين الكلمة الحرة والمواقف الثابتة وسلطة هدفها اسكات الجميع والتهمة دائما جاهزة كما تقول الشخصية.

في المسرحية نجحت حسناء غنام في التماهي مع الشخصية وافكارها، كانت على الخشبة شامخة حاملة لقضية واستطاعت منح الشخصية الكثير من الصدق، حسناء غنام عنصر جديد على فريق العمل تعوض مريم بن حميدة وكلتاهما لها خصوصياتها في التعامل مع الشخصية والفكرة.

في الصراع تحاول الصحفية اثبات حقها في ممارسة صحافة حرة تدافع من خلالها عن أبناء وطنها والقضية الفلسطينية والافارقة جنوب الصحراء وقضاياهم وتؤمن ان الصحفي الحرّ هو دعامة لحرية البلاد، بينما ترى السلطة العكس وتحاول في أرشيف “الصحفية” وحياتها الخاصة لتجد تهمة مناسبة لتودعها مكانا تراه المنظومة هو الأفضل “السجن” وتحاول كتم الصوت الحرّ المؤمن بالدفاع عن القضايا العادلة.

المسرحية قائمة على النقد والسؤال، وكما مطبخ “جميلة” اتسع لكل تلك الشخوص بتناقضاتها تونس أيضا تتسع لكل أبنائها بمختلف انتماءاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية، تتسع للمدافعين عنها وعن أفكارهم وان اختلفت مع السلطة الحاكمة، فالوطن للجميع وليس لانصار المنظومة، وكل التونسيين هم شركاء في الدفاع عن وطنه وافكارهم دون الخوف من “المرسوم54” لان المراسيم زائلة والاوطان باقية.

 

 

 

 

 

سينوغرافيا الظلام لتعرية ضوء الواقع:

 

 

اضاءة خافة اغلب العمل تسلط فقط على الشخصية المتحدثة، لعبة الضوء والظلمة تدفع الى الأسئلة، يضع المخرج جمهوره في خانة الحيرة والتساؤل عن مصير الشخصية او بقية الحكاية، يبدع الفاضل الجعايبي في ملامسة كوامن المتفرج وجعله جزء من المنظومة المسرحية.

الكتابة بالصورة لعبة مسرحية يتقنها الجعايبي، مبدع يعمل بصمت ليقدم لجمهوره الياذة مسرحية تسحر البصر وتحفز ملكة السؤال لدى المتلقي، مسرح الفاضل الجعايبي يشبه خبرته الطويلة خاصة في التعامل مع الممثل والفضاء.

 في “حلم” الديكور سيد المكان، اثاث المطبخ ومكوناته سيوظف اثناء اللعبة المسرحية، حين ضوء الثلاجة اثناء فتحها في الظلام الدامس وانعكاسه الضئيل على وجه الممثل يصنع صورة، الفانوس اليتيم على الجدار حين ينعكس على الطاولة والورد يصنع صورة مختلفة، وحين يشتعل الضوء كاملا ولكنه خافتا يقدم صورة مختلفة، فالمسرحية مليئة بالصورة والمشهديات مكتوبة بحرفية فنان تعلم كيف يلعب بالذاكرة البصرية لجمهوره.

السينوغرافيا او القراءة البصرية للنص المكتوب في مسرحية (ال) حلم  كوميديا سوداء كانت بوابة للتعرف اكثر على الشخصيات فملامحهم شبه الغائبة في الحوار العادي تصبح واضحة جدا اثناء الاستنطاق او الاتهام، وكأننا بالمخرج يضع كل شخصياته في دائرة الحقيقة فقط في لحظة الارتباك او الخوف، لتنكشف دواخلهم، فلكل شخصية اسرارها تبوح بها تدريجيا وكلما كانت الإضاءة أوضح ارتفعت معها درجات الوعي بقيمة كل شخصية ومدى تناص اسرارها مع لعبة الضوء والظلمة.

(ال) حلم …كوميديا سوداء عنوان العمل، ألف ولام موضوعتين بين قوسين وحلم دون تعريف وكاّننا نبحث عن ماهية هذا الحلم وإمكانية وجوده وقية العنوان تمزج كلمتين متناقضتين واحدة تحيل الى الفرح وأخرى الى الموت؟ فهل مازال للحلم مكان او هل الكوميديا قادرة على التعبير عن الوضع وقراءته وهل تعجز المنظومة على خنق الحلم (حتى الحلم صعبتوه علينا) كما تقول الشخصية اخر المسرحية، فهل نحلم ام نؤجل الحلم قليلا.

(ال) حلم …كوميديا سوداء سردية مسرحية أخرى يبدع في صياغتها الفاضل الجعايبي وجليلة بكار، قدرة على الكتابة للمسرح السياسي ومن “يحيى يعيش” الى “الحلم” لازال للثنائي قدرة خاصة على مشاكسة الأنظمة وطرح الأسئلة واثبات انّ المسرح ممارسة حيّة وحرّة.

Go to Top